بعد سنوات طويلة من الألم والدمار والتهجير، يحلم السوريون اليوم بدولة جديدة تقوم على القانون والعدالة والكرامة، دولة تحفظ تضحيات أبنائها وتفتح أبواب المستقبل أمام أجيالها القادمة.
ولذلك فإن السوريين لا ينظرون إلى المرحلة الجديدة على أنها مجرد تغيير سياسي، بل يرون فيها فرصة تاريخية لبناء سوريا التي دفعوا من أجلها أثماناً باهظة من الدماء والأعمار والسنوات.
ومن هنا تنبع حساسية شريحة واسعة من السوريين تجاه بعض المشاهد التي تتكرر بين الحين والآخر، عندما يرون شخصيات تعود إلى الظهور في المؤتمرات والملتقيات والفعاليات العامة، رغم ارتباطها في ذاكرة كثير من السوريين بمرحلة النظام البائد وما شهدته من اعتقال وقتل وتهجير وتدمير وفساد واستبداد، وما تركته تلك المرحلة من جراح عميقة وآثار لا تزال حاضرة في وجدان السوريين حتى اليوم.
فبالنسبة لكثير من السوريين، لا يتعلق الأمر بمجرد أشخاص عايشوا تلك المرحلة، بل بشخصيات ارتبطت في أذهانهم بالدفاع عن النظام البائد، أو بالاستفادة من منظومته، أو بالعمل ضمن شبكات النفوذ والمصالح التي نشأت في ظله. وهي ارتباطات جعلت شريحة واسعة من السوريين تنظر إلى عودة هذه الشخصيات إلى المشهد العام بوصفها امتداداً لصور وممارسات كانوا يأملون أن تصبح جزءاً من الماضي.
ولذلك فإن ظهورها المتكرر في المشهد العام يلامس جراحاً لم تندمل بعد، ويثير تساؤلات حول مدى انعكاس تضحيات السوريين وآلامهم خلال السنوات الماضية في صورة المرحلة الجديدة والوجوه التي تتصدر مشهدها.
إن المشكلة بالنسبة لكثير من السوريين ليست في أي إجراءات أو معالجات تتخذها الدولة ضمن مسؤولياتها الوطنية، فهذه أمور تخضع لاعتبارات وملفات معقدة لا يمكن اختزالها بصورة أو منشور أو تعليق.
كما أن المشكلة لا تتعلق بإدانة كل من عاش أو عمل أو نجح في زمن النظام البائد أو تحميله المسؤولية ذاتها.
فبين السوريين رجال أعمال وتجار وأطباء ومهندسون وموظفون وأصحاب مهن عاشوا في ظل واقع لم يصنعوه ولم يختاروه، وكانت خياراتهم في كثير من الأحيان محكومة بظروف قاهرة وتعقيدات فرضتها طبيعة المرحلة. ولذلك فإن العدالة لا تقوم على التعميم أو تحميل الناس مسؤوليات جماعية، بل على التمييز بين من تورط في الظلم أو الفساد أو دعم منظومة الاستبداد واستفاد منها، وبين من عاش تلك المرحلة دون أن يكون جزءاً من تلك الممارسات أو مسؤولاً عنها.
ولا يخفى أن كثيراً من السوريين ينظرون بتحفظ أو اعتراض إلى بعض المعالجات أو التسويات التي أُجريت أو تُجرى مع شخصيات ارتبطت في أذهانهم بسنوات النظام البائد. ومع ذلك، يدرك كثيرون أن الدولة قد تتعامل مع بعض هذه الملفات ضمن اعتبارات وطنية أو قانونية أو اقتصادية معقدة، تتعلق باستعادة الأموال العامة أو معالجة إرث ثقيل من الفساد والاستبداد والتشوهات الاقتصادية والإدارية التي تراكمت عبر عقود طويلة، وهي اعتبارات قد لا تكون جميع تفاصيلها متاحة للرأي العام.
غير أن هذا الإدراك لا يلغي التساؤل الذي يتردد على ألسنة كثير من السوريين: إذا كانت بعض هذه الملفات تُعالج ضمن اعتبارات تراها الدولة ضرورية للمصلحة العامة، فلماذا يستمر ظهور بعض هذه الشخصيات في المؤتمرات والمنتديات والفعاليات والصور العامة، وأحياناً إلى جانب مسؤولين أو شخصيات رسمية، رغم ما تمثله في ذاكرة كثير من السوريين من ارتباط بسنوات الألم والاستبداد؟ وما أثر ذلك على مشاعر عائلات الشهداء والمعتقلين والمهجرين الذين قدموا تضحيات جسيمة خلال سنوات الثورة؟
فالسوريون ليسوا شعباً بلا ذاكرة.
في كل مدينة وقرية وحي، هناك عائلات فقدت أبناءها، وهناك معتقلون قضوا سنوات طويلة خلف القضبان، وهناك أمهات وآباء ما زالوا حتى اليوم ينتظرون خبراً عن أبنائهم المفقودين، وهناك مهجرون عاشوا مرارة اللجوء والنزوح، وأجيال كاملة كبرت تحت أصوات القصف والخوف والجوع والحصار.
ولهذا فإن رؤية بعض هذه الشخصيات في المشهد العام تثير لدى كثير من الناس مشاعر الحزن والتساؤل والقلق، لأن الناس لا تتذكر الصور بقدر ما تتذكر المواقف، ولأن التاريخ لا يُكتب بالشعارات بقدر ما يُكتب بالمواقف التي تبقى راسخة في الذاكرة الوطنية.
ومن هنا فإن احترام مشاعر الضحايا وذاكرة السوريين لا يتعارض مع بناء الدولة، بل يعزز الثقة بها ويمنحها مزيداً من القوة والمصداقية. فدولة القانون لا تقوم على الانتقام، لكنها أيضاً لا تقوم على تجاهل الحقوق أو إلغاء العدالة، بل على الموازنة بين متطلبات الاستقرار ومقتضيات العدالة واحترام حقوق الضحايا.
وهي المبادئ التي أكدت الدولة مراراً التزامها بها، حين شددت على أن أي تسويات أو معالجات اقتصادية أو إدارية لا تعني إسقاط المسؤولية القانونية أو إغلاق باب المساءلة أمام القضاء. فالعدالة ليست عائقاً أمام الاستقرار، بل أحد شروطه الأساسية، كما أن بناء المستقبل لا يكتمل إلا بحفظ الحقوق واحترام التضحيات التي قُدمت من أجله.
إن سوريا الجديدة لا تعاني من نقص في الكفاءات الوطنية الشريفة، ولا في أصحاب الخبرة والعلم والإنجاز، بل تملك آلاف الرجال والنساء القادرين على المساهمة في بناء الدولة واستعادة الثقة وترسيخ قيمها ومؤسساتها.
وأعظم وفاء لتضحيات السوريين ليس في الخطابات، بل في بناء دولة يشعر فيها الناس أن دماء الشهداء وآلام المعتقلين ومعاناة المهجرين لم تتحول إلى مجرد ذكرى عابرة، وأن ما قُدم من تضحيات كان خطوة نحو مستقبل أفضل وأكثر عدلاً وكرامة.
فالشعوب قد تصبر، وقد تسامح، لكنها لا تنسى.
وحين تحترم الدولة ذاكرة شعبها، يزداد احترام الشعب لدولته، وتكبر ثقته بمؤسساتها، ويصبح الطريق نحو الاستقرار والنهضة أكثر قوة وثباتاً.
فمن حق سوريا أن تبني مستقبلها، ومن حق السوريين أن يروا في هذا المستقبل وجوهاً تشبه تضحياتهم وآمالهم، لا وجوهاً تذكرهم بسنوات الألم التي دفعوا ثمناً باهظاً للخروج منها.
عماد إسماعيل - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية