أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

في هذه البلاد، لا تكفي كلمة واحدة لتروي الحكاية

هناك رجلٌ نام سنواتٍ تحت قماش خيمة، كان المطر يدخل عليه ضيفًا كل شتاء، والبرد يقتسم مع أطفاله البطانية نفسها. لم يكن يسأل من يحكم، كان يسأل فقط: هل سيصمد وتد الخيمة حتى الصباح؟

وهناك لاجئٌ في بلادٍ بعيدة، حمل وطنه في حقيبة، ثم اكتشف أن الغربة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بعدد المرات التي اضطر فيها لشرح اسمه ولهجته وسبب هروبه، وبعدد الأعياد التي مرت وهو يهنئ أمه عبر شاشة هاتف.

وهناك من رأى الحرب سوقًا مفتوحة. لم يسمع أصوات القذائف، بل سمع رنين الأرباح. بنى ثروته فوق الركام، واشترى البيوت بثمن خوف أصحابها، وتاجر بكل شيء؛ بالخبز، والوقود، والدم، وحتى بالأمل.

وهناك فقيرٌ لم يكن يملك شيئًا قبل الحرب، وبعدها صار لا يملك حتى ذكرياته. كل صباح يبدأ بحساب ثمن الخبز، وكل مساء ينتهي بحساب ما تبقى من كرامته.

وهناك أمٌ ما زالت تفتح باب البيت كل مساء، رغم أنها تعرف أن ابنها لن يعود. تحتفظ بثوبه، وتعيد ترتيب صوره، وتبكي بصمت حتى لا يسمعها أحفاده. بالنسبة لها، لم تنتهِ الحرب يوم توقفت المدافع، بل يوم توقف قلب ابنها.

وهناك طفلٌ كبر قبل أوانه. لا يعرف شكل يد أبيه، ولا صوته، ولا كيف كان يضحك. يعرفه فقط من صورة معلقة على جدار، ومن دعوات أمه كل ليلة. الحرب سرقت منه طفولته قبل أن يتعلم كتابة اسمه.

ثم كان هناك نظامٌ لم يكتفِ بحكم البلاد، بل حوّلها إلى خوفٍ دائم. مزق المجتمع، وفتح أبواب السجون، وأغرق المدن بالدمار، حتى صار السوري يخاف من الطرقات، ومن الجدران، ومن الكلمات التي يقولها همسًا.

وبعد كل ذلك، جاء نظامٌ جديد، لم يستلم دولةً مكتملة، بل استلم وطنًا مثقلًا بالجراح. مؤسسات منهكة، ومدن مدمرة، واقتصادًا يكاد يكون معدومًا، وسلاحًا خارج الدولة، وانقساماتٍ اجتماعية عميقة، وتدخلاتٍ خارجية، وتوقعاتٍ لا تنتهي. كانت البداية من الصفر، وربما من تحت الصفر.

لهذا... فإن الظلم لا يبدأ فقط حين يُقتل الإنسان، بل يبدأ أيضًا حين تُختصر كل هذه الحكايات في تهمة واحدة، أو في حكمٍ واحد، أو في كلمةٍ واحدة.

ليست سوريا قصة شخص واحد، ولا فئة واحدة، ولا رواية واحدة. إنها آلاف الروايات التي لا يجوز أن يُلغي بعضها بعضًا، ولا أن يُستخدم ألم بعضها لمحو ألم الآخرين.

فالعدالة لا تعني أن ننسى الماضي، ولا أن نعمم الاتهام، بل أن نعرف الفرق بين من صنع المأساة، ومن عاشها، ومن دفع ثمنها.

محمد عدنان - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي