أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

المفتي حسون ومحكمة الشعب

​أول مرة تعرفت على أحمد حسون والتقيته وجهاً لوجه، كان في عام 1990، في أحد مساجد باب الحديد في مدينة حلب خلال إحدى المناسبات الدينية بعد صلاة العشاء. يومها جاء بشكل مفاجئ مع مجموعة من الأشخاص، فقامت الدنيا ولم تقعد في المسجد وتم استقباله بنشيد "طلع البدر علينا"، وهو ما دفعه للاعتراض على هذا الاستقبال، معتبراً أن هذا النشيد قيل في الرسول الكريم (ص)، ولا يجوز أن يقال في غيره.

​بعدها بعدة أشهر أصبح أحمد حسون عضواً في مجلس الشعب، ثم شاءت الصدف أنني كنت أزور صديقاً يسكن في بناء مقابل للبناء الذي يسكن فيه في حي الفرقان الراقي في مدينة حلب، فكنت أراقبه عندما يدخل أو يخرج من بيته في سيارة مرسيدس بيضاء حديثة، يرافقه باستمرار بعض الشباب الذين يحاولون تقبيل يده كلما نزل أو صعد إلى السيارة، فيسحبها دون أن يسمح لهم بتقبيلها.

​كانت الصورة المكرسة في ذهني عن عائلة أحمد حسون، بحسب أحاديث أهالي حلب، أنهم من عائلة فقيرة معدمة، وبالذات والده الشيخ محمد أديب حسون، الذي كنت ألمحه باستمرار في شرفة البيت (البلكون)، لكن ما لفت انتباهي هو مظاهر الثراء الفاحش، إذ أخبرني صديقي أن الشقة التي يسكن فيها يبلغ ثمنها أكثر من 300 ألف دولار في ذلك الوقت.

​بعد ذلك التقيت حسون في عدة محطات، منها احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية في عام 2006، وآخرها وأبرزها كان في عام 2010، عندما استضفته في برنامج كنت أعده عن الاقتصاد الإسلامي بعنوان "وأحل الله البيع" لصالح تلفزيون الدنيا، حيث سجلت الحلقتين الأولى والثانية معه.

ويومها تحدث قبل البدء بالتصوير بما أثار عجبي وانتباهي، إذ قال بأنه من الداعمين لإلغاء أكثر من 90 بالمئة من التراث الفكري الإسلامي، والإبقاء على القرآن الكريم فقط، وبعض الأحاديث التي لا يتجاوز عددها الخمسين حديثاً.

​عند البدء بالتصوير، اقترب مني أحد المصورين ممن يعملون في التلفزيون، وهمس بأذني: كيف تستضيف هذا الشخص وقد وصف بشار الأسد أمامي في إحدى المرات بأنه ولد..؟!

​لاحقاً عرفت من هذا المصور أنه كان يرافق المفتي في مهمة تصوير، وقد سمعه يقول لشخص معه بأن بشار الأسد يطلب منه أشياء غير منطقية وغير معقولة، واصفاً إياه بالولد الذي لا يعرف كيف تدار شؤون الدولة.

​هذا يعني، إن صحت رواية المصور، أن أحمد حسون عندما قرر تأييد النظام في حربه على الشعب السوري، كان على دراية تامة بأن من يقود البلد ليس أهلاً للحكم، وبالتالي فإنه يتحمل المسؤولية كاملة عن موقفه الذي اتخذه، ولا بد أن يحاسب عليه.

​النقطة الثانية والأهم برأيي، تتعلق بوضع التيار الديني في حلب ذاتها، فهو تيار فيه رموز كبيرة تحظى بشعبية واسعة في حلب، لكن هذه الرموز كانت تسقط كلما حاولت الاقتراب من السلطة، أو أن هذه الأخيرة حاولت الاستثمار فيها.

​هذا ما حدث مع الكثير من الشخصيات الدينية البارزة في حلب، مثل محمد صهيب الشامي والدكتور محمود عكام، ومحمود غول أغاسي المسمى "أبو القعقاع".. إلخ، وأخيراً أحمد حسون.

​ولا بد من الإشارة هنا إلى أن نظام بشار الأسد كان أكثر إساءة للتيار الديني في حلب من والده حافظ الأسد، الذي تعامل بحنكة أكبر وأعطى هذا التيار حرية أكبر في الحركة، بحيث إن الناس كانت تعتقد أن هذه الشخصيات معارضة للنظام بالمطلق، لكنهم يتقون شره.

أما على عهد بشار فكانت الصورة أكثر فجاجة، وأصبحت طبقة رجال الدين ناطقة باسمه وباسم نظامه بشكل علني. والمشكله الأكبر حدثت عندما أخذ رجال الدين البارزون يتنافسون فيما بينهم للتقرب من سلطة المركز ومن أجهزة المخابرات، ولو على حساب شعبيتهم في مجتمعاتهم. 

وهنا برزت شخصية أحمد حسون وتقدمت على الجميع وصولاً إلى منصب الإفتاء، ليس لأنه كان الأكثر علماً بين رجال الدين في سوريا أو حلب، وإنما بسبب شعبيته الجارفة النابعة بالأساس من شعبية والده محمد أديب حسون، الذي ظل متربعاً على عرش التيار الديني لأكثر من خمسين عاماً، وكان يحظى باحترام واسع بين أهالي حلب، ليس بسبب علمه فحسب، ولكن بسبب الأدوار الاجتماعية التي كان يؤديها في مناصرة الفقراء والمحتاجين.

​لذلك كان أهالي حلب يتعاملون ويستمعون إلى أحمد حسون في البداية بوصفه ابن العلامة محمد أديب حسون، الذي لا بد أن ينجب عالماً مثله.

وأغلب الظن أن الناس تفصل اليوم بين مسيرته ومسيرة والده التي لم تتلوث من خلال التقرب من السلطة.

​أعتقد أن أحمد حسون هو ضحية طموحاته، وضحية صراع التيار الديني في حلب، وأخيراً ضحية السلطة التي حاول التزلف إليها إلى أقصى حد، لينتهي بهذه النهاية التي لا تليق برجل دين تملك أسرته كل هذا التاريخ العريق في الدعوة وفي العلم الشرعي.

​من يحاكم أحمد حسون اليوم ليس السلطة الجديدة في دمشق، وإنما الشعب السوري الحر الذي وقف المفتي ضده. ولو كان موقفه مغايراً وظل منتمياً إلى مجتمعه، لخرجت حلب كلها دفاعاً عنه، لكن يداك أوكتا وفوك نفخ يا مفتي..! 

فؤاد عبد العزيز - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي