لم يكن الاعتراض الذي ظهر في الشارع السوري بعد ارتفاع أسعار المحروقات مستغربًا. فالناس تحسبها بطريقة بسيطة جدًا: إذا ارتفع المازوت ارتفعت أجرة الطريق، وإذا ارتفعت أجرة النقل ترتفع معها كلفة الخضار والغذاء والبضائع، وإذا دخلنا الشتاء فهناك التدفئة، وهناك أيضًا الخبز والزراعة والإنتاج.
لهذا، من حق الناس أن تعترض وأن تقول إن قدرتها على الاحتمال محدودة. والاستماع إلى هذا الصوت لا يجب أن يُفهم على أنه موقف ضد الدولة؛ بالعكس، عندما تصل الضغوط المعيشية إلى الناس بهذا الشكل، فمن واجب أي سياسة اقتصادية أن تسمعهم وتحاول إيجاد حل.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الطرف الآخر من المسألة. فالدولة مطالبة بتأمين المحروقات يوميًا، وجزء من الاحتياجات يأتي من الخارج، والأسعار تتأثر بالسوق العالمية، والشحن، وسعر الصرف، وظروف التوريد. وإذا كانت كلفة تأمين المادة أعلى من سعر بيعها، فلا بد أن يتحمل أحدهم هذا الفرق.
هنا تحديدًا، أرى أن المشكلة لا يجب أن تتحول إلى مواجهة بين المواطن والدولة:
• المواطن يقول: لم أعد أستطيع تحمل المزيد.
• والدولة تقول: لا أستطيع تحمل فارق الكلفة إلى ما لا نهاية.
وهاتان حقيقتان لا يجوز تجاهل أيٍّ منهما.
لذلك، بدل أن يبقى النقاش محصورًا بين رفع السعر أو خفضه، لماذا لا نطرح سؤالًا آخر: هل نستطيع أن نبيع المحروقات بسعر يضمن استمرار توفرها، ثم نعيد توجيه ما تستطيع الدولة تخصيصه للدعم إلى حيث يحتاجه الناس فعلًا؟
أعتقد أن هذا ممكن، ولكن ليس بالطريقة نفسها لكل أنواع المحروقات.
البنزين ليس كالغاز.. والمازوت قصة أخرى
لنبدأ بالبنزين الخاص؛ فإذا خفضنا سعره للجميع، فإن صاحب السيارة الذي يستهلك 200 ليتر سيستفيد أكثر بكثير من صاحب السيارة الذي يستهلك 50 ليترًا، بينما المواطن الذي لا يملك سيارة لن يستفيد من التخفيض أصلًا.
لذلك، أرى أن بنزين السيارات الخاصة يمكن أن يُباع بالسعر الاقتصادي الذي تحدده الدولة وفق الكلفة، مع إعادة توجيه جزء من الوفر المتحقق إلى الأسر المستحقة مباشرة.
ولكن هنا، يجب ألا نظلم أحدًا؛ فليس كل من يملك سيارة مقتدرًا. هناك من يملك سيارة عمرها عشرون عامًا، وهناك من يعمل عليها ويعيش من دخله، وهناك أسرة محدودة الدخل لا تملك غيرها. لذلك، لا يجوز أن تصبح ملكية السيارة وحدها سببًا لحرمان الأسرة من الدعم.
المعيار يجب أن يكون وضع الأسرة كاملًا: دخلها، وعدد أفرادها، وظروفها، وقدرتها الحقيقية على تحمل تكاليف المعيشة.
أما التكاسي والنقل العام، فموضوعها مختلف لأنها ليست استهلاكًا خاصًا فحسب؛ فأي زيادة تطرأ عليها تصل مباشرة إلى جيب الراكب، ولذلك تحتاج إلى آلية خاصة تربط أي دعم بالخدمة الفعلية والتعرفة.
أما الغاز المنزلي، فلا أرى أن نتعامل معه بالطريقة ذاتها؛ فهو حاجة أساسية في كل بيت. لذلك، يمكن أن تحصل الأسرة المستحقة على كمية أساسية منه بسعر اجتماعي، بحسب عدد أفرادها وحاجتها، وما يزيد على هذه الكمية يُباع بالسعر الاقتصادي. وبهذا نحمي حاجة البيت من جهة، ولا نفتح بابًا للدعم بلا سقف من جهة أخرى.
التعامل الحذر مع ملف المازوت
نصل بعد ذلك إلى المازوت، وهنا يجب أن نكون أكثر حذرًا؛ فهو لا يدخل فقط في خزان سيارة، بل يدخل في التدفئة، والأفران، والزراعة، والنقل، والمشافي، والإنتاج، ونقل المواد الغذائية. وقد لا يشتري المواطن ليتر مازوت واحدًا بيده، ولكنه يدفع ثمن ارتفاع سعره مضمنًا في الخبز، والخضار، وأجرة الطريق.
لذلك، يجب أن يتبع دعم المازوت مكان استخدامه الفعلي:
• تدفئة الأسرة التي تحتاج إلى الحماية لها حساب.
• النقل العام له حساب.
• الأفران والزراعة لهما حساب.
• المشافي والخدمات الأساسية لها حساب.
• أما الاستخدام الذي لا يرتبط بحاجة أساسية أو إنتاج ضروري، فيمكن أن يدفع السعر الاقتصادي.
بمعنى أبسط: لا ندعم المازوت لأنه مازوت، بل ندعمه عندما يكون وراءه خبز، أو تدفئة، أو نقل، أو زراعة، أو صحة، أو إنتاج يحتاجه الناس.
الحسابات الرقمية والدعم المباشر
طيب.. ماذا سيصل إلى الأسرة نفسها؟
هنا يجب أن نترك الكلام العام ونضع رقمًا على الطاولة. بحسب بيانات برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، هناك نحو 7.2 ملايين شخص في سوريا يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد. هذا الرقم يتعلق بالأشخاص، وليس بعدد الأسر المستحقة للدعم. وحتى لا ننسب إلى المنظمة رقمًا لم تقله، سنستخدمه فقط لبناء مثال حسابي.
إذا افترضنا، لغرض الحساب، متوسط خمسة أفراد للأسرة: 7.2 text{ ملايين} div 5 = text{نحو } 1.44 text{ مليون أسرة}.
إذن، نحن نتحدث، في نموذج تقريبي، عن قرابة مليون ونصف مليون أسرة. وقد يكون العدد الحقيقي الذي ستصل إليه الدولة أكبر أو أصغر، وهذا لا يمكن حسمه عبر مقال، بل يحسمه سجل اجتماعي حقيقي يعرف أوضاع الأسر على الأرض.
ولكن لنكمل الحسبة؛ إذا أردنا مساعدة لها معنى، واقترحنا 60 دولارًا شهريًا للأسرة كنقطة للنقاش (لا كراتب ولا كرقم رسمي)، تصبح الكلفة:
• نحو 86.4 مليون دولار في الشهر.
• أي قرابة 2.88 مليون دولار يوميًا.
• ونحو 1.04 مليار دولار في السنة.
نعم، المليار دولار رقم كبير، ولهذا أضعه كما هو ولا أريد تجميله. فإذا كانت الدولة لا تستطيع تحمله، يجب ألا تُعد به. وإذا كانت تستطيع تحمل جزء منه، فلنحدد الجزء الممكن ونحسب ما يمكن أن يصل إلى الأسرة. المهم ألا نقول للناس إن هناك دعمًا دون أن يعرف أحد قيمته، وألا نضع رقمًا زهيدًا لا يصنع فرقًا في حياة الأسرة ثم نسميه حماية اجتماعية.
والـ60 دولارًا التي أطرحها هنا ليست مبلغًا أقول إنه يكفي الأسرة للعيش (بالتأكيد لا)، بل هي مساعدة شهرية ضمن منظومة تشمل أيضًا الغاز، والتدفئة، وحماية النقل، والخبز، والزراعة، والخدمات الأساسية. وإذا تغيرت الأسعار وتكاليف المعيشة، يجب أن تراجع قيمة المساعدة أيضًا، وإلا ستفقد معناها بمرور الوقت.
من يستحق الدعم؟
هنا يأتي السؤال الأصعب: من يستحق؟
هذه المسألة، برأيي، أهم من آلية الدعم نفسها وأهم من طريقة تحويل الأموال. لا أريد أن يقرر موظف أن هذه الأسرة تستحق وتلك لا تستحق، ولا أريد أن يُحرم إنسان لمجرد أنه يملك بيتًا يسكن فيه أو سيارة قديمة يعمل عليها.
نحن بحاجة إلى سجل اجتماعي وطني للأسرة مرتبط بالرقم الوطني وبيانات الأسرة، لينظر إلى الصورة كاملة: عدد أفراد الأسرة، مجموع الدخل، العمل، السكن، الممتلكات، النشاط التجاري، الأطفال، كبار السن، الحالات الخاصة، ومصادر الدخل التي يمكن التحقق منها.
ولا داعي أصلًا لأن نقسم السوريين إلى «فقير وغني»؛ فهناك أسرة تحتاج إلى حماية أكبر، وأسرة محدودة الدخل تحتاج إلى مساندة، وأسرة تستطيع تحمل جزء أكبر من الكلفة، وأسرة تستطيع تحملها كاملة.
وحتى مع أفضل نظام في العالم، ستُرتكب أخطاء، لذلك يجب أن يكون للمواطن حق الاعتراض والمراجعة، وأن يعرف سبب قبوله في البرنامج أو سبب استبعاده.
من أين سنأتي بالمال؟
هذا السؤال لا يجوز الهروب منه. إذا أردنا برنامجًا يكلف عشرات الملايين من الدولارات شهريًا، فلا يكفي أن نقول: على الدولة أن تدفع. بل يجب أن يُعرف بوضوح من أين ستأتي الأموال.
يمكن دراسة تجميع التمويل من الوفر الذي يتحقق من عدم دعم الاستهلاك الخاص بصورة عامة، ومن إعادة توجيه ما تستطيع الدولة تخصيصه للإنفاق على الدعم، ومن موارد الحماية الاجتماعية، ومن أي منح أو مساعدات يمكن توجيهها لهذا الغرض.
ولكن قبل اعتماد أي رقم، يجب أن تجلس الجهات المعنية وتحسبه فعليًا:
1. كم تستطيع الدولة أن تخصص كل شهر؟
2. كم أسرة تستطيع أن تشمل؟
3. ما المبلغ الذي سيصل إلى كل أسرة؟
ثم تُعلن الأرقام للناس. ليس عيبًا أن تقول الدولة إن قدرتها محدودة، لكن المهم أن يعرف المواطن أين تذهب الأموال، وكم خُصص منها، وكم أسرة استفادت، وكم وصل إليها. هذه الشفافية تحمي الدولة مثلما تحمي المواطن.
الخاتمة
في النهاية.. ما الذي نريده؟
لا أريد أن تتحمل الدولة سعر كل ليتر وقود يستهلكه الجميع مهما كانت قدرتهم واستهلاكهم. وفي المقابل، لا أقبل أن نقول لأسرة لا يكفي دخلها للطعام والتدفئة والمواصلات: هذه هي الأسعار الجديدة، دبّروا أمركم.
بين هذين الخيارين توجد مساحة كبيرة يمكن أن نبني فيها حلًا أكثر عدلًا:
• البنزين الخاص يمكن أن يكون بسعر اقتصادي، لكن الأسرة المستحقة تحصل على دعم مباشر.
• الغاز يبقى له حد أساسي محمي للبيت الذي يحتاج إليه.
• المازوت يُدعم عندما يحمي التدفئة، والنقل، والخبز، والزراعة، والصحة، والإنتاج الضروري.
• السجل الاجتماعي يحدد من يحتاج إلى الحماية ودرجتها، مع كفالة حق كل مواطن في الاعتراض والمراجعة.
أنا لا أطرح هذه الأرقام باعتبارها قرارًا جاهزًا، ولا أقول إن هذه هي الوصفة الوحيدة الممكنة، إنما أطرح فكرة أعتقد أنها تستحق النقاش: بدل أن نسأل فقط «كم يجب أن يكون سعر ليتر المحروقات؟»، لنسأل أيضًا: «كم تستطيع الدولة أن تخصص لدعم الأسر المستحقة؟ ومن هم الذين يحتاجون هذا الدعم فعلًا؟ وكيف نضمن أن يصل إليهم مباشرة؟».
فالاستماع إلى احتجاج الناس لا يعني تجاهل إمكانات الدولة، وفهم إمكانات الدولة لا يعني أن نطلب من الناس تحمل ما لا يستطيعون تحمله. وفي النهاية، نجاح أي قرار اقتصادي لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على تأمين المحروقات، بل أيضًا بقدرة المواطن على أن يعيش بكرامة.
عماد الاسماعيل - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية