منذ نحو عام، قررت أن أكون مراقبا بعيدا للمشهد في سوريا، وذلك على وقع الأحداث التي حصلت في السويداء ، وما تبعها من ردات فعل عنيفة من بعض أبناء المحافظة ، وصلت إلى حد مقاطعة كل من ينتمي إلى طائفة السلطة، حتى لو لم يكن متماهيا معها، أو راضيا عن تصرفاتها .
وشخصيا، وجدت نفسي محاطا بعداوة أصدقاء من السويداء ، بيننا تاريخ طويل من العشرة والعمل المشترك ، وبعضهم لم يتوانى عن شتمي وشتم أهلي بأقذع العبارات ، علما أن أحد هؤلاء عشنا سوية في بيت واحد وأكلنا من صحن واحد ، فعز علي كثيرا أن أرد الشتيمة بأختها ، واكتفيت فقط بالابتعاد عن الخوض في الحديث عن هذا الموضوع .
أما اليوم ، وبعد أن تجدد الحديث عن أحداث السويداء كما لو أنها حصلت بالأمس ، رغم مرور عام عليها ، فواجب علي أن أقول ما كنت أعرفه وحاولت التلميح إليه مرارا في كتاباتي ، وهو أن التواصل بين بعض أبناء السويداء وبين إسرائيل ، لم يكن نتيجة للأحداث المؤسفة في السويداء في شهر تموز من العام الماضي ، بل يعود إلى أكثر من خمس سنوات وربما أكثر من ذلك.
كتبت العام الماضي مقالا في صحيفة "العربي الجديد" ، تحدثت فيه عن تواصل أحد الشخصيات المعروفة من السويداء معي في مطلع العام 2020، والذي طلب مني مساعدته في التواصل مع شخصيات وازنة من حوران لأجل مشروع يهدف لانفصال الجنوب بالكامل عن سوريا، وبمساعدة إسرائيل .
لم آخذ يومها الموضوع على محمل الجد ، لأني أعرف تماما أن هذه الشخصيات التي يبحثون عنها في حوران غير موجودة أبدا ، وفي حال وجد بعض ضعاف النفوس، فإنه لن يكون لها أي حامل اجتماعي.
استمر التواصل بيني وبين هذا الصديق من السويداء لعدة سنوات، وكان آخر تواصل بيننا قبل أحداث السويداء بشهرين على ما أذكر، يومها أخبرني صراحة وبشكل فج ، أنه ينسقون مع إسرائيل ويتلقون منها المساعدات المالية والعسكرية، بالإضافة إلى مساعدة "قسد"، وأنه ماضون في مشروع الانفصال عن سوريا وأخذ حوران عنوة معهم ، وبناء دولة خاصة بهم .. يومها قلت له كلمة واحدة : خسئت .. وحظرته بعدها.
ذكرت غير مرة أنني أنتمي إلى منطقة جغرافية من حوران لا تبعد عن مركز محافظة السويداء سوى عشرين كيلو مترا ، بينما مركز محافظة درعا يبعد عنا أكثر من 40 كيلو مترا. وبعض قرى السويداء كنا نذهب إليها مشيا على الأقدام ، لذلك من الطبيعي أن يكون هناك صلات بيننا ، ونعرف بعضنا البعض أكثر من أي منطقة أخرى في سوريا.
واستطيع أن أجزم أن علاقات الجوار والاحترام كانت مميزة بين أهالي السويداء وأهالي درعا ، وكنت دائما أقول إنه إذا حدثت مشكلة في السويداء عليكم الاستعانة بأهالي درعا، لأنهم الوحيدون القادرون على حلها .. والعكس صحيح أيضا. وهو ما حصل في المشكلة المعروفة بين "الدروز" والبدو في العام 2000 ، عندما تدخلوا وحلوها بعد أن عجزت السلطة عن حلها ، وكذلك في المشكلات التي حصلت لاحقا ، عندما حاول نظام بشار الأسد إيقاع الفتنة بين المحافظتين أكثر من مرة ولكنه فشل.
وكنت أتمنى على الرئيس أحمد الشرع لو أنه انتبه إلى هذا الأمر، في ظل الاستعصاء الذي حصل في السويداء بعيد التحرير، واستعان بأهالي درعا لإزالة سوء التفاهم .. لربما كانت النتائج أفضل بكثير مما وصلت إليه اليوم.
بكل الأحوال ، لا أعتقد أن مشكلة السويداء يمكن أن تصل إلى ما يشتهي إليه الشيخ الهجري وجماعته ، ممن يقودون المحافظة إلى غير ما يريده أبنائها ، لأن التاريخ يقول إن الدروز الذين يعتبرون من أقدم الطوائف التي سكنت بلاد الشام ، قبل أكثر من 1000 عام ، لم يستمروا في هذا المنطقة وينمو تواجدهم فيها، لولا أنهم وجدوا أسباب استمرارهم وممارسة حياتهم وطقوسهم بمنتهى الحرية .. هذا هو التاريخ الحقيقي الذي يجب أن يتمسك به أبناء الطائفة الدرزية ، لأن إسرائيل هي وافد جديد على المنطقة، عمره ثمانون عاما فقط . ولا أظن أن هناك عاقلا يغامر بألف عام من التاريخ، من أجل كيان ، واضح أنه يريد أن يستخدم الدروز كجدار عازل بينه وبين جيرانه العرب ، ثم يمد هذا الجدار بكل أسباب العداوة مع المحيطين به ، من أجل أن يعيش هو بسلام ، مقابل أن يتقاتل الأخوة مع بعضهم البعض.
اختم حديثي بدعوة أهلي في السويداء المعروفون بالعزة والكرامة، الى البحث عن حل آخر غير ما يقودهم الهجري إليه .. فسوريا هي وطنهم الذي يجب أن يعتزوا بالانتماء إليه .. ولا أعتقد أن أحدا سوف يكون سعيدا أو فخورا وهو يقول أنا من دولة الباشان، عندما يسأله الآخرون من أين أنت ؟!
فؤاد عبد العزيز - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية