أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

كيمياء الانتصار السوري... وخطايا «الفواتير المؤجلة»

لم تكن السنوات الخمس عشرة الماضية في سوريا مجرد حرب أو نزاع عابر على السلطة، بل كانت مختبراً كونيّاً لترويض المستحيل. لقد استطاع الشعب السوري، عبر عقدٍ ونصف من النزيف الطاهر، أن يعيد كتابة قواعد الفيزياء السياسية، حيث يتحول الدم إلى وقود، والصبر إلى هندسة بقاء، والخراب إلى منصة لإطلاق كرامة إنسانية نادرة. ما فعله السوريون ليس مجرد انتصار عسكري أو سياسي، بل هو إرث بشري يدرّس في كيفية صمود المجتمعات حتى تحطيم آلة السحق الأعتى في العصر الحديث.

لكن، وخلافاً للروايات الرومانسية التي تحصر الثورات في لحظة انتصارها و سقوط الطاغية واحتفالات الميادين، فإن الحقيقة الأوجع هي أن لحظة الانتصار ليست سوى خط البداية لاكتشاف الفاتورة الحقيقية. لقد سقطت الرؤوس الكبرى، نعم، وتنفست الشوارع عبير الحرية، لكن المعركة الحقيقية انتقلت الآن من الخنادق المظلمة إلى أروقة الدولة المضيئة، حيث ينتظرنا الغول الأكثر شراسة: الروتين والبيروقراطية والفساد الإداري.

بين دماء الشهداء وعقود الموظفين: المعركة المؤجلة
أخشى ما أخشاه، وأكثر ما ينبغي أن يُقلِق ضمير كل حر صنع هذا الانتصار، هو أن نربح الحرب على الاستبداد، لنخسر المعركة أمام "طوابع البريد" و"إمضاءات المكاتب".

إن الخطر القادم على الثورة السورية لا يأتي من أشباح الماضي فحسب، بل يتخفى خلف طاولات الموظفين البيروقراطيين الذين نجوا من الغربال.

القوانين هي ذاتها التي صُنعت لتركيع المواطن لا لخدمته، والوجوه الإدارية ذاتها التي برعت في الإفساد والتسلط ما زالت تتنفس في مفاصل الوزارات والدوائر، محوّلةً انتصاراً سقاه السوريون بالدم الطاهر إلى مجرد "معاملة معطلة" في أدراج مغلقة.

الفساد الإداري والبيروقراطية الميتة هما السرطان الصامت الذي يتربص بجسد الدولة الناشئة. فإذا لم تكن هناك ثورة إدارية جذرية لتطهير المؤسسات، وتحديث قوانينها، وكنس منتفعي الأمس، فإن الروتين الحكومي سيكون قادراً على تدمير ما عجزت عنه الصواريخ، إذ لا قيمة لحرية تُنتزع بالدم، لتضيع بعدها على باب موظف مرتشٍ أو قانون بالٍ. سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى منتصرين، بل تحتاج إلى مهندسي تطهير يدركون أن الإدارة العفنة قادرة على اغتيال الأحلام.

رسالة إلى صناع القرار: استبقوا الطوفان قبل فوات الأوان
من هنا، نقف اليوم لنوجه نداءً حاراً ونافذاً إلى كل من بيده أمر هذا الوطن ومن حمل أمانة المسؤولية بعد هذا المخاض العسير: انهضوا، وقبل أن يفوت الأوان، حاربوا هذه الآفة بلا هوادة.

إن التهاون مع تَرِكة البيروقراطية والفساد أو الاكتفاء بالمعالجات التجميلية هو جريمة بحق تضحيات جيل كامل دفع روحه مهراً للغد. لا تنتظروا حتى يتغلغل السرطان في جذور الدولة الجديدة فيصعب استئصاله، فإن المواطن الذي حطم جدران الخوف لن يقبل بأن تُبنى أمامه جدران جديدة من طوابع الروتين وتعقيدات المكاتب.

الولاء الحقيقي والوطنية الحقة يقتضيان إعلان حرب لا تقادح فيها على الفساد الإداري، وخلع الجذور العفنة للنظام البائد من أصولها. إنها لفرصة تاريخية نادرة، فإما أن تبنوا دولة القانون والكفاءة، أو تتركوا الروتين يلتهم انتصاراً ما كان أغلظ ثمنه وأعظم شأنه. استبقوا الطوفان، واجعلوا من مكنات الإدارة خادماً للحرية لا سجناً جديداً لها.

عمار هارون - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي