أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

في كواليس البيت الأبيض والكونغرس: وثيقة تاريخية تكشف تفاصيل زيارة المعارضة السورية (مأمون الحمصي) إلى واشنطن (ديسمبر 2007)

في منعطف تاريخي دقيق من خريف عام 2007، تحولت العواصم الغربية إلى مسرح دبلوماسي لاختبار حدود الصراع السوري-الأميركي، وتحديداً في الفترة ما بين 3 إلى 5 ديسمبر 2007. 

ففي الوقت الذي كان فيه النظام السوري يراهن على كسب الوقت، وتوظيف المنابر الإقليمية والدولية لتبييض صفحته وإعادة تدوير حضوره السياسي، كانت أروقة صنع القرار في واشنطن — بدءاً من البيت الأبيض، مروراً بلجان الكونغرس، وصولاً إلى المراكز البحثية الاستراتيجية — تشهد حراكاً معارضاً غير مسبوق.

تُوثق هذه المادة تفاصيل زيارة مفصلية لوفد معارض ضمّ شخصيات سورية ووطنية بارزة، اهمها مأمون الحمصي، التقوا خلالها بالرئيس الأميركي جورج بوش في لقاء امتد لأكثر من ساعة، إلى جانب نخبة من صناع السياسة الخارجية والأمن القومي في الإدارة الأميركية. 

ولا تقتصر أهمية هذه الوثائق على كونها سجلاً لأرشيف الدبلوماسية الموازية فحسب، بل لأنها ترسم بدقة ملامح الصدام بين رؤيتين: رؤية استبدادية تُديرها دمشق عبر خطاب الممانعة والمناورة والفساد المؤسسي، ورؤية وطنية سورية تطالب بضغط دولي موجز يستهدف رأس الهرم الحاكم وأركان نظامه دون الإضرار بمقدرات الشعب، مع وضع أسس واضحة للعدالة، واسترداد الأموال المنهوبة، ورفض أي حوار غير مشروط يشرعن القمع.

فيما يلي قراءة توثيقية مفصلة لكواليس تلك اللقاءات وما دار خلف آفاق البيت الأبيض ومجلس الشيوخ ومعهد واشنطن، وثقها وكتبها عدنان الشماع..

تقرير زيارة واشنطن (ديسمبر 2007): وثيقة سياسية في كواليس الإدارة الأميركية والكونغرس ومعهد واشنطن
توثيق التاريخ: من 3 إلى 5 ديسمبر 2007 المشاركون الرئيسيون: مأمون الحمصي، عمار عبد الحميد، جنكيزخان حسو>

يوثّق هذا التقرير برنامج الزيارة السياسية إلى العاصمة الأميركية واشنطن خلال الفترة من 3 إلى 5 ديسمبر 2007، جامعاً في رواية متسلسلة تفاصيل السجلات الثلاثة المتعلقة بالزيارة. 

بدأت الرحلة بالاستقبال في المطار والتنسيق الرسمي، ثم شملت لقاءً رفيع المستوى في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي جورج بوش وكبار أعضاء إدارته، واجتماعات مع مستشارين في مجلس الشيوخ الأميركي (الكونغرس)، وجلسة موسّعة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

وتركزت المناقشات على طبيعة النظام السوري، وحقوق الإنسان، والقضية الكردية، والعقوبات الموجهة، والفساد، والإعلام، وسبل دعم التغيير الديمقراطي دون الإضرار بالشعب السوري.

تعكس الوقائع الواردة أدناه ما سجّلته الملاحظات المعاصرة للزيارة، بما في ذلك أقوال المشاركين وتقديرات كاتبها، وتُنْسَب المواقف والاتهامات إلى المتحدثين كما وردت في تلك الملاحظات.

الوصول إلى واشنطن وبداية البرنامج
وصل مأمون الحمصي إلى مطار واشنطن يوم 3 ديسمبر 2007 عند الساعة 20:46 بتوقيت واشنطن، وكان في استقباله السيد أوين كيربي، منسق الزيارة والشخص الذي تولى التواصل والترتيبات السابقة لها.

كان أوين كيربي يشغل منصب مدير البرامج السياسية في مكتب مبادرة الشراكة الشرق أوسطية (MEPI)، التابع لمكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية. 

وشملت مسؤولياته تطوير البرامج السياسية من المغرب إلى الخليج، ودعم البرلمانات، وبناء الأحزاب السياسية، وتدريب المرشحين، ومراقبة الانتخابات، وتعزيز القضاء والإصلاح القانوني، ودعم المجتمع المدني. وقبل التحاقه بالخارجية الأميركية في عام 2004، عمل مديراً إقليمياً للشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى المعهد الجمهوري الدولي (IRI) في واشنطن، حيث أشرف على برامج لدعم الديمقراطية ممولة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) ووزارة الخارجية ووقف الدعم الوطني للديمقراطية (NED).

وأشارت الملاحظات إلى أن تنسيق مضمون المداخلات سبق السفر؛ حيث ناقش كاتبها مع مأمون الحمصي النقاط التي ستُطرح في واشنطن بنداً بنداً، بما في ذلك تجنب أي عقوبات تضر بالشعب السوري.

تفاصيل التحضير
تضمنت التحضيرات مثالاً أراد كاتب الملاحظات أن يطرحه مأمون الحمصي، وهو وفاة ابنة صديقه أحمد السمان (التي كانت طالبة في المدرسة الأميركية بدمشق) إثر حادث سير خلال رحلة مدرسية. ورأى أن الإعلام السوري وفاروق الشرع استغلا الحادثة في الخطاب المناهض للولايات المتحدة، في وقت يتجاهل فيه النظام -بحسب قوله- تعذيب المواطنين السوريين وقتلهم.

وتشير الملاحظات إلى معرفة سابقة بعمار عبد الحميد وعلاقة طيبة معه، وإن لم يكن حضوره الاجتماع معروفاً مسبقاً لكاتبها. وقد نقل عنه -خلال مأدبة عشاء سابقة في منزل كريستوفر، رئيس القسم السياسي في السفارة الكندية بدمشق- روايته عن تلقيه تهديداً من آصف شوكت بسبب نشاطه، ثم قراره العودة إلى الولايات المتحدة.

اللقاء مع الرئيس جورج بوش (4 ديسمبر 2007)
عُقد الاجتماع الرئيسي يوم الثلاثاء 4 ديسمبر 2007 عند الساعة 2:00 ظهراً في البيت الأبيض. ورغم أن الوقت المقرر كان 35 دقيقة، إلا أن اللقاء امتد إلى ساعة وخمس دقائق، مما أتاح نقاشاً موسعاً ومباشراً حول سوريا والسياسة الإقليمية.

- المشاركون في الاجتماع
حضر مع الرئيس جورج بوش عدد من كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية:
• جون نيغروبونتي: نائب وزير الخارجية.
• ستيف هادلي: مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي (مستشار الأمن القومي).
• إليوت أبرامز: مساعد الرئيس ومستشار الأمن القومي لشؤون استراتيجية الديمقراطية العالمية.
• جون هانا: مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس ديك تشيني.
• السكرتير الأول للبيت الأبيض، إضافة إلى ثلاثة أشخاص آخرين لم تُعرف أسماءهم.
كما حضر مع مأمون الحمصي كل من عمار عبد الحميد (وهو معارض وناشط يحمل الجنسية الأميركية، وابن الفنانة السورية منى واصف) وجنكيزخان حسو (رئيس اللجنة التنفيذية العليا للمجلس الوطني الكردستاني، يحمل الجنسية الألمانية ويقيم في ألمانيا، وينتمي إلى الطائفة اليزيدية).

- المحاور الرئيسية في الحوار مع الرئيس بوش
1. إمكان تغيير سلوك النظام السوري
سأل الرئيس بوش عما إذا كان بشار الأسد قادراً على تغيير سياسته أو راغباً في ذلك إذا مُنح فرصة. وجاء الجواب بأن التغيير غير متوقع؛ لأن النظام اختار التحالف مع محمود أحمد نجاد والتطرف والإرهاب، ولأن بنيته تقوم على إلغاء الآخر والترهيب والفساد. وأوضح الطرح المقدم أن مطالبة النظام بتغيير هذه الأسس تعني مطالبته بالتخلي عن البنية التي أوصلته إلى السلطة. وقد علّق الرئيس بوش بما يفيد أن هذا هو رأيه أيضاً، بينما أظهر جون نيغروبونتي موافقته على مضمون الحديث.
2. رفض الحوار غير المشروط
أوضح مأمون الحمصي أن النظام لا يتعامل إلا بمنطق العنف وكسب الوقت، وأن أي حوار غير مشروط معه سيُقدم داخلياً باعتباره انتصاراً له وهزيمة لقوى الحرية. وربط ذلك بتحالف النظام مع محمود أحمد نجاد وأسامة بن لادن. من جهته، أكد الرئيس بوش أن البوابة الوحيدة لأي حوار تتمثل في الحريات والديمقراطية والالتزام بحقوق الإنسان وإطلاق سراح جميع المعتقليـن السياسيين، مشدداً على أنه ما لم يغير بشار الأسد سلوكه في دعم الإرهاب والفوضى، فلن يكون هناك حوار أو تقدم في موضوع هضبة الجولان.
3. زيارة نانسي بيلوسي ومؤتمر أنابوليس
أشار الرئيس بوش إلى أنه كان ضد زيارة نانسي بيلوسي إلى دمشق. كما ناقش الحمصي الطريقة التي قدم بها النظام السوري مشاركته في مؤتمر أنابوليس كـ"انتصار سياسي"، ليرد الرئيس بوش بأنه كان يميل إلى عدم مشاركتهم، وأن الدعوة جاءت استجابة لبعض المقترحات لإظهار حضور جميع الأطراف، مؤكداً أن المشاركة السورية لم يكن لها تأثير أو أهمية فعلية. كما تطرق النقاش إلى زيارة الملك عبد الله الثاني بن الحسين إلى سوريا وكيف استغلها إعلام النظام (عبر شخصيات مثل عماد الشعيبي) للقول إن الولايات المتحدة تسعى وراء سوريا.
4. مكافحة الإرهاب وخطاب النظام
أكد الحمصي أن الشعب السوري قادر على التضحية والتغيير إذا حصل على دعم سياسي وضغط دولي مؤثر، متهماً النظام باستخدام أدوات دينية وإعلامية (مثل المفتي أحمد حسون وأبو القعقاع ومحمد حبش) للتحريض والتجنيد ونشر الأفكار المتطرفة. وشدد الطرح على ضرورة ملاحقة كل من يُموّل ويُدرّب ويوفر الملاذ الآمن للإرهاب، ومعالجة إرث أربعة عقود من حالة الطوارئ وشعارات "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
5. المكون السني والاعتدال الديني
أشار الحمصي إلى أن سنة شمال لبنان وحكومة فؤاد السنيورة وسعد الحريري واجهوا تطرف شاكر العبسي ومجموعته. وأشاد الرئيس بوش بلنان والديمقراطية وثورة الأرز. وأوضح الحمصي أنه ينتمي إلى تيار سني محافظ ومنفتح، مستشهداً بتعايش المجتمع السوري تاريخياً (كاشفاً أن طبيب عائلته في طفولته كان يهودياً يدعى فرهود)، ومشيراً إلى أن حزب البعث عمل على تغذية الطائفية، وأن التيار السني المعتدل يجب أن يكون شريكاً حقيقياً لواشنطن.
6. حقوق الإنسان والعقوبات الموجهة والفساد
• حقوق الإنسان: جرى التذكير بملفات المعتقلين: ميشيل كيلو، المحاور أنور البني، عارف دليلة، وكمال اللبواني، إضافة إلى إطلاق النار على متظاهرين أكراد في شمال سوريا.
• العقوبات والفساد: أكد الحمصي أن العقوبات مؤثرة شريطة أن تستهدف بشار الأسد وعائلته وأركان نظامه لا الشعب السوري (مستخدمًا تعبير أن الإنسان يبدأ الاستحمام من الرأس لا القدمين، مما أثار ضحك الرئيس بوش). وطُرح ملف رامي مخلوف ابن خال الأسد ودوره في قطاع الاتصالات الخلوية دون دفع مقابل حقيقي للدولة مقارنة بصفقات مشابهة في العراق بلغت 1.2 مليار دولار، مما استدعى استغراب الرئيس بوش وسؤاله عن هويته. وطالب الحمصي بمعاملة أموال الفساد المسروقة كأموال الإرهاب وتجميدها لصالح الشعب السوري.

اجتماعات مجلس الشيوخ الأميركي (5 ديسمبر 2007)
في اليوم التالي، 5 ديسمبر 2007، شارك مأمون الحمصي وعمار عبد الحميد في اجتماع داخل مبنى مجلس الشيوخ الأميركي مع خمسة مستشارين يعملون مع أعضاء الحزب الديمقراطي، وهم:
• جويل روبن (JOEL M. Rubin): مساعد تشريعي للسيناتور فرانك لوتنبرغ (نيوجيرسي).
• جانا فونغ-سوآميدس (Jana Fong-Swamiddss): مساعدة تشريعية للسيناتور دانيال إينوي (هاواي).
• شون مور (Sean Moore): نائب مدير التشريع ومستشار السياسة الخارجية للسيناتور باربارا بوكسر (كاليفورنيا).
• كايتلين دين (Caitlin Dean): مراسلة تشريعية للسيناتور ريتشارد دوربين (إلينوي).
• بيري كاماك (Perry Cammack): موظف محترف في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.

تركز الحديث على نوع العقوبات الفعالة ضد النظام دون الإضرار بالشعب، بهدف قطع الطريق على رهان النظام على انتهاء ولاية الرئيس بوش وقدوم إدارة ديمقراطية متساهلة. وخلال الاجتماع، وصف جنكيزخان حسو النظام بأنه إرهابي وداعم للإرهاب، شارحاً مواقع التدريب داخل سوريا.

جلسة معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى
عُقد لقاء في معهد واشنطن بحضور نحو 25 شخصاً، بينهم مستاِشرات لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس. ترأس الجلسة المدير التنفيذي روبرت ساتلوف وحضر نائبه ديفيد.
• أبرز محطات الجلسة:
◦ قوبلت مداخلة مأمون الحمصي بالتصفيق لحديثه عن معاناة الشعب السوري والفساد المستشري.
◦ استشهد الحمصي باعتذار سابق لكوندوليزا رايس عن دعم الديكتاتوريات، مؤكداً أن المطلوب ليس إرسال الجنود الأميركيين بل ممارسة ضغوط فعالة على رأس النظام وإحالة المسؤولين عن الانتهاكات إلى العدالة الدولية.
◦ دعا إلى حرمان مسؤولي النظام وأبنائهم من تحويل الولايات المتحدة إلى مأوى أو الحصول على جنسيتها مع أموالهم المنهوبة.
◦ استعرض مثالاً رمزياً بألعاب الأطفال واختيارهم للمسدسات بدلاً من ألعاب المحبة جراء ثقافة التعبئة التي رسخها النظام طوال أربعين عاماً.

الرسالة العامة للزيارة والخاتمة
خلصت زيارة وفد المعارضة السورية إلى واشنطن إلى رسالة أساسية متسقة عبر البيت الأبيض والكونغرس ومعهد واشنطن: ممارسة ضغط موجه وموحد على رأس النظام وعائلته، دعم الحريات، مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، ورفض أي حوار غير مشروط يمنح النظام مكاسب سياسية مجانية.

وفي ختام لقاء البيت الأبيض، طلب الرئيس بوش استمرار التواصل ودعا المشاركين إلى الصمود، مؤكداً عدم عقد أي صفقة مع النظام طالما استمر في نهجه القمعي ودعمه للإرهاب.

زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي