هذا ما أطلقه عليها سجّانها الحقير، وكانت هذه تهمتها.
لم يكن يومًا عاديًا، توجهت إلى ذلك المكتب اللعين، مكتب المحقق، وأنا أحضر في رأسي ما الذي يجب أن أقوله في اعترافات جديدة.
ما إن انفتح الباب حتى تجمد الدم في عروقي. رأيتها هناك على الأرض، تنظر في وجهي بتلك العيون البريئة. إنها صديقتي سارة، التي رافقتني في الجامعة والثورة والاعتقال، فوجهها لا يمكن لأحد أن ينساه.
كان ذنبها أنها صديقتي، وأنهم اعتبروني إرهابية، ولكن الصديقات كثيرات، أما سارة فكان لديها ذنب أعظم... ذنب يجعل منها خطرًا يهدد البلد.
ذنبها العظيم كان والدها، الذي كان معارضًا قديمًا، ومعتقلًا سابقًا لمدة ثلاثة عشر عامًا في عهد الأب المنافق. وزاد جرمها أن من أقربائها من انضم إلى الجيش الحر في مدينتها، البوكمال.
جمعتني بسارة صداقة الثورة، والحديث الدائم عن حلمنا عند سقوط الأسد ونظامه المجرم.
لم أتمالك نفسي عندما رأيتها، وبدأت بالبكاء. قلت للمحقق وأنا أبكي: "والله هي مالها دخل، هي ما دخلها." فأجابني بكل سفالة: "إنتو الاتنين أوسخ من بعض." لأن الاعترافات التي نسجوها لنا لم تكن اعترافات عادية، فقط جعلوا منا قادة.
كان هناك اتصالات ومكالمات بيننا، وكل شخص عند النظام البائد يتواصل مع ثائر كان جريمة عظيمة. كنا دائماً ما نتكلم ونجلس في مكان محدد، لقد أرعبهم جلوسنا في هذا المكان. في إحدى الرسائل كانت تقول لي: "ما عم نام من صوت الطيران"، عم يقصفونا.
وعند اعتقالها، كان علم التوحيد في هاتفها ومقاطع لمظاهرات ولتحرير البوكمال.
ومع ما وجدوه، لم يكونوا بحاجة إلى كثير من العناء لنسج روايتهم.
إنها ابنة مدينة البوكمال، المدينة التي تحررت في العام نفسه الذي اعتُقلنا فيه. وبالنسبة لهم، كان الانتماء إلى مدينة خرجت من قبضة النظام، والاحتفاظ بذكريات ذلك التحرير، كافيين لصياغة ملف كامل من الاتهامات، وتحويل الحلم بالحرية إلى جريمة تستحق العقاب. فنسبوا لشابة بعمر الـ 19 سنة زورًا أنها "أميرة في جبهة النصرة".
لم تحتمل تعذيبهم فقبلت كل ما وجه إليها.
جمعونا ليستجوبونا عن مكان اجتماعاتنا بتهمة أننا خلية نائمة في دمشق، وأننا ممولون من الخارج.
حاولت أنا إنكار كل شيء، وهي أيضًا حاولت إنكار التهم عني.
أعادونا معًا إلى المنفردة (الزنزانة الصغيرة)، وهناك استطعت أن أعانقها. عانقتها وبدأنا نبكي. مسحت دموعي وقالت لي:
"لا تبكي، هاد الباب بحياته ما تسكر على حدا، وآخر شي بدنا نطلع، ولو جثة".
قلت لها:
"أنا ما اعترفت عليكي."
فأجابتني:
"ولا أنا كمان".
كانت كل واحدة منا تحمي الأخرى. كل واحدة فينا كانت خائفة على الأخرى، كانت مستعدة لتفديني بروحها، وأنا أيضًا.
غنّينا معًا هناك: "يا ظلام السجن خيم"... "سوف نبقى هنا"... "تحيا يا جيش الأحرار".
في وقته كان الشهيد زهران علوش (تقبله الله) توعد بدخول دمشق، وكان الثوار على مشارف العباسيين. ونحن ضمن تنسيقات الثورة نعلم أنهم على أمتار من دمشق، كان عندنا أمل ويقين أننا سنخرج، وسنتحرر بأيدي الشباب. لكن التحرير كان أطول مما كنا نتوقع.
كتبنا ذكريات لنا على الحيطان بحبات الزيتون: أسماءنا، و"إن مررتم من هنا فاذكرونا بالخير"، و"ثورة لا تموت".
العزيمة التي وضعها ربنا في قلوبنا أنستنا أين نحن. كان اجتماعنا على عكس ما ظنه سجاننا.. أعاد لنا قوتنا وعزيمتنا ومدنا الله حينها بصبر عظيم.
لما نادوا اسمها ليلًا، عانقتني وعانقتها، وصرنا نبكي.
قالت لي:
"أنا رح أطلع، وطالعِك".
قلت لها:
"مستحيل أنا أطلع، لأني كنت عارفة حجم الاعترافات يلي خلوني اعترف فيها."
ثم قلت لها:
"إذا طلعتي، خبري أهلي وين أنا".
كان ذلك العناق الأخير، وكانت تلك النظرة الأخيرة.
للشهيدة سارة خالد العلاو... أميرة الشرف والكرامة.
عبير الكردي - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية