أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

البحث عن النهضة المفقودة (3).. تخلف ومؤامرة*

بحلول عام 1860 كان في عموم بلاد الشام 33 مدرسة أمريكية - جيتي

بالرغم من أن جورج طرابيشي لم يلتق بالدكتور جلال أمين حيث إن الأول سبق الثاني إلى الموت بأربعة عقود ورغم أنه (ربما) لم يقرأ أحدهما للآخر أيا من نتاجه إلا أن المطلع على كتاباتهما يتلمس جذوة نقاش ساخن بين الباحثين اللذين يقود كل منهما فريقا من المؤيدين لا يستهان به، وفيما يصر أمين على أن هناك مؤامرة تحاك ضد العرب والمسلمين يرى طرابيشي أن تلك المقولات إخلاء للمسؤولية الشخصية والذاتية عن موضوع التخلف، غير أن أمين لا يعترف بوجود التخلف أساسا ففي كتابه (عصر التشهير بالعرب والمسلمين) يرى الباحث أن الغرب نجح عبر الضخ الإعلامي في إقناع الكثيرين بأن من يتحدث عن نظرية مؤامرة إنما هو مريض نفسي، ولقد اعتمد الإعلام الغربي آليات عمل ممنهجة ذلك أنه (كان لا بد أن يصاحب التغيير في النظام العالمي الاقتصادي والسياسي تغيير موازٍ في الخطاب الإنشائي المستخدم لتجميل القبيح ولإبراز أحقر الغايات على أنها أنبل الأشياء وأجدرها بالاحترام).

ولسوف نلحظ في معرض حديث طرابيشي عن فكر قاسم أمين النهضوي ردودا على جلال أمين رغم مرور أكثر من قرن على وفاة قاسم أمين، ذلك أن طرابيشي بما تمتع به من عمق وتبصر مكنته من قراءة الماضي، استطاع استنتاج الإجابات والردود التي قد تبدو صالحة في هذا الزمان فيقول في كتابه (من الردة إلى النهضة) إن قاسم أمين كان في كتابه الأول (المصريون) مصابا بجرح في كبريائه النرجسي على نحو ما أسلفنا سابقا، فينقد انطلاقا من هذا الجرح، تأثر المسلمين ومنهم قاسم أمين بالفكر الغربي الذي وفقا لأمين (جعلهم – المسلمين – يهجرون تقاليد الإسلام القويمة). هذا التطابق في النظرة للأمور بين أمين الجد (تجاوزا) وأمين الحفيد يعني أن كثيرا من الباحثين ما يزال يصر على إبقاء الحبل السري ممدودا بين الماضي (التراث) والحاضر رغم مرور قرن كامل على وفاة الجد، وفي هذا يرى طرابيشي أن أحد أسباب فشل اليقظة العربية يكمن في عدم القطيعة مع الماضي وإلقاء التهم على الآخر، فيما يرى فريق أمين (الجد والحفيد) أن المسألة في رمتها غزوا ثقافيا يستهدف قيمنا ومبادئنا واقتصادياتنا وأيضا ثرواتنا الفكرية والأدبية والتاريخية.

ومع ازدياد الغوص في كلا الفكرين نغرق في تفاصيل، جديدة لكنها تمنح كلّا من الطرفين أدلة وبراهين على صحة توجهه الفكري، فإذا أردنا أن نرجح كفة جلال أمين ووجوده الافتراضي سنعود عشرات السنين إلى ما سبق عصر اليقظة العربية، فنكتشف أن التدخل الغربي (فكريا) لم يكن حديثا آنذاك ولم يكن تأثيره ضعيفا كما يرى البعض، بل أن أعلام النهضة في رأينا لم يخرجوا من ثوب الغرب شعاراته وثقافته رغم محاولات بعضهم شق طريق محلي (عربي – اسلامي محض)، وهذا التأثير كان خفيا ولم يلحظ إلا القلة آثاره الكبيرة على دعوات النهضة، أو لنتجرأ أكثر ونقول إن أحدا لم يلحظ آثاره السلبية على دعوات النهضة على نحو ما سنبينه لاحقا.

يعتقد البعض أن التدخل الأمريكي في شؤون العالم وخاصة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية قد تأخر إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء على دول المحور وانكشاف العالم أمام الأمريكيين والذي بات بابه مفتوحا بعد انهيار الامبراطوريات التقليدية التي كانت سائدة لقرون (بريطانيا وفرنسا على سبيل المثال، لكن للدكتور هشام سوادي هاشم أستاذ التاريخ العثماني المساعد في جامعة الموصل رأي آخر فهو يرى أن البعثات التبشيرية الأميركية نشطت في العقدين الأولين من القرن التاسع عشر وبشكل مكثف ما أجبر الدولة العثمانية على الاعتراف بطائفة جديدة هي الطائفة البروتستانتية وإعطائها الكثير من الصلاحيات وحرية الحركة للمبشرين الذين انتشروا في أرجاء الامبراطورية حتى بلغ عدد مراكزهم بين رئيسية وأخرى مساعدة نحو أكثر من ثلاثمائة مركز (كان أول ظهور للمبشرين الأمريكان في الدولة العثمانية عام 1819، ففي 3 تشرين الثاني أرسلت الهيئة كل من (9 لييفي بارسونز Levi Parsons) و(10بليني فيسك Pliny Fisk)، من الكنيسة

المشيخية،11 اللذين وصلا إلى ازمير في 14 كانون الثاني عام 1820. واتخذا منها أول مركز تبشيري أمريكي في الدولة العثمانية.12، وحال وصولهما بدأ برحلات عديدة إلى مناطق مختلفة من الدولة العثمانية وزعا خلالها الكتاب المقدس المترجم إلى اللغات المحلية، بعد ان تولت طبعه جمعية الكتاب المقدس البريطانية في لندن).

لكن المبشران المذكوران قدما إلى بيروت لسهولة العمل فيها وذلك لسببين أولا بعدها عن مركز الدولة في استانبول وثانيهما وجود طائفة مسيحية أكثر كثافة (وسرعان ما توصل المبشران الأمريكيان وبعد أن فشلت محاولاتهما

للعمل بين اليهود في فلسطين 14، إلى أن بيروت هي أنسب مكان لنشاطهم

التبشيري 15، حيث يمكنهم من هناك الوصول إلى سكان سوريا وفلسطين من المسيحيين وغيرهم من خلال لغة واحدة وهي العربية 16.

لذا تمت إقامة أول مركز تبشيري لهم في بيروت في السادس عشر من كانون الاول 1823 أنشأه وليم كودويل17 W. Godowel، واسك بيرد I. Bird، اللذان وصلا مع زوجاتهم إلى بيروت.

وكان هذان المبشران من خريجي معهد اندوفر اللاهوتي، وقد حصلا على تدريبهم اللاهوتي بعد تخرجهم من جامعتي يال Yale ودورتمنث Dortmonth، وقبل وصولهما بيروت استقرا في مالطة التي كانت ملائمة لهم اكثر من ازمير 18 لاسيما في وقت اشتد فيه آوار الثورة اليونانية، لذا كان من دواعي الأمن للبعثة أن تكون في حماية بريطانيا من أن تبقى في المدينة العثمانية.

فضلا عن ذلك فإن مالطا كانت المقر الرئيسي للبعثات البروتستانتية وجمعيات الكتاب المقدس).

ولقد نشطت تلك البعثات التبشيرية في نشر الاعتزاز بالتاريخ العربي وإعادة بعث أمجاد العرب وتنشيط الذاكرة العربية في استحضار رجالات الإسلام الأول العرب وليس خافيا في أن تلك السياسة وتلك المحاولات لم تكن من منطلق الهيام بالعرب والعروبة ولا حبا في بعث القومية العربية لأجل القومية ذاتها وإنما بغاية بعث التميز عند الفرد العربي وخصوصيته اتجاه العنصر التركي وبالتالي خلق حالة من التمايز القومي بين الشعوب التي تنضوي تحت ظل الحكم العثماني ولذلك كان من الطبيعي أن تنشط فكرة القومية العربية على أيدي مثقفين مسيحيين قبل غيرهم وفي لبنان تحديدا.

من نافلة القول إن هذا الكلام لا يعني على الإطلاق تخوينا لأحد ولا انتقادا لموقف على حساب موقف آخر، ولكننا نتحدث عن نهضة قومية عربية كان أصحابها الأوائل من المسيحيين كالمعلم بطرس البستاني وفارس الشدياق اللذين درسا في مدارس البعثات التبشيرية الأميركية، ما نريد قوله هنا وكي لا يفهمنا أحد خطأ، هو إبراز الدور الأميركي في المنطقة وتبيان أنه كان (أقله على الصعيد الثقافي) أقوى بكثير من الدور الأوروبي وأن التأثير الأميركي كان له بالغ الأثر في إحياء فكرة القومية العربية التي تأسست الأحزاب القومية على هدي منها.

وذلك لا ينفي وجود أصوات مسيحية هامة دعت إلى إحياء القومية العربية ولكن في إطار (الخلافة الإسلامية) العثمانية على نحو ما يكشفه الباحث جمال باروت في معرض حديثه عن النهضة العربية ورجالها في مدينة حلب، وعلى نحو ما نسبينه لاحقا.

والآن، هل هذه مؤامرة؟؟ هل نحن فعلا مسوخ مؤامرة قديمة تمت حياكتها بذكاء وهدوء؟ وهل نتحمل كعرب مسؤولية تنفيذها ونقلها من مرحلة النظرية إلى مرحلة الواقع العملي؟ هل نتحمل مسؤولية استمرار مفاعلات تلك المؤامرة؟

شخصيا وبالرغم من كل الملعومات المساقة أعلاه لا أرى في ذلك مؤامرة (رغم أنني من المؤمنين بوجود المؤامرات عبر تاريخنا كله)، فالذي حدث كان ثمرة التطور الطبيعي وكان لا بد للعرب أن يتميزوا عن غيرهم من القوميات التي كانت تحت حكم الدولة العثمانية ولا بد من توجيه تحية الإكبار لرواد النهضة العربية الذين بشروا ببزوغ القومية العربية وانبعاثها من جديد مسيحيين كانوا أم مسلمين، فالجميع أسهم في إيقاظ الفكر القومي وإعادة إحياء فكرة العروبة في ظرف كان يعجّ بالقوميات وكانت كل شعوب الأرض ومازالت تفخر بانتماءاتها القومية.

لا شك أن لتلك البعثات فضلا كبيرا في نشر التعليم والمعارف في منطقة كانت تفتقر أساسا للعلم وتعيش حالة من الجهل والفقر المدقعين، وفي هذا الصدد يشير الدكتور هشام إلى أن (وفي بلاد الشام أولى المبشرون الأمريكيون جل اهتمامهم للخدمات التعليمية، ففي سنة 1834 أسس القس المبشر "إيلي سمث60 E.Smith" وزوجته أول مدرسة للبنات في الدولة العثمانية في منطقة عينطورة قرب بيروت 61، وتولى سمث رئاستها ايضا وبمساعدة القس المبشر هوميرس هالوك Homars Hallock إصدار صحيفة امريكية وباللغة العربية، والتي صدر العدد الأول منها في مطلع عام 1836، ورأس تحريرها سمث يساعده اللبناني فارس الشدياق 62، ولاقت الصحيفة إقبالا كبيرا في كسروان والمنصورية في جبل لبنان، ووصلت نسخ منها الى ازمير واليونان وايطاليا .63

وأسس القس المبشر (كرنيليوس فانديك Cornelius Van Dyck) في الرابع من تشرين الثاني 1847 مدرسة للصبيان في منطقة عبية، وبعدها بعام واحد افتتح القس المبشر "دي فروست" مدرسة للبنات أيضا في عبية، وفي سنة 1849 انتقلت إدارة المدرسة إلى القس (سيمون كالهون 64 Simon Calhoun)، كما أولى المبشرون اهتمامهم في بلاد الشام لتأسيس الجمعيات الأدبية ومنها الجمعية السورية التي أنشئت عام 1847 في بيروت لغرض نشر العلوم وترقية الفنون بين العرب، وكان من بين أعضائها البارزين ناصيف اليازجي وبطرس البستاني والقس ايلي سمث، والدكتور فانديك، وفي عام 1852 أصدرت هذه الجمعية مجلة تحمل اسمها وعهدت إلى بطرس البستاني بتحريرها. وفي سنة 1857 أنشأت الجمعية العلمية السورية على غرار الجمعية السورية، واختلفت عن الأولى بأنها كانت خليطا من المسلمين والمسيحيين .65

وبحلول عام 1860 كان في عموم بلاد الشام 33 مدرسة أمريكية، بلغت مصروفاتها 7 آلاف دولار معظمها من هيئة المندوبين الأمريكان للبعثات الخارجية. وضمت هذه المدارس حوالي ألف طالب، بضمنهم 200 من الطالبات .66.

وعلى يد القس المبشر (هنري جسب H. Jessep)، أسست أول مدرسة داخلية للبنات في عموم الدولة العثمانية في عام 1861، وهي المدرسة الأمريكية للبنات في بيروت، وأنيطت مهمة إدارتها إلى مخايل ولولو عرفان 67، ثم استلمت إدارتها المبشرة اليزا ايفرت، وبلغ عدد خريجاتها قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى 500 طالبة 68.

وفي بيروت أسس القس المبشر (دانيال بلس69 Danial Bliss) الكلية البروتستانتية السورية (الجامعة الأمريكية في بيروت فيما بعد). في 16 كانون الأول عام 1866 70 وتولى "بلس" إدارتها حتى تقاعده عام 1903 فخلف ابنه هوارد بلس71 في رئاسة الكلية، وضمت الكلية في بادئ الأمر 16 طالبا وثلاثة أساتذة، واقتصرت في عامها الأول على كلية واحدة هي كلية العلوم 72، وجاء في تقرير بعثته اللجنة المشرفة على الكلية إلى مركز الهيئة في بوسطن أن الكلية توسعت في عام 1870 حتى بلغ عدد طلابها 67 طالبا، منهم 46 في اختصاص العلوم و21 في كلية الطب التي أضيفت حديثا إلى أقسام الكلية، والتي يعود لها الفضل في إدخال الأساليب الطبية الحديثة إلى الشرق الأدنى، وكان يصرف لكل طالب راتب شهري مقداره 4.5 دولار، وضمت مناهجها الدراسية: اللغة العربية والانكليزية والفرنسية والفيزياء والرياضيات وعلم الأحياء والهندسة، وتخرج الصف الأول والمكون من خمسة طلاب في سنة 1870 ،73 وخلال العقد الأول من تأسيسها كانت اللغة العربية هي لغة التدريس ثم استعيض عنها باللغة الانكليزية).

والآن، هل كان نشر العلم والمعرفة على هذا النطاق الواسع مؤامرة كاملة أم أنه جزء من مؤامرة أم أنه كان بسبب نوايا حسنة تم استغلالها فيما بعد لمآرب دنيئة؟ وكم كان تأثير هذه المدارس والتبشيريات في يقظة العرب وظهور الدعوات إلى النهضة العربية، وهل كنا فعلا بحاجة إلى نهضة في ذلك الوقت كما هي الحاجة الآن؟.

*فؤاد حميرة - من كتاب "زمان الوصل"
(83)    هل أعجبتك المقالة (57)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي