أرجوكم... دعونا نجلس، ولو لمرة واحدة، حول طاولة واحدة، لا لنناقش مشروعًا استثماريًا جديدًا، ولا لنعلن عن برج سكني جديد، بل لنجيب عن سؤال واحد فقط:
هل تستطيع دمشق وريفها أن تتحمل المزيد؟ ليس المزيد من الأبراج... بل المزيد من البشر.
لأن كل مشروع سكني جديد لا يضيف مباني فقط، بل يضيف آلاف السكان الجدد، وكل إنسان يحتاج إلى الماء، والكهرباء، والطرق، والصرف الصحي، والمدارس، والمشافي، والمساحات العامة. وهنا يجب أن نطرح السؤال الذي يسبق أي مخطط عمراني:
هل تملك دمشق وريفها أصلًا الموارد التي تسمح لهما باستقبال مزيد من السكان؟
دمشق وريفها اليوم يضمان ما يزيد على ربع سكان سوريا.
وخلال سنوات الثورة السورية المباركة تضاعف الضغط على المدينة بشكل غير مسبوق. المياه أصبحت أكثر ندرة. الطرق أصبحت أكثر ازدحامًا. البنية التحتية تعمل تحت ضغط متزايد.
المساحات الخضراء تتراجع، ودرجة حرارة المدينة ترتفع عامًا بعد عام. ومع ذلك... ما زال التفكير السائد في كثير من الأحيان يعتبر أن الحل هو إنشاء المزيد من الأبراج السكنية.
لكن التخطيط الحضري لا يبدأ بالسؤال: كم برجًا نستطيع أن نبني؟ بل يبدأ بالسؤال: كم إنسانًا تستطيع المدينة أن تتحمل؟
في علم التخطيط الحضري يوجد مفهوم أساسي يسمى القدرة الاستيعابية للمدينة. أي الحد الذي تستطيع عنده الموارد الطبيعية والبنية التحتية أن تستمر في خدمة السكان دون أن تبدأ بالانهيار التدريجي. وهذا المفهوم لا يقاس بعدد الأراضي المتاحة للبناء، بل يقاس بالمياه، والطاقة، والطرق، والصرف الصحي، والهواء، والمساحات الخضراء، وجودة الحياة.
كل برج جديد يعني آلاف الأمتار المكعبة الإضافية من استهلاك المياه كل عام، ويعني آلاف الرحلات اليومية الجديدة على شبكة طرق تعاني أصلًا من الاختناق، ويعني مزيدًا من الضغط على الكهرباء، ومزيدًا من الضغط على شبكات الصرف الصحي، ومزيدًا من الضغط على الخدمات العامة. إذن... المشكلة ليست في البرج نفسه، بل في السكان الإضافيين الذين ستضطر المدينة إلى خدمتهم لعشرات السنين القادمة.
والأخطر من ذلك... (انتبهوا جيدا) أن التخطيط لا يُقاس بمشروع واحد، بل بالسوابق التي يصنعها. فعندما تُقام مشاريع سكنية مرتفعة في بعض مناطق ريف دمشق مثل ضاحية قدسيا أو يعفور أو البجاع، فمن الطبيعي أن تبدأ مناطق أخرى كالغوطة بالمطالبة بالمعاملة نفسها وبالمثل. وسيظهر السؤال:
إذا كان البناء مسموحًا في الضاحية ويعفور والبجاع... فلماذا لا يكون مسموحًا في غوطة دمشق؟ وهنا تبدأ العدوى العمرانية، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح الأراضي الزراعية هدفًا جديدًا للتوسع، وتفقد الغوطة تدريجيًا دورها الطبيعي؛ ليس لأنها لم تعد صالحة للزراعة، بل لأن الإسمنت أصبح أكثر إغراءً من الشجرة.
الغوطة ليست مجرد أرض يمكن استبدالها، إنها نظام بيئي كامل، هي التي تساعد على تغذية المياه الجوفية، وتخفف حرارة الصيف وتنتج الغذاء، وتحافظ على التوازن البيئي للعاصمة. وعندما نفقد الغوطة... لن نفقد بساتين فقط، بل سنفقد جزءًا من قدرة دمشق على الحياة.
الاستثمار الحقيقي ليس أن نزيد الضغط على مدينة وصلت مواردها إلى حدودها القصوى. الاستثمار الحقيقي هو أن نخلق فرصًا جديدة في المحافظات الأخرى، وأن نعيد الحياة إلى المدن التي تحتاج التنمية، وأن نخفف الهجرة نحو العاصمة، وأن نحافظ على الغوطة باعتبارها ثروة استراتيجية لا يمكن تعويضها.
فالمدينة لا تنهار عندما يُنشأ مشروع سكني جديد... بل تنهار عندما يتجاوز عدد سكانها قدرة مواردها على الاستمرار.
اليوم، نحن لا نحتاج إلى سؤال: كم برجًا سكنيًا سنبني؟ بل نحتاج إلى سؤال أكثر شجاعة ومسؤولية: كم إنسانًا تستطيع دمشق أن تتحمل قبل أن تفقد ماءها... وخضرتها... وقدرتها على الحياة؟ لأن المدن لا تموت فجأة... بل تذبل بصمت عندما نستهلك مواردها أسرع مما تستطيع الطبيعة أن تعوضها.
ولهذا... فإن الإنذار الأخير ليس للغوطة وحدها، ولا للمياه وحدها، بل لمستقبل دمشق وريفها بأكمله.
دمشق ليست بحاجة إلى مزيد من المشاريع السكنية التي تضغط على مواردها المحدودة... بل بحاجة إلى مشاريع استثمارية تحافظ على مواردها، وتعيد التوازن إلى عمرانها، وتضمن أن تبقى مدينة قابلة للحياة، لا مدينة تبحث كل يوم عن قطرة ماء، أو متر أخضر، أو نفسٍ تتنفسه.
اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.
محمد كليب - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية