أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لماذا تحتاج سوريا إلى استقلال القضاء وسلطته، لا إلى "ديوان مظالم"

دفع السوريون ثمناً باهظاً لتسلط وجرائم أبشع الأنظمة العسكرية الأمنية في التاريخ المعاصر.

قرابة مليون شهيد ومفقود ومغيّب قسراً، إضافة إلى عشرات الآلاف من "الشهداء الأحياء" الذين نجوا بأعجوبة من المسالخ البشرية وأقبية التعذيب التابعة للنظام الأمني الأسدي.

هذه المأساة، بخصوصيتها التاريخية الاستثنائية، تفرض تطوير منظومة أمنية وقضائية تتناسب مع حجم الأثمان التي دفعها السوريون. وبعبارة أبسط: يستحق السوريون أن يعيشوا دون خوف من سطوة رجل الأمن — أي رجل أمن.

تاريخياً، لم يكن التعذيب جزءاً من بنية الدولة السورية أو ثقافة مؤسساتها في مرحلة ما بعد الاستقلال. غير أن أنياب "الدولة الأمنية" بدأت بالظهور خلال عهد الوحدة مع مصر بزعامة جمال عبد الناصر، حين أُطلقت يد جهاز عبد الحميد السراج لحماية الوحدة من "الخونة" — وهناك بدأت قصة درب الآلام في الأقبية الأمنية.

وتصاعدت ممارسات الأجهزة الأمنية بشكل حاد بعد انقلاب عام 1963، الذي أقام نظاماً طائفياً ارتدى عباءة القومية والاشتراكية. فتحولت هذه الأجهزة، خلال الستينيات ووصولاً إلى العهد الأسدي، إلى مؤسسات قمعية ابتكرت أساليب في التنكيل النفسي والجسدي تجاوزت في شراستها وإجرامها ما عرفته أعتى الأجهزة السرية في القرن العشرين، بما فيها "الستازي" في ألمانيا الشرقية و"كي جي بي" السوفياتي.

وإزاء هذا الإرث المخيف، فإن تفكيك منظومة أمنية امتدت لعقود يتطلب معالجة هيكلية جذرية، لا حلولاً ترقيعية. فارتكاب أي عنصر أمني اليوم لجريمة تعذيب يتجاوز بكثير حدود التجاوز الفردي، ليمثل تعدياً صريحاً على دماء مئات الآلاف من المعتقلين والشهداء. ومن هنا، يجب أن تكون العقوبة صارمة — تصل إلى الإعدام — وأن تطال المنفّذ والآمر على حد سواء: فلا تقتصر على مَن باشر التعذيب، بل تمتد لتشمل مَن أصدر الأمر، ومَن منح الصلاحية، ومَن تقاعس عن المحاسبة.

متاهة "ديوان المظالم" وتشويه المؤسسات
وهنا يطرح بعضهم إنشاء ما يُعرف بـ"ديوان المظالم" حلاً لمعالجة هذه الانتهاكات، استلهاماً من تجارب بعض الدول العربية.

قد يُخفف هذا الديوان ظاهرياً من مشكلة التعاطي مع الشكاوى، لكنه في جوهره انتكاسة لمسار بناء المؤسسات في سوريا الحديثة؛ إذ إن قرارات ديوان المظالم لا تعدو كونها توصيات إدارية غير مُلزمة، تحتاج موافقة السلطة التنفيذية، بينما يتطلب ردع انتهاكات جسيمة كالتعذيب أحكاماً قضائية واجبة النفاذ، دون أي وسيلة للالتفاف عليها. فلا يمكن، بعد كل ما حدث، أن تتحول الحقوق الدستورية الأصيلة للمواطن السوري إلى مجرد شكاوى واسترحامات لا تملك قوة الردع القانوني.

إن المعالجة الحقيقية لمنع تكرار المأساة ترتكز على محورين رئيسيين:
●جهاز تفتيش وأمن داخلي رادع: يتولى متابعة أداء الكوادر الأمنية، ومراقبة سلوك الأجهزة وضبطها وفق ضوابط قانونية صارمة، بشكل علني وشفاف.
●سلطة قضائية مستقلة بالكامل: تمتلك الصلاحية المطلقة في الدخول والتفتيش المفاجئ لجميع مراكز الاحتجاز، وتحريك الدعوى العمومية ضد أي مسؤول أمني مهما بلغت رتبته، دون الحاجة إلى موافقات مسبقة من أي جهة سياسية أو تنفيذية.

وهنا تتجلى أهمية مبدأ فصل السلطات، فهو الحصن الفاصل بين دولة القانون والدولة التي قد تتغوّل فيها الأجهزة الأمنية. فحصر سلطة المحاسبة بيد قضاء مستقل لا يتبع للجهاز التنفيذي يضمن تجريد أي سلطة — مهما كانت — من القدرة على منح غطاء لمرتكبي الانتهاكات، أو حتى مجرد التراخي عن محاسبتهم.

بالتأكيد، لا يعني هذا أن القيادة السياسية والأجهزة الأمنية الحالية توافق على التعذيب أو تسمح به، كما قد يروّج بعض المتاجرين إعلامياً، ممن يستغلون أي حوادث سلبية لمهاجمة العهد الجديد.

لكن النوايا الطيبة وحدها ليست ضمانة للمستقبل. فاتخاذ إجراءات حاسمة تحول دون تغوّل أفراد الأجهزة الأمنية مجدداً هو ما يستحقه السوريون بجدارة، بعدما دفعوا ثمنه غالياً. 

محمد الحسام - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي