كتبتُ اليوم تغريدتين لم تلقيا استحسان البعض، وهذا حقهم؛ فمن حقهم أن يختلفوا معي، كما من حقي أن أقول ما أراه. لكن ما استوقفني لم يكن الاختلاف، بل أن يتحول النقاش من الفكرة إلى صاحبها، ومن الحجة إلى التخوين والتشكيك بالمواقف والتاريخ، بل وحتى إلى الحياة الشخصية والمال ومكان الإقامة.
من حق أي سلطة جديدة أن تحظى بفرصة، ومن الطبيعي أن تجد من يؤيدها ويدافع عن قراراتها حين يراها صائبة. ونحن نريد لهذه المرحلة أن تنجح، لأن نجاحها مصلحة وطنية. لكن دعم السلطة شيء، وتحويل التأييد إلى تقديس، والدفاع إلى تخوين، والاختلاف إلى عداوة، شيء آخر تمامًا.
المشكلة لا تبدأ عندما نمدح مسؤولًا أحسن، بل عندما يصبح المديح واجبًا، والنقد جريمة، والسؤال خيانة.
عشنا في سوريا عقودًا تحت نظام لم يكن يريد من المواطن أن يصمت فحسب، بل أن يصفق أيضًا. صنع حول نفسه ثقافة كاملة من التبرير والتقديس، حتى أصبح الدفاع عن الحاكم لدى البعض أهم من الدفاع عن الوطن، وصار كل نقد مؤامرة، وكل مخالف خائنًا أو عدوًا.
ولهذا يجب أن ننتبه اليوم إلى ظاهرة تتنامى على وسائل التواصل الاجتماعي: أصوات تنقضّ على كل من ينتقد قرارًا أو مسؤولًا في السلطة الجديدة، وكأن الثورة قامت لاستبدال مقدسات بمقدسات، لا لإنهاء فكرة التقديس السياسي من أساسها.
والمفارقة أن بعض من يمارسون ذلك هم ممن خرجوا يومًا ضد القمع والتخوين وإسكات الأصوات. وكأن النظام القديم سقط، لكن بعض أدواته وثقافته بقيت تبحث عمّن يرثها.
ولعل أكثر ما أثار استغرابي أن يسألني البعض: أين كنتَ أيام الثورة؟
وأقول لمن يسأل: فليقرأ أولًا تاريخ عائلتنا الطويل في مواجهة البعث وما جرّه معه إلى سوريا من قمع واستبداد وخراب، ثم ليقرأ أين كنتُ أنا، وما كانت مواقفي، وما قدّمته خلال سنوات الثورة، وبعدها فليحكم كما يشاء.
أما أن تعرف ذلك ثم تتجاهله لأن تغريدتين كتبتهما اليوم لم تعجباك، فتلك مصيبة؛ وأن تجهله أصلًا ثم تنصّب نفسك حكمًا على تاريخ الناس ومواقفهم، فالمصيبة أكبر.
ووصل الأمر بالبعض إلى الحديث عن مكان إقامتي وحياتي الخاصة وما أملك وما أنفق، بل وإلى إطلاق اتهامات لا علاقة لها أصلًا بما كتبته. وهنا أسأل ببساطة: ما علاقة كل ذلك برأي سياسي طرحته للنقاش؟
الوطنية لا تُقاس بعنوان السكن، ولا يفقد الإنسان حقه في إبداء رأيه في وطنه لأنه يعيش خارجه. ومن يملك اتهامًا محددًا فليقدّم دليله ويتحمّل مسؤولية كلامه، أما إطلاق الاتهامات على وسائل التواصل الاجتماعي فلا يحوّلها إلى حقائق.
ولا أقول هذا للمزايدة على أحد، ولا أنتظر شهادة ثورية من أحد؛ فالثورة ليست ملكية خاصة، ولا صكًا يوزعه البعض على من يصفق ويحجبه عمّن ينتقد. والانتماء إلى الثورة لا يُقاس بمقدار الولاء لسلطة، بل بالوفاء للمبادئ التي قامت الثورة من أجلها.
فالتشبيح ليس دائمًا عصًا وسلاحًا وحاجزًا أمنيًا. هناك أيضًا تشبيح إعلامي ورقمي: شتائم، وتخوين، وتشهير، وترهيب معنوي، وحسابات وهمية تنقضّ على كل صوت مختلف. والأشد خطورة أن يُمارس ذلك أحيانًا تحت رايات الثورة والحرية التي قامت أصلًا رفضًا لهذه العقلية.
أنا لا أطلب حصانة من النقد. انتقدوني كما تشاؤون، وناقشوا ما أكتب، وردّوا على الحجة بالحجة. لكن عندما يعجز البعض عن مناقشة الفكرة فينتقل إلى حياة صاحبها وماله ومكان إقامته وتاريخه ووطنيته، فهذه ليست مناقشة؛ بل هي تحديدًا العقلية التي أحذّر منها.
إذا كنت تؤمن بهذه السلطة وتثق بها، فلماذا تخشى عليها من كلمة نقد؟ وإذا كانت قوية بشرعيتها وإنجازاتها، فلماذا تحتاج إلى من يشتم الناس ويخوّنهم دفاعًا عنها؟
أخطر ما يمكن أن يحيط بأي سلطة ليس ناقدًا يقول لها أين أخطأت، بل مطبلًا يقنعها بأنها لا تخطئ.
وما كتبته اليوم لم تدفعني ردود الفعل عليه إلى التراجع عنه، بل أكدت لي أن الحديث عن هذه الظاهرة أصبح أكثر ضرورة.
نريد لهذه المرحلة أن تنجح، ولذلك تحديدًا يجب أن نحمي حق نقدها. فالنقد الصادق ليس خصومة مع الدولة، والمعارضة ليست خيانة، والاختلاف ليس مؤامرة. الدولة القوية لا تخاف من السؤال، والمسؤول الواثق لا يحتاج إلى جوقة تصفيق.
لقد دفع السوريون ثمنًا هائلًا للخلاص من زمن كان التصفيق فيه فضيلة، والصمت نجاة، والنقد تهمة. ولم تكن غاية الثورة أن تتغير الأسماء والوجوه بينما تبقى العقلية ذاتها.
فلا تعيدوا إنتاج تلك الثقافة بوجوه وشعارات جديدة، ولا تجعلوا حماية السلطة ذريعة لإسكات الناس؛ لأن السلطة التي لا تسمع إلا المديح ستفقد، مع الوقت، القدرة على سماع الحقيقة.
فاختلفوا معنا كما تشاؤون، وصفقوا لمن يستحق، وانتقدوا من يخطئ، ودافعوا عمّن ترونه محقًا؛ لكن لا تجعلوا من التأييد تقديسًا، ولا من الاختلاف خيانة، ولا من التطبيل تشبيحًا.
أديب إحسان الشيشكلي

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية