تشير التقديرات والإحصائيات المتداولة عن جهات حكومية ونقابية وأممية إلى أن سوريا تحتاج إلى ما يقارب مليوني وحدة سكنية لمعالجة العجز السكني المتراكم، يُضاف إليها نحو 100 ألف وحدة سكنية سنوياً لمواكبة النمو السكاني والطلب المتزايد على السكن.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبكل جدية ومسؤولية:
هل سمعنا عن خطة حكومية وطنية واضحة تحدد كيف ومتى ستتم معالجة هذه الأزمة؟ وهل لدينا برنامج زمني وأهداف سنوية قابلة للقياس، أم أننا سنبقى نردد أرقام العجز دون أن نمتلك رؤية حقيقية لمعالجته؟
إن قضية السكن ليست مجرد ملف خدمي أو مشروع عمراني، بل هي أحد أهم معايير نجاح أي حكومة؛ لأنها تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وترتبط مباشرة بمستقبل ملايين السوريين.
ومن هنا، لا بد من طرح جملة من التساؤلات، لعلنا نجد من يملك الإجابات، لا من يكتفي بإلقاء المحاضرات والتصريحات.
التساؤل الأول: من المسؤول فعلياً عن معالجة أزمة السكن؟
هل هي وزارة الأشغال العامة والإسكان؟
وإذا كانت هي الجهة المعنية، فأين خطتها الوطنية لمعالجة العجز السكني؟ وأين المشاريع التي تتناسب مع حجم المشكلة؟
إن ما يُطرح من مشاريع لا يتجاوز، في حجمه التنفيذي، بضعة آلاف من الوحدات السكنية سنوياً، بينما تتحدث التقديرات عن حاجة البلاد إلى مئات الآلاف من الوحدات.
وهنا لا نتحدث عن مجرد ضعف في التنفيذ، بل عن فجوة هائلة بين حجم التحدي ومستوى التخطيط والاستجابة.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين معنيين بهذا القطاع توحي وكأن معالجة الأزمة تحتاج إلى عشرات السنين، وربما إلى قرون، إذا استمر العمل بالوتيرة ذاتها.
فهل المشكلة في الإمكانات، أم في الرؤية، أم في كفاءة من أُوكلت إليهم مسؤولية التخطيط والقرار؟
التساؤل الثاني: هل المرحلة الصعبة تبرر غياب الكفاءة؟
قد يقول البعض إن الدولة السورية تمر بمرحلة مخاض عسير، وهذا أمر لا ينكره عاقل، ولا يمكن تجاهل حجم التحديات السياسية والاقتصادية والإدارية التي تواجهها البلاد.
ولكن أليس المخاض العسير تحديداً هو المرحلة التي تستوجب أعلى درجات الحذر والكفاءة وحسن الاختيار؟
فعندما تكون الأم في حالة ولادة عسيرة، لا نترك مصيرها ومصير مولودها للصدفة، بل نختار المستشفى المناسب، والبيئة النظيفة، والكادر الطبي الأكثر خبرة وقدرة على التعامل مع المخاطر، حتى نضمن سلامة الأم ووليدها.
أما إذا أخطأنا الاختيار، فقد نخسر المولود، وربما نخسر الأم أيضاً.
واليوم، في هذا التشبيه، الأم هي الدولة، والمولود هو الشعب الذي ينتظر ولادة مستقبل أفضل.
فهل أحسنا اختيار المكان المناسب والنظيف؟ وهل اخترنا الكوادر الأكثر خبرة وكفاءة لقيادة هذه المرحلة المصيرية؟
أم أن بعض المواقع ما زالت تُمنح على أساس القرب والمعرفة والعلاقات، بدلاً من الخبرة والاختصاص والقدرة على الإنجاز؟
التساؤل الثالث: أين التخطيط الإقليمي الشامل؟
إذا كانت مسؤولية معالجة أزمة السكن مسؤولية جماعية، وهذا هو الواقع، فأين التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المعنية؟
وأين دور الجهات العليا المسؤولة عن التخطيط الإقليمي والعمراني؟
وأين الاجتماعات والخطط والبرامج التي تحدد التوسع العمراني المستقبلي، وتوزيع التجمعات السكنية، وربطها بمناطق العمل والخدمات والبنية التحتية؟
وهل توجد لجنة عليا فاعلة تتولى إدارة هذا الملف على المستوى الوطني، وتملك الصلاحيات والقدرة على التنسيق واتخاذ القرار؟
إن تأمين السكن للمواطن لا يقل أهمية عن تأمين الخبز، فكلاهما من مقومات الحياة الكريمة والاستقرار.
فكيف يمكن أن تكون لدينا خطط لتأمين الاحتياجات اليومية، بينما يغيب الإعلان عن خطة وطنية واضحة لتأمين أحد أهم احتياجات الإنسان الأساسية؟
التساؤل الرابع: هل يمكن بناء ملايين المساكن دون بنية تحتية؟
إن إعادة الإعمار ليست مجرد تشييد أبنية إسمنتية وبيع شقق سكنية.
فكل تجمع سكني جديد يحتاج إلى طرق، وشبكات كهرباء ومياه وصرف صحي واتصالات، ومدارس ومراكز صحية وخدمات عامة.
فهل توجد خطط متكاملة لتطوير هذه البنى التحتية بالتوازي مع الحاجة الهائلة إلى الوحدات السكنية؟
وهل هناك تنسيق فعلي بين وزارات الإسكان والإدارة المحلية والطاقة والاتصالات وغيرها من الجهات المعنية؟
أم أننا سنكتشف بعد بناء المساكن أن البنية التحتية غير قادرة على استيعابها، فننتقل من أزمة سكن إلى أزمات جديدة في الخدمات؟
التساؤل الخامس: أين الأهداف السنوية القابلة للقياس والمحاسبة؟
لسنا من أصحاب الأحلام المستحيلة، ولا نطالب بحل أزمة تراكمت عبر سنوات طويلة بين ليلة وضحاها.
بل نقبل بأي خطة وطنية واقعية، تمتد لخمس أو عشر سنوات أو أكثر، شريطة أن تكون مبنية على أرقام واضحة، وبرامج تنفيذية محددة، ومصادر تمويل معلنة، وجهات مسؤولة عن التنفيذ.
لكن هل يُعقل أن نحتفي بالإعلان عن مشاريع لا تتجاوز بضعة آلاف من الوحدات السكنية، ويستغرق تنفيذها سنوات، بينما تحتاج البلاد إلى مئات الآلاف من الوحدات سنوياً لمعالجة العجز المتراكم ومواكبة الطلب الجديد؟
إن الفارق بين حجم الحاجة وحجم الإنجاز ليس مجرد فجوة رقمية، بل مؤشر خطير يستوجب مراجعة شاملة لآليات التخطيط والإدارة.
وأين أصحاب نظريات التطوير والتحديث والإصلاح الإداري من هذه الحقائق؟
وهل المطلوب من المواطن أن يظل مستمعاً لمحاضرات المسؤولين، وكأنه طالب يجلس على مدرج جامعي، بينما ينتظر حلولاً ملموسة لمشكلاته اليومية؟
التساؤل السادس: هل المناصب مسؤولية أم مكافأة للعلاقات؟
وحتى لا أكون ممن ينتقدون من بعيد، هل تقوم معايير اختيار المسؤولين لبعض المواقع بالضرورة على الخبرة والكفاءة والاختصاص، أم تتأثر بالقرابة والعلاقات والمعارف؟
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالدول لا تُبنى بحسن النوايا وحده، ولا تُدار الملفات المصيرية بالعلاقات الشخصية، ولا يمكن أن نعالج أزمة بحجم إعادة إعمار سوريا بعقلية المحسوبيات أو التجارب الإدارية المرتجلة.
إننا لا نشكك في النوايا، ولكننا نطالب بالكفاءة والنتائج؛ لأن حسن النية لا يعوّض غياب الخبرة، والتصريحات لا تبني مساكن، والمؤتمرات لا تختصر سنوات الانتظار.
وأخيراً...
إننا لا نطرح هذه التساؤلات بهدف الانتقاد لمجرد الانتقاد، وإنما انطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية والمهنية، وإيماننا بأن نجاح الدولة في هذه المرحلة يحتاج إلى مصارحة وشجاعة في تشخيص الخلل قبل الحديث عن الحلول.
ولا نطالب الحكومة بمعجزات، وإنما نطالبها بأن تجيب عن أسئلة بسيطة وواضحة:
كم وحدة سكنية تحتاج سوريا فعلياً؟ وكم وحدة سنبني كل عام؟ ومن سينفذ؟ ومن سيموّل؟ ومتى سيبدأ التنفيذ؟ ومن سيحاسب المقصرين؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية، بل أبسط مقومات الإدارة والتخطيط في أي دولة تسعى إلى النهوض.
إن أزمة السكن في سوريا ليست أزمة إسمنت وحديد وأراضٍ، بل قد تتحول، إذا استمر غياب التخطيط الجاد، إلى أزمة ثقة بقدرة المؤسسات على إدارة المستقبل.
فالشعب الذي صبر طويلاً لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى خارطة طريق واضحة، وقيادات كفؤة، وبرامج قابلة للتنفيذ، ونتائج يمكن قياسها على أرض الواقع.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نمتلك الشجاعة للاعتراف بحجم المشكلة، والكفاءة لوضع الحلول، والإرادة لاختيار الأشخاص القادرين على تنفيذها؟
أم أننا سنستمر في الحديث عن إعادة الإعمار، بينما يواصل المواطن السوري انتظار منزله... وربما ينتظره أبناؤه وأحفاده من بعده؟
تساؤلات... برسم من يملك القرار، ومن يتحمل المسؤولية.
أيمن عمر - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية