الوقوف أمام مجلس الشعب ليس وقوفًا أمام ميكروفون فقط؛ بل أمام جمهور واسع، وكاميرات لا تنسى، ومتربصين ينتظرون كلمة تُقتطع من سياقها وتُحمّل ما لا تحتمل، وحتى أجهزة مخابرات عالمية تريد أن تتلقف أي تعبير للضغط مستقبلاً بحجة حقوق المرأة والطفل التي لن يساوم السوريون عليها بعد ثورتهم التي شاركت فيها المرأة كما الرجل.
لذلك، على عضو المجلس أن يفترض دائمًا أن كلامه سيُجتزأ، وأن يحرص على أن يكون واضحًا، رصينًا، دقيقًا، بحيث يبقى معناه قائمًا حتى بعد الاقتطاع.
فما الذي سنستفيده من طرح رأي شخصي حول السماح بالضرب في المدارس، سوى أن نترك قضية التعليم ونصبح "ترندًا" بسبب «الضرب»؟
وبعيدًا عن رفض الشارع السوري للضرب تحت أي مبرر، فهي فرصة سانحة ليس للطعن بك -سيدي النائب- إنما بالطريقة التي وصلت فيها إلى مجلس الشعب الذي ترقبه عيون كثيرة داخليًا وخارجيًا.
وكذلك قضية «تأنيث التعليم»؛ قد تكون الفكرة التي وراء المصطلح قابلة للنقاش ومفهومة، لكن المصطلح نفسه يضعنا فورًا في معركة حول المرأة والرجل، ويُغرق الفكرة الأصلية، التي جوهرها قد يكون الحديث عن التوازن في الكادر، وتنوع القدوات، وحاجة الطلاب إلى نماذج تربوية مختلفة، وظروف الثورة التي جعلت المدرسين الذكور يتركون مدارسهم، ويُستعاض عنهم بمدرسات بحكم الحاجة لا التأهيل والخبرة.
ناهيك أنه، وفي مرحلة البلوغ خصوصًا، قد يجد بعض الطلاب الذكور في المعلم الرجل مساحةً مختلفة للحديث والتعبير عن بعض مشكلاتهم؛ وقد يصل الأمر إلى أن يبوح الطالب لمعلمه بأمور لا يستطيع أن يقولها لمعلمته، ليس فقط لأن المعلم رجل والمعلمة امرأة، وإنما أيضًا بحكم التقاليد والعادات الاجتماعية التي لا ينكر تأثيرها إلا جاهل.
وهذه الاعتبارات، شئنا أم أبينا، ينبغي أن تُؤخذ في الحسبان عند الحديث عن العملية التربوية.
عزيزي عضو مجلس الشعب الموقر، أنت لا تمثل نفسك فقط؛ وراءك ثقة الناخب، أو مسؤولية الجهة التي عيّنتك، وصورة مؤسسة كاملة ومسؤولية تاريخية. وفي المقابل، هناك من ينتظر ليلوي عنق الكلمات ويحوّل الجملة إلى قضية.
لذلك، ناقشوا القضايا الصعبة، واختلفوا كما شئتم، لكن اختاروا ألفاظكم بعناية حتى لا تضطروا للتبرير والتوضيح وزجنا جميعًا في معركة الترندات الخاسرة.
انتقوا كل كلمة كما ينتقي المرء جوهرةً نادرة، وقيسوا الكلام بميزان الحكمة، وبميزان الذهب؛ فالكلمة اليوم لا تموت حين تُقال، بل قد تعيش في مقطع مبتور، وتنتشر في هاتف، وتصبح عنوانًا، ثم «ترندًا»، ثم روايةً كاملة لا تشبه أصلها إلا قليلًا.
فالحرف أمام مجلس الشعب مسؤولية؛ إما أن يحمل الفكرة، أو يقتلها.
محمد رافع أبوحوى - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية