أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

رثاء وحكاية ألم: إلى روح الشهيدة لمى نواف الباشا

أكتبُ هذه السطور ليس فقط كأختٍ مكلومة، بل كشاهدةٍ على قصة ظلمٍ مريرة طالت أختي "لمى"، التي لم تكن يوماً سوى فتاةٍ مسالمة، لم تحمل سلاحاً ولم تؤذِ أحداً، لكنها دفعَت ثمن حساباتٍ دنيئة في زمنٍ غاب فيه الضمير.

اتُّهمت لمى زوراً وبهتاناً بتهمٍ ثقيلة من القتل وحيازة السلاح، وهي التي لم تعرف في حياتها سوى براءتها. لقد واجهنا ضغوطاً ابتزازية لتسليم أسلحة وهمية مقابل حريتها، ورفضنا الخضوع لهذا الابتزاز لأننا نؤمن بأن الحقيقة لا تُشترى بالزور. تم الحكم عليها عبر "محكمة ميدانية عسكرية" جائرة، حُرِمت فيها من أبسط حقوقها القانونية أو توكيل محامٍ.

لقد كانت رحلة البحث عن لمى في أروقة المعتقلات (فرع الأمن السياسي بالمزة، ثم سجن عدرا) رحلةً من الذل والقهر. عانينا من استغلال "تجار الأزمات" الذين باعونا الأوهام والوعود الزائفة، وتخاذل "كبار القوم" الذين كان بوسعهم المساعدة لكنهم آثروا السلامة الشخصية على قول كلمة حق.

أتذكر جيداً زيارتي الأخيرة لها في 29 مارس 2015. كانت تلك اللحظات هي الأقسى؛ طلبت مني إبريق شاي وصحوناً وكأنها تشعر بطول الانتظار.
 في تلك الدقائق العشر التي سُمح لي فيها برؤيتها خلف طاقة الزيارة، طبعت في ذاكرتي نظرة الوداع، وصوتها وهي توصيني بأبي وأمي. 

كان حدسها يسبق الواقع، فقد قالت لي: "قلبي يخبرني أنها المرة الأخيرة"، ثم سحبها السجان بعيداً، لتظل تلك الصورة محفورة في وجداني إلى الأبد.

في الأسبوع التالي، حين ذهبت لزيارتها، أخبروني ببرودٍ قاتل أنها لم تعد في السجن، وعندما سألت عن مصيرها، قوبلت بالصمت أو الترهيب. طوال سنوات، كان شبح "أبو جعفر" على الحاجز يلاحقني بكلماته النابية وتهديداته، محاولاً كسر شوكتي، فكنت أبتلع جراحي وأصمت من أجل سلامة أهلي.

في عام 2018، وبكل برود، تم استدعاؤنا من قبل البلدية لنعلم بوفاتها، واكتشفنا لاحقاً في البيان العائلي أن تاريخ وفاتها كان في 8 أبريل 2015، أي بعد أسبوعٍ فقط من رؤيتي لها! لقد قتلوها بدمٍ بارد، وتركوا قلوبنا تحترق ثلاث سنواتٍ في انتظار إجابة، بينما كانوا يدركون الحقيقة.

اليوم، أكتبُ هذه الكلمات لأخلّد ذكراكِ يا لمى. لقد أطلقتُ اسمكِ على ابنتي، وأُحدثها يومياً عن خالتها الفنانة، الرسامة، القوية، والحرة.

رحمكِ الله يا أختي وتقبلكِ من الشهداء. سامحيني لأنني لم أستطع أن أمنحكِ حريتكِ، لكنني أعدكِ بأن تبقى قصتكِ حكايةً شاهداً على ظلمٍ لن ننساه.

براءة الباشا - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي