في صغري كنت أعشق كرة القدم، ولطالما لعبت حارساً للمرمى أيام المدرسة. كان مرماي عصياً على الأهداف، حتى حين كان لاعبو الفريق الخصم يهددونني قائلين: "نلقطك بنهاية الدوام"، كانت شباكي تأبى أن تُخترق.
وكذلك كان قلبي عصياً على الحب، حتى اخترقته قبل عام ابنةٌ الجزيرة السورية. جمعتنا الثورة، وجمعتنا "صاحبة الجلالة". وكما يحدث في معظم الحكايات، كنا نختلف ثم تعود المياه إلى مجاريها. إلا أن الخصام الأخير لم تنتهِ فصوله... وكان المغرب سببه.
غادرت دمشق وأنا أتوعدها: جهزي نفسك، ففرنسا ستنتصر على المغرب.
وحين بلغت المباراة الدقيقة الستين، أرسلت إليها: "عاجل... الديوك الفرنسية تعلن أن الأسود المغربية صديق". وبينما كان جميع الجالسين في كافتيريا الساري بالرقة يشجعون أسود الأطلس، كنت أصفق لكل فرصة فرنسية، غير آبهٍ إن كسروا الكراسي فوق رأسي، لأنني أردت أن أنتصر عليها.
لكن ما إن أطلق الحكم صافرة النهاية، حتى سقطت كل رهاناتي. فوالله، دمعتها لا تهون، ولا يهون خاطرها.
لذلك... لها أولًا، ولكل من شجع المغرب: مباركٌ لكم.
فالمغرب لم يخسر، بل انتصر؛ وتجاوز حدود الجغرافيا، ووحّد قلوب الملايين من إفريقيا إلى آسيا، وأثبت أن ما تعجز عنه المؤتمرات قد تصنعه تسعون دقيقة على المستطيل الأخضر.
فعلى اختلاف العشائر والقبائل، والطوائف والمكونات، والأديان والمذاهب، جلس الجميع يشجعون أسود الأطلس وكأنهم أبناء بيتٍ واحد.
وأعاد إليهم شعوراً افتقدوه طويلاً؛ أن يفرحوا معاً دون أن يسألوا عن الجنسية، أو اللهجة، أو الطائفة، أو العِرق. صار هدفٌ مغربي يُسعد طفلاً في بغداد، ويُبهج شيخاً في دمشق ويزرع الابتسامة في بيتٍ بالقاهرة، وآخر في الرياض، وثالثٍ في الجزائر.
مباركٌ للمغرب... ومباركٌ لكل من شجعه وأحبه.
عمار الحميدي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية