أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"كبسة زر"... شتيمة مُقنّعة

"كبسة زر"...
كلمة أسمعها يومياً منذ أن شققت طريقي في مهنة الإعلام؛ المهنة التي تُشبه ساحة معركة، مليئة بالتعب والخسارات، أكثر مما هي مليئة بالأضواء.

كلما رنّت هذه العبارة في أذني، لا تمرّ مروراً عابراً، بل تهبط على قلبي كأنها شتيمة صريحة، تختصر كل ما أعيشه بكلمتين باردتين.

أذكر يوماً كنت جالساً مع رفاقي: ممرض، ومسعف، ومقاتل، وقناص، ورامي BKC.
دخل علينا رجل في الأربعين من عمره، ومنذ اللحظة الأولى لم يكن ودوداً. كان حضوره ثقيلاً، ونظراته أقرب إلى التحقيق منها إلى التعارف.

بدأ يسألنا واحداً تلو الآخر، وكأنه محقق في فرع أمني، عن عمل كل شخص.
حتى وصل إليّ.

"شو بتشتغل؟"
أجبته: "إعلامي".

ضحك… ضحكة قصيرة، لكنها كانت كافية لتكشف ما في داخله، ثم قال:
"شغلتك سهلة… كبسة زر".

في تلك اللحظة، لم تكن جملة عابرة.
كانت حكماً جاهزاً، اختزل سنوات من الخوف، والركض، والتوثيق، ومرافقة الموت، في "كبسة زر".

لكن هذه "الكبسة"…
علّمتني أن كل مرة أخرج فيها لأُصوّر، قد تكون الأخيرة.
أنني قد أُصاب، أو أفقد أحداً من رفاقي، أو لا أعود أبداً.

هذه "الكبسة"…
خسرنا بسببها وجوهاً لن تُنسى:
وليد الحميدي، مصطفى الساروت، أنس خربطلي، رامز زريق…
أسماء لم تكن عابرة، بل كانت حكايات كاملة، توقفت فجأة.

منذ ذلك اليوم، كرهت تلك الكلمة.
وكرهت كيف تُقال بسهولة، خصوصاً في شمال سوريا… في الشوارع، بين الأصدقاء، وفي المخيمات.

لا أحد يرى ما قبل "كبسة الزر":
لا الساعات الطويلة، ولا المخاطر، ولا الدم الذي نمرّ بجانبه، ولا القصص التي نحملها معنا كأعباء لا تُرى.

نعم… هي كبسة زر.
لكن قبلها، حياة كاملة تُعاش على حافة الخطر.
وبعدها أحياناً… لا يبقى شيء.

أبو وطن السنغفوري - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي