أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حروب وهمية في عباءة المونديال

قبيل انطلاق المونديال، أصرّت ابنتي "زينة" على معرفة الفريق الذي سأشجعه في نهائيات كأس العالم.

سؤال بسيط جداً، أو هكذا كان يبدو حين يخرج من طفلة مراهقة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها.

في الماضي، ربما كنت سأجيبها بسرعة ودون تفكير: "البرازيل". كنت أعشق البرازيل منذ طفولتي، لا لأنني كنت أفهم خبايا كرة القدم وتكتيكاتها، ولا لأنني كنت عاشقة للمشاهدة أصلاً—فأنا بطبعي أفضّل أن أكون في مضمار الحركة لا في صفوف المتفرجين—ولكن، في الحقيقة، كنت أحب بهجة الأهداف الكثيرة، وكانت البرازيل تمنحني متعة الفرجة والمشاهدة التي أبحث عنها.

لكنني اليوم، وقفتُ ملياً قبل الإجابة. لم يعد السؤال مجرد استفهام رياضي عابر، لا سيما وهو يصدر عن ابنة في سن المراهقة بدأت تتلمس طريقها نحو أسئلة الفكر، والاجتماع، والعدالة، وحتى الجندر. بات كل نقاش معها يملك احتمال التحول إلى معركة فكرية مؤجلة، وأنا في الحقيقة، قد بلغت من الوعي والعمر مبلغاً لم يعد معه قلبي يتسع للجدال والخصومة.

كثير منا اليوم يدخل في معارك وهمية لا طائل منها؛ معارك مع الإخوة، مع الأصدقاء، مع الشريك، ومع الأبناء. والأدهى من ذلك كله، تلك المعارك الوهمية التي نخوضها ضد ممثلي القضايا الكبرى، والتي لا تفضي إلا إلى خلق عداوات، وآلام، وأحزان عميقة منبتها سوء فهم عقيم.

في كل مرة يأتي فيها كأس العالم، يفرز معه تحزبات مجتمعية جديدة، تنتهي غالباً بخسارة الكثير من الأصدقاء والمحبين. لا يرجع هذا الخلاف إلى مجرد اختلاف في تشجيع الفرق الرياضية، بل ينبع من التباين في تقييم المواقف الأخلاقية والقيم التي يطرحها بعض لاعبي تلك الفرق.

لم يعد المنتخب مجرد مجموعة من اللاعبين يركضون خلف كرة من الجلد، بل أصبح البعض يراه ممثلاً لدولة، أو تجسيداً لتاريخ، أو ناطقاً باسم نظام سياسي وموقف أخلاقي. ولم يعد اللاعب مجرد إنسان موهوب يخطئ ويصيب ويعيش تناقضاته البشرية، بل تحول في أعيننا إلى رمز مطلق؛ إما أن نحبه بعنف أو نكرهه بناءً على كل ما يمثله—أو ما نتوهم أنه يمثله.

أتذكر حين كنت صغيرة، كيف كان بعض الناس يشجعون البرازيل أو الأرجنتين (فريقا النهائيات) تعاطفاً مع شعوب عانت كثيراً من الفقر والاستعمار والهزائم، ورغبة في أن يمنحها المونديال فرحة صغيرة يتيمة. لم يكن هذا الجانب السياسي يشغلني حينها كطفلة، وإن ظل يحوم في عقلي لسنوات طويلة بعد ذلك، لكني كنت أحب فكرة أن هناك أناساً يبحثون عن الفرح لمن حُرموا منه.

أما اليوم، فقد بدأت تتغير مفاهيم الناس وتتحيز بشكل صارخ. أصبح اختيار فريق يشبه الإعلان عن هويتنا الشخصية، وبات الانحياز الرياضي يتسلل إلى أكثر مناطق حياتنا وعلاقاتنا حساسية. ربما يعود الأمر برمته إلى نظام عالمي متحيز، يقتات على نشر الكراهية، والطائفية، والتمييز العرقي بثوب جديد.

لقد أصبحنا نعيش في زمن لا يكتفي فيه الإنسان بأن يكون مجرد إنسان؛ بل يجب عليه أن يكون "ممثلاً":
اللاعب يمثل وطناً، والمرأة تمثل النساء، والرجل يمثل الذكور، والمهاجر يمثل كل المهاجرين، والدين يمثل كل أتباعه... حتى الفكرة الصغيرة البريئة تتحول أحياناً إلى دافع همجي لتحطيم الشوارع، والسيارات، وربما تحطيم قلوب من نحب.

لم يعد الأشخاص ينظرون إلى جوهر أفكارك، بل إلى الجهة التي تنتمي إليها. ومن يأبى الانتماء لمعسكر ما، يظل منبوذاً ومقصياً ومقللاً من شأنه، حتى لو كان مفكراً فذاً أو عالماً كبيراً. كأننا فقدنا القدرة على رؤية وجه الإنسان، لنكتفي بالبطاقة التصنيفية التي نعلّقها على صدره.

ولعل أكثر المساحات التي يتجلى فيها هذا الاستقطاب بوضوح هي قضايا الدين، والطائفة، والجندر، والعلاقة بين الرجل والمرأة. كم من نقاش شخصي عابر بين رجل وامرأة تحول فجأة إلى معركة كسر عظم بين معسكري الرجال والنساء؟ كم من مرة تحدثت فيها امرأة عن تجربة شخصية بحتة، فاعتُبرت فوراً ناطقة رسمية باسم بنات جنسها جميعاً؟ وكم من مرة عبّر فيها رجل عن خوفه أو رأي مغاير، فنُصبت له المشانق بوصفه عدواً للمرأة؟

لقد فقدنا القدرة على قراءة التفاصيل الدقيقة ورؤية الفوارق البسيطة. فليس كل اختلاف مع فكرة يعني بالضرورة كراهية لحاملها، وليس كل دفاع عن شخص يعني تبنياً كاملاً لجميع آرائه وسلوكياته.

الإنسان كائن شاسع، وهو دائماً أكثر تعقيداً وعمقاً من القضية التي يحملها. قد أحب جزءاً من فكرة وأرفض جزأها الآخر. قد أتعاطف مع إنسان وأختلف معه جذرياً. قد أرى الخير في شخص لا يشبه أفكاري، وألمح الخطأ في شخص يشاركني العقيدة ذاتها.

لكن عالمنا الجديد هذا على عجل من أمره؛ يريد دائماً إجابات سريعة وحاسمة. يريد أن يعرف بوضوح: "أأنت معنا أم ضدنا؟"، وكأن الإنسان لا يملك حقاً مشروعاً في الإقامة بالمنطقة الرمادية!

لهذا السبب تحديداً، نخوض تلك الحروب الوهمية المنهكة. نحارب أخاً لأننا أولنا كلماته على نحو خاطئ، ونقاطع صديقاً لأن موقفه من قضية عامة لم يرق لنا، ونخسر من نحب لأننا اختزلنا كينونتهم الشاسعة في رأي عابر واحد. نحن لا نختلف فحسب، بل يبدو أحياناً أننا نفتش بنهم عن أي ذريعة لنختلف!

ربما لم تكن ابنتي زينة تبحث في سؤالي عن اسم منتخب أشجعه، بل كانت تبحث عن موقعها مني؛ هل أنا في الفريقها أم في الفريق الآخر؟ هل أفكر مثلها أم أغرد خارج سربها؟ وكأن هذا الجيل الجديد قد ورث هو الآخر "سؤال الانتماء" قبل أن تتاح له فرصة تعلم "فن الاختلاف". ربما أرادت زينة بسؤالها أن تثبت لنفسها تفوقها الأخلاقي عليّ (كما يفعل معظم المراهقين في سنها)، أو ربما أرادت أن تفهم رأيي بحياد—وهذا تحديداً ما أشجعها عليه دائماً: المناقشة الواعية والاستماع الهادئ، وإن لم تكن بنيتها النفسية جاهزة بعد لكل هذا النضج في هذه السن المبكرة.

تكمن المشكلة الكبرى في نظري حين يصبح كل خيار صغير في حياتنا إعلاناً صارخاً عن الهوية، وتتحول كل متعة بسيطة نبتغيها إلى اختبار أخلاقي عسير، يطالب فيه الإنسان طوال الوقت بإثبات وقوفه في "الجانب الصحيح من التاريخ"—رغم أننا نختلف أصلاً في تعريفنا للأخلاق باختلاف الدوائر الصغيرة التي تحيط بنا.

إن أكثر ما فقدناه في عصرنا الرقمي السريع هو احترام "المساحة الرمادية". لم يعد مسموحاً للإنسان أن يتردد، أو يغير رأيه، أو يتبنى فكرتين تبدوان متناقضتين في آن واحد. أصبحنا نطالبه بموقف فوري، حاد، وقابل للتصنيف السريع. صرنا نرى في الاختلاف عيباً وتهديداً، متناسين أن الحياة نفسها قائمة على التناقض البديع، تماماً كقطبي المغناطيس اللذين لا يكتمل الكون إلا بوجودهما معاً.

ومع هذا كله، سأظل أتمسك بحقي الصغير، حتى في مواجهة ابنتي:
أن أحب هدفاً جميلاً دون أن أتبنى بالضرورة أخلاق صانعه وسلوكه.
أن أدافع عن كرامة إنسان دون أن أوقع صك موافقة على كل أفكاره.
وأن أختلف مع فكرة دون أن أحمل أي ضغينة لصاحبها.
فأنا، باختصار، لا أحب الحروب عامة، ولا أطيق تلك الوهمية منها خاصة. 

إيمان أحمد مسلماني - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي