أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حين يستيقظ العرب متأخرين.. فؤاد حميرة*

مبنى السفارة الإماراتية في دمشق - ا ف ب

إذا نظرنا للخطوة الإماراتية بفتح سفارة بلادهم في سوريا كنوع من عودة العرب للتدخل في الملف السوري فإن هذه العودة جاءت متأخرة للغاية وفي غير مكانها، ولا يمكن فهم تصريحات وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش بأن فتح السفارة في دمشق جاء كخطوة لوقف التوغل الإيراني – التركي في الشأن السوري إلا أنها توحي بيقظة عربية متأخرة عن هذا التغول.

كانت البداية مع قرار جامعة الدول العربية بتعليق عضوية سوريا في الجامعة الذي أطلق يد النظام في سوريا وسمح له باستدعاء قوات اجنبية لوقف خساراته العسكرية التي كانت تتلاحق في ذلك الوقت بعيدا عن أي ضغط عربي ممكن فتعليق العضوية كان السقف الأعلى الذي يمكن أن يمارسه العرب على النظام في حين كان من الممكن فعلا ممارسة ضغوط عربية ربما كانت نتائجها أكثر ثمارا من التي تلك التي جاءت في أعقاب القرار المذكور، والذي لم يكن في الحقيقة ورقة ضغط على النظام بقدر ما كان الخطوة الأولى لخروج العرب من الملف السوري. تبع ذلك دعم عسكري لبعض الفصائل التي انزاحت نحو التطرف فأصبحت مدانة دولية وتم وضع الكثير منها على قوائم الإرهاب ما جعل استمرار الدعم العربي لها أمرا صعبا وتهمة لا يجرؤ أحد على التورط بإلصاقها بنفسه، فتوقف الدعم العربي ما تسبب في بدء خسارات المعارك مع النظام وتخلي الفصائل عن مناطق سيطرتها بالتدريج.

لا شك أن الدعم الإيراني -الروسي لجيش النظام كان له حصة الأسد في عملية حسم المعارك لصالح النظام، ولكن لا يمكن التجاوز عن مسألة انخفاض تمويل الفصائل المعارضة للأسباب التي ذكرناها سابقا.

في مجال الكفاح السياسي تراجع دور المعارضة المدعومة عربيا وأصبح الدور التركي هو الأساس في أية مفاوضات مع حلفاء النظام ونقصد روسا وإيران فتتالت الاجتماعات والمؤتمرات من سوشي إلى أستانا إلى طهران بغياب عربي فاضح ومخز بسبب تراكم الأخطاء العربية سياسيا وعسكريا، وفشلت جميع محاولات العرب في الاحتفاظ بدور مهما كان ضعيفا في الملف السوري، كما فشلت جميع الاقتراحات التي تقدمت بها بعض الدول العربية وعلى وجه الخصوص الاقتراح السعودي بتشكيل تحالف عربي للتدخل في سوريا، وللحق لا بد من الاعتراف بسذاجة هذا الطرح واستحالة تنفيذه، ولذلك واجه الفشل والموت في المهد، ولعلنا نذكر حينها حماسة الرئيس السوداني عمر البشير الذي أعلن في أحد اجتماعات قادة الدول المؤيدة لتشكيل قوة عربية أنه سيرسل إلى سوريا جيشا آخره في الخرطوم وأوله في دمشق لإسقاط النظام، ولكننا فوجئنا بزيارته إلى دمشق ما يؤكد أن المشروع كان (ولاّديا) في عالم السياسة كان من نتائجه هذا التهافت العربي لإعادة العلاقات مع النظام.

نعود لموضوع افتتاح السفارة بدمشق، هل تشكل فعلا عودة عربية للملف السوري لمواجهة النفوذ التركي – الإيراني؟ ولماذا إيران وتركيا فقط؟ ماذا عن الدور الروسي؟ هل نسيه الوزير الإماراتي أم أنه تعمّد القفز فوقه؟

المعلومات والتاريخ القريب يقولان إن الإمارات لم تقطع علاقاتها مع دمشق في يوم من الأيام، فالسفارة السورية بقيت تعمل في أبو ظبي، كما أن الرحلات الجوية لم تتوقف البلدين، وكذلك تعلن الكويت أن العلاقات السياسية لم تنقطع، ولكنها كانت مجمدة فقط، ونستحضر في هذا المجال الزيارة التي قام بها رئيس جهاز مخابرات النظام اللواء "علي مملوك" إلى القاهرة مؤخرا، ونستذكر أيضا أن تسريبات أكدت قيام المملوك بزيارة مشابهة للعاصمة السعودية في العام 2015، ولقاءه مسؤولين سعوديين على أعلى مستوى.

أعتقد أن الكويت ليست بعيدة عن اتخاذ خطوة قريبة جدا من الخطوة الإماراتية وسوف تليها البحرين ولا شك أن تحضيرات تجري من تحت الطاولة لعودة العلاقات السعودية مع النظام، وهذا لا يعني في أي حال من الأحوال أن العرب عادوا إلى الملف السوري، وإنما يعني فقط أن العرب يعيدون علاقاتهم مع النظام، فالعرب كما خرجوا خطأ من الملف السوري يعودون الآن خطأ أيضا إلى الملف السوري.

*من كتاب "زمان الوصل"
(8)    هل أعجبتك المقالة (8)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي