لم ينتهِ شغفي فجأة، بل تآكل تدريجيًا… منذ اللحظة التي انتهت فيها المظاهرات السلمية. كنا شهودًا على قمعها، على الرصاص الحي الذي كان يرمش به شبابنا في الشوارع، وكأن الحياة تُطفأ أمام أعيننا.
هناك، انتهت الرفاهية. لم يعد للكبسة والكبة مكان في يومياتنا، واستبدلناها بخشونة الجبال وبرودة الغابات. صرنا نرافق الثوار، نسكن المناطق البعيدة عن المدن، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الخوف والترقب.
في إحدى الليالي، دخل شاب حلبيّ الأصل إلى المقر. سأل بهدوء:
"في عندكم مية فرنجي وخبز؟"
ساد الصمت لدقيقة… كأن السؤال جاء من زمن آخر. أعاد سؤاله مرة ثانية، فابتسم أحد الشباب وقال:
"اطلب دبس بندورة!"
منذ تلك اللحظة، تغيّرت مفرداتنا. لم تعد الكلمات كما كانت، وصارت لكل كلمة معنى جديد، يتشكل تحت ضغط الحرب والجوع والخوف.
لم تكن كاميرتي من نوع "سوني" توثّق كل شيء. أحيانًا كنا نطفئها، بناءً على طلب الشباب، خوفًا من أن تصل الصور إلى الامن خوفاً على أهاليهم. كانوا يخافون على أقربائهم أكثر مما يخافون على أنفسهم.
في تلك الليلة نفسها، خرجنا لاستهداف أحد الحواجز. الشاب الحلبي كان معنا. لم يعد بعدها.
بقي صوته عالقًا في المكان، وكأن المقر صار فارغًا بدونه… "صفر".
لكن عدستي، التي صمتت كثيرًا، لم تصمت تلك المرة. وثّقت استشهاده، وثّقت كيف اندفع مع الشباب لتحرير الحاجز. كان كأسدٍ ينقضّ على فريسته، بلا تردد، بلا خوف.
كاميرتي لم تكن مجرد أداة لتصوير المظاهرات. لقد وثّقت القصف، المعارك، وجوه الأبطال… أولئك الذين ارتقوا، وتركوا خلفهم حكايات لا تُروى كاملة.
ربما انتهى الشغف كما عرفته يومًا، لكنه تحوّل… إلى ذاكرة لا يمكن أن تُمحى.
أبو وطن السنغفوري - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية