تايه على دروب الهوى والنور، كان يتمتمها المسؤول الظريف في مقهى النوفرة. قلت له: "أبو المغيرة، عشقان؟" قال: "ع طول عشقان"، لكن عشقان دمشق 1950، ولا بد أن نعيدها لتكون مجددًا مدينة النور.
أضاف: "شغل على جوالك عتابا لحياة منصور"، وأكمل: "عندما كنا محاصرين في الشمال السوري، كانت همومنا أصغر، وأحلامنا أكبر. أما الآن، فأحلامنا بعد اصطدامها بالواقع أصبحت صغيرة، وهمومنا كبيرة. فهذه البلاد التي ينخر فيها الفساد، تحتاج إلى ثورة داخلية، أسميها "ثورة النفوس"، على الأنانية والرشوة والكذب... وهذا يحتاج جيلًا كاملًا ليكمل البناء بعد جيل الثورة".
هكذا لخص أبو المغيرة وجع المرحلة من مقعده الذي لا يغادره التاريخ في النوفرة؛ حيث تمتزج شجون العتابا برائحة القهوة والذكريات العتيقة. إنها مفارقة موجعة أن تتآكل الأحلام كلما اقتربت خطانا من ضفاف الواقع، فتكبر الهموم وتتضخم تفاصيل العيش اليومي في بلاد أنهكتها سنوات الأسد الطويلة.
لكن حديث الرجل يتجاوز حدود الشكوى ليلامس الجرح الأعمق. فالخراب المادي، مهما عظمت فداحته، يمكن ترميمه، غير أن الطامة الكبرى تكمن فيما ينهش الروح والوجدان.
ومن هنا تنبع ضرورة تلك "الثورة الداخلية" التي دعا إليها؛ ثورة تطهير للنفوس من درن الأنانية، والرشوة، والمجاملات على حساب الحق. معركة صامتة وطويلة النفس، يؤمن أنها تحتاج إلى جيل كامل يتربى على النقاء والصلابة، ليكون قادراً على إكمال بناء ما تهدم، كي لا يُكتب على السوريين أن يظلوا ضائعين بين هوى الماضي وقسوة الحاضر.
صمت أبو المغيرة، وغرق في صوت حياة منصور، وكأنه يستعيد شيئاً فقده، ربما لن يعود أبداً.
الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية