كانت مسرحيات محمد الماغوط وكتبه الطريقة التي تمكّن فيها والدي من توجيهي إنسانياً. في طفولتي، كانت تلك المسرحيات كخيط فجر يربطني بالنجوم، خصوصاً تلك الجمل والمواقف التي تمر مثل: "الحمار أكل الدستور"، والكنافة التي صُنعت بالكلام ولم تُؤكل أبداً، والكهرباء التي وصلت إلى "قفا" المواطن أثناء تعذيبه قبل بيته، فكانت فرحته بها كبيرة، وكبيرة جداً.
هل تذكرون شريط الفيديو الكبير، الأسود، الذي كان يجمع الدنيا بداخله؟ كان هذا مدينة الملاهي التي أزورها برفقة الماغوط وشخصياته الوطنية والخائنة، حتى سألت طبيباً ذات مرة: ما هو مرض "أبو صفير" الذي يطلبه الآغا؟ فهو لا يريد أن يمرض مثل الفقراء.
من مسرحية "ضيعة تشرين" إلى "غربة"، و"كاسك يا وطن"، و"شقائق النعمان"، وصولاً إلى كتابه "سأخون وطني" و"سياف الزهور"، فهمت تماماً لماذا قال: "كل ما في الأرض والسماوات والمحيطات للوطن، والوطن لبضعة لصوص"، وحين كتب: "عمرها ما كانت مشكلتنا مع الله، مشكلتنا مع الذين يعتبرون أنفسهم بعد الله..!".
في عام 2004، قبل تأسيس "زمان الوصل بسنة"، تقصيت عن عنوانه، وحصلت عليه؛ بيته في دمشق (المزرعة). ركضت إلى هناك وأنا أحمل كيس خيش من الذكريات والأسئلة. طرقت على الباب، ففتحت سيدة ظننتها ابنته، قالت: "أنا صحفية من جريدة المحرر العربي"، استأذنت الماغوط ودخلت...
في حضرة الفهد العجوز
كان يجلس في غرفة تحيطه عشرات الصور، تزينها صور كبيرة لبلدته "سلمية" ولزوجته "سنية". كان يدخن بشراهة، ويقذف العقب بغلّ في سطل كبير، كأنه يرمي أحزانه المحروقة.
صمته أبلغ من الكلام، لم يكن في مزاج ليتحدث كثيراً. سألته عن "غوار"، قال: "هذا ...."، وصمت.. حدثني قليلاً عن كتابه "سأخون وطني"، وأن الخيانة هنا هي الولاء في حقيقتها، لكن لوطن حقيقي، والخيانة هنا أيضاً حقيقة، لكن للوطن المزيف الذي يجبرك على الهتاف والمسيرات وتقبيل حذاء القائد الفذ، وأنت حافٍ.
نقلت له تحيات والدي وحبه له، فابتسم. وقالت لي المحررة: "سأكتب عن هذا اللقاء في نهاية مادتي عن الماغوط".
خرجت من كهف الفهد العجوز حزيناً؛ فقد أحسست بانكساره. وكتبت "المحرر العربي" في ختام مادتها: "زاره شاب من معجبيه، ونقل له تحيات والده". كنت أحتفظ بقصاصة الجريدة، لكنها وأرشيفي الصحفي أكلها حمار البيك.. حين قصف بيتي.
الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية