أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

كان موت حافظ الأسد حلم طفولتي… لكن هل مات حقًا؟

منذ خرجتُ من سوريا مُكرهًا، لم يكن يمرّ يومٌ إلا وأترقّب خبرًا واحدًا: موت حافظ الأسد. 

في صباح يوم سبت، عند العاشرة صباحًا بتوقيت هيوستن، كنتُ نائمًا وقد ضبطتُ منبّه التلفاز على هذا الموعد كعادتي في أيام العطلة. وما إن انطلق الصوت حتى سمعتُ مترجم CNN ينقل كلمات عبد القادر قدورة، رئيس مجلس الشعب، وهو ينعى حافظ الأسد. للحظاتٍ خُيّل إليّ أنني أحلم، فذلك الخبر كان الأمنية التي رافقتني منذ كنتُ طفلًا في العاشرة من عمري. 

وأيّ أمنيةٍ هذه لطفل؟ 
بعد اغتيال أفرادٍ من عائلتي في حماة، لم أكن أحلم بلعبةٍ جديدة، ولا برحلةٍ سعيدة، ولا حتى بمستقبلٍ جميل، بل كنتُ أحلم أن أعيش حتى أسمع خبر موته. كانت تلك أكبر أمنيةٍ عرفتها طفولتي. 

وحين جاء الخبر عام 2000، ظننتُ أن صفحةً سوداء قد طُويت، وأن ليل القهر الطويل قد انقضى. لكن الفرحة لم تدم طويلًا؛ فما إن مات حافظ الأسد حتى عُدّل الدستور على عجل ليرث الابنُ البلاد، وكأن سوريا مزرعةٌ خاصة لا وطنٌ لشعبٍ كامل. عندها أدركتُ أن المشكلة لم تكن في الرجل وحده، بل في المنظومة التي بناها ورسّخها، وحوّلها إلى دولةٍ ومجتمعٍ على صورته. 

مات حافظ الأسد جسدًا عام 2000، لكن نظامه بقي حيًّا. أما موته الحقيقي، فلم يأتِ إلا يوم سقط ذلك النظام، وانهارت الأسطورة التي أحاطت به لعقود. 

فالطغاة لا يموتون حين تتوقف قلوبهم، بل حين يسقط ما شيّدوه من ظلم، وتتداعى البنية التي أقاموها على الخوف والقهر. 

لقد مات حافظ الأسد منذ سنوات طويلة، لكن إرثه السياسي والأمني بقي حاضرًا. ولذلك ما زال سؤالٌ يرافقني حتى اليوم: 
هل مات حافظ الأسد حقًا؟ 
أم أن ما زرعه من خوفٍ وحقدٍ وانقسامٍ واستبداد ما زال حيًّا في النفوس والمؤسسات؟ 

كانت أمنيتي في الطفولة أن أسمع خبر موته. أما اليوم، فكل ما أرجوه أن تموت معه آخر آثار تلك الحقبة التي أورثت سوريا الألم والخوف والتخلّف. 
خرجنا من سوريا مُكرهين، لا هربًا من رجلٍ واحد، بل من واقعٍ بناه ورسّخه على مدى عقود. 

فهل زالت الأسباب التي دفعتنا إلى الرحيل؟ وهل أصبح السوري قادرًا على أن يعيش في وطنه آمنًا كريمًا، في ظل حكمٍ رشيد، وعدالةٍ لا تميّز بين الناس، وحريةٍ لا يخشى معها رأيًا أو كلمة، ولقمةِ عيشٍ تحفظ كرامته؟ 

حين يصبح ذلك واقعًا يلمسه كل السوريين، وحين يغيب الخوف والظلم من الدولة والمجتمع، وحين يشعر المواطن أن كرامته مصونة وحقوقه محفوظة، عندها فقط يمكن أن نقول: نعم، لقد مات حافظ الأسد حقًا.

أديب إحسان الشيشكلي
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي