أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

البحث عن النهضة المفقودة (5).. من الاستشراق القديم إلى الجديد*

نتابع عملية استنطاق المستشرقين والدراسات الشرقية ولكن هذه المرة ليس مع إدوارد سعيد وأمثلته التي طرحها في كتابه (الاستشراق) والذي أراه شخصيا من اهم الكتب في مجال الدراسات السياسية التي تم وضعها في القرن العشرين وإنما مع موجة جديدة من المستشرقين الجدد يأتي في مقدمتهم صموئيل هنتنغتون وبرنار لويس وبيرنارد ليفي، وسوف نسترشد بنهج إدوارد سعيد بالشك فيما يقوله المستشرقون الجدد حول التقسيم الحاد بين الشرق والغرب، خاصة عند هنتنغتون الذي يرى أن العالم مقسوم إلى قسمين (غرب وكثرة غير غربية) فالعالم عنده غرب متماسك يضاف إليه كل ما هو غير غربي وهو بالتالي ليس متماسكا بل هو آخر فوضوي، وهنا يؤكد هنتنغتون وربما دون قصد ما ذهب إليه إدوارد سعيد حين قال (إن الرابطة بين المعرفة والسلطة هي التي أوجدت صورة الشرقي وطمست من زاوية ما وجوده)، فالسيد هنتنغتون لا يرى إلا الغرب وآخرين مختلفين معه.

في كتابه الشهير (صدام الحضارات) يستعرض هنتنغتون تاريخ الصراعات عبر التاريخ فيرى أنها كانت بين الأباطرة ثم أصبحت بين الشعوب ثم بين الايديولوجيات والتي انتهت مع نهاية الحرب الباردة ليبدأ عصر جديد من الصراع هو صراع الحضارات والهويات الثقافية.

وإني لأستغرب بالفعل أن يصدر هذا التحليل عن باحث كبير (استاذ تشومسكي وفوكوياما) لتاريخ الصراعات بين الدول والأمم التي كانت قائمة عبر التاريخ أم أن هنتنغتون يتعمد هذه السذاجة لأغراض ما؟ فـ(هنتنغتون) يعلم تماما أن التاريخ لا تكتبه أهواء الحكام والأباطرة ولا أمزجتهم وتقلباتها وكأنهم يلهون في روضة للأطفال الأبرياء دون الأخذ بالاعتبارات الاقتصادية والمصالح.

تحت فصل (الحقبة الجديدة في السياسة العالمية) يشير هنتنغتون إلى أن العالم بعد انتهاء الحرب الباردة شهد تغيرات جذرية حيث (بدأت هويات الشعوب ورموز تلك الهويات بالتشكل على خطوط ثقافية).

وبرغم اعترافه بأن الناس يكتشفون هويات جديدة إلا أنه يستدرك بالقول (ولكنهم في حالات كثيرة يكتشفون هويات قديمة ويسيرون تحت أعلام جديدة (ولكنهم يسيرون تحت أعلام قديمة تؤدي إلى حروب مع أعداء جدد ولكن في أحوال كثيرة مع أعداء قدامى).

ويبشرنا المؤلف وبشكل ساذج أيضا بأن (الصراعات المهمة لن تكون بين الطبقات الاجتماعية أو بين جماعات وأخرى محددة اقتصاديا، (الصراعات ستكون بين شعوب تنتمي إلى كيانات ثقافية مختلفة). ويضرب المؤلف أمثلة فيقول (الحروب القبلية والصراعات العرقية سوف تحدث داخل الحضارات، الصراع الدموي في الصومال لا يشكل تهديدا بصراع أبعد والصراع في رواندة له نتائج على أوغندة وزائير وبوروندي ولكن ليس أبعد من ذلك.

الصراعات الدموية بين الحضارات في البوسنة والقوقاز وآسيا الوسطى وكشمير قد تتحول إلى حروب أوسع.

ويضيف (في الصراعات اليوغسلافية قدمت روسيا دعما ديبلوماسيا للصرب وقدمت السعودية وليبيا وتركيا وإيران معونات وأسلحة للبوسنيين لا لأسباب إيديولوجية أو سياسية أو مصلحة اقتصادية وإنما بسبب القربى الثقافية).

واضح تماما أن الثقافة عند هنتنغتون تعني الدين فقط وهي تسقط اللغة والتاريخ والأحلام، فأي روابط تجمع أهل البوسنة بلغتهم الخاصة وتاريخهم الخاص وأحلامهم المستقبلية الخاصة مع العربية السعودية على سبيل المثال؟ لا شيء غير الدين وهذا ما قصده هنتنغتون بالضبط فالثقافة عنده في هذه الحالة تعني الدين ولسوف يتوضح ذلك أكثر كلما تقدمنا في دراسة الموضوع.

ثم إن هنتنغتون يسقط من حساباته – وهذا أمر مستغرب أيضا- المصالح السياسية والاقتصادية من مواقف كلا الطرفين (الروسي والإسلامي) ولاحظوا معي أن هنتنغتون اختار لفظ (الدعم الديبلوماسي) في حديثه عن الدعم الروسي للصرب فيما اختار ألفاظا أخرى لوصف الدعم الذي قدمته الدول الإسلامية للبوسنة (الدعم والسلاح).

هذا الرجل لا يستطيع الخروج من عنصريته الغربية حتى حين يتحدث عن عدو تقليدي للغرب (روسيا).

كما أن الولايات المتحدة (المسيحية) دخلت الحرب لصالح البوسنيين وكذلك حلف الناتو الذي قامت طائراته بقصف القوات الصربية، فكيف لهذا الغرب المختلف ثقافيا (مسيحي) أن يقدم الدعم لعدو ثقافي (البوسني المسلم؟) هذا ما لا يجيب عنه هنتنغتون.

وماذا عن أفغانستان؟ هل كان الدعم الإسلامي لطالبان والقاعدة بسبب التقارب الثقافي أم أن وراء الأجمة ما وراءها؟ ألم يكن التدخل السوفييتي في أفغانستان هو السبب في الدعم المسيحي الأمريكي للمسلم الأفغاني؟ ألم تكن المصلحة الأميركية تقتضي بهزيمة السوفييت وخروجهم مهزومين من هذا البلد؟.

من الواضح أن المؤلف يريد أن يرسخ في أذهاننا فكرة أن الصراع الدولي الآن هو صراع ثقافات ولربما يجد هذا الادعاء الكثير من المصدقين وذلك بالنظر إلى ما يحدث في العالم الآن فمعظم الصراعات التي نسمع عنها ترتدي لبوسا دينيا (ثقافيا وفقا لتصنيف هنتنغتون) بدءا بكشمير وليس انتهاء بـ"ناغورني كاراباخ"، ولكن في الحقيقة أن هذا هو الظاهر من جبل الجليد، الحقيقة تكمن أعمق من ذلك فالصراع لم يكن بسبب الاختلافات الدينية طيلة تاريخ البشرية حتى الآن، بل هي ارتدت لبوسا دينيا – ثقافيا وظهرت بمظهر الصراع الديني – الثقافي للتغطية على أسباب أعمق وأهم، فمن المؤكد أن الأوربيين لم يقتلوا الهنود الحمر في أبشع عملية إبادة جماعية عرفها التاريخ لمجرد الاختلاف في الدين، لأن الهنود الحمر كانوا (وثنيين) وأبناء أوروبا المهاجرين كانوا مسيحيين.

وكذلك الحال اليوم في كشمير التي تعتبر نافذة للتدخل في الشأن الهندي – الباكستاني لكل من أراد الضغط على كليهما أو كلا منهما على حدا لمصالح اقتصادية خاصة.

في الفصل المعنون بـ (الإسلام والغرب) يستمر هنتنغتون في سرد كوارثه الفكرية (يقول بعض الغربيين بمن فيهم الرئيس كلينتون إن الغرب ليس بينه وبين الإسلام أي مشكلة وإنما المشكلات موجودة فقط مع بعض المتطرفين الإسلاميين)، وطبعا يستنكر هنتنغتون هذا الرأي موردا رأيا مغايرا يقول فيه (أربعة عشر قرنا من التاريخ تقول عكس ذلك فالعلاقات بين الإسلام والمسيحية سواء كانت الأرثوذكسية أم الغربية كانت عاصفة غالبا وكلاهما كان الآخر بالنسبة للآخر).

وهنا يتنطع المستشرق الجديد الآخر برنار لويس ليؤكد ما ذهب إليه هنتنغتون بالقول (لمدة ما يقرب من ألف سنة منذ أول رسو مورسكي في إسبانيا كانت أوروبا في تهديد مستمر من الإسلام).

ولا شك أن برنار لويس – في رأيي الشخصي- يعد نموذجا فريدا بين مجموع المستشرقين الجدد، فهو يعمد إلى دس السم في الدسم، إذ يتحدث عن الاسلام باحترام ثم وفجأة تجد نفسك أمام انتقاد غريب فيقول (إن الذهنية الإسلامية القديمة لم تتغير بل هي استلهمت أساليب إجرامية جديدة) هذا ما يراه لويس في الموضوع، فكر ثابت لا يتغير إلا في إطار الإجرام وهو أيضا يتناسى الدور الغربي في خلق هذا الإرهاب ودعمه بالسلاح والمال.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بدأت عملية البحث عن عدو جديد يكون بمثابة رضاعة الحليب التي ستتلهى بها الشعوب الفقيرة المنهوبة الثروات والاقتصاد، لا بد من إيجاد مبرر لدعم الديكتاتوريات المنتشرة في المنطقة كالفطر والتي تلبي مصالح الغرب بكل أمانة وعبودية وطواعية، العدو يجب أن يكون كبيرا ومرعبا ويحتل مكانة كبيرة في التاريخ والحاضر، إنه الإسلام، لماذا الإسلام؟؟ لأن معظم ثروات العالم موجودة في مناطق ودول يغلب عليها العنصر البشري المنتمي للثقافة الإسلامية بأغلبية ساحقة ولأن شريان الاقتصاد العالمي ومحركه في مناطق المسلمين ولأن هناك تخوفات من أن تثور شعوب المنطقة على حكامها وعلى أسيادهم وأن يتمردوا على فقرهم رغم تمتعهم بأغلى ثروات العالم، أن يثوروا على عملائهم ولصوصهم فكان لا بد من خلق عدو وهمي يمكن من خلال التلطي خلفه قمع أية نية للتحرك أو التمرد على الواقع الحالي.

ولا شك أن في اعترافات هيلاري كلينتون حول دور واشنطن في صناعة داعش دليلا واضحا على أن الإرهاب الإسلامي يتم تصنيعه في معامل الغرب ومن ثم يتم تصديره إلينا مع السيارات والكومبيوترات وقطع الغيار.

ولربما يجب ألا ننسى الدور الأميركي أيضا في صناعة طالبان والقاعدة لقتال السوفييت في أفغانستان.

هذه هي الصورة التي رسمها الاستشراق الجديد عنا ويريد تمريرها لنا وترسيخها في عقولنا (الإسلام والإرهاب). والآن لنقفز للخلف ونعود إلى السؤال الذي بدأنا به هذه السلسلة وتحديدا إلى الحلقة الأولى منه (هل نحن متخلفون فعلا)؟ ومن رسم هذه الصورة عن تخلفنا؟ من الذي أقنعنا بأننا متخلفون فعلا؟ ألم يقع بعض آباء عصور اليقظة العربية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تحت إغواء الاستشراق الذي تحدث عنه إدوارد سعيد؟ أليس من المحتمل أن آباءنا القدامى تعرضوا لخدعة وصدقوها؟ هل ينطبق ذلك على جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو وعلي عبد الرازق وعبد الرحمن الكواكبي وجميع من نسميهم اليوم بـ (رواد النهضة)؟

في جانب ما قد يبدو التخيل منطقيا فجميع رواد النهضة كتبوا تحت تأثير دعايات الغربيين وأبحاثهم وجميعهم أصابتهم الصدمة بسبب التطور التكنولوجي – الصناعي الذي وصل إليه الغرب ونحنا كنا عنه غافلون ولسوف نتلمس الآثار الغربية الواضحة في كتابات جميع دعاة النهضة العربية منذ انطلاقتها مع نهايات القرن التاسع عشر ولسوف نتناول كتاباتهم بالتفصيل والبحث في مصادر تلك الكتابات للتدليل على أن أباءنا الأوائل وقعوا فريسة للفكر الغربي، كانوا ضحايا صورة رسمها الغرب عنا وصدقوها، ثم جاءت الأنظمة العربية الديكتاتورية لترسخ هذه الصورة في أذهاننا بل ولتحيلها إلى واقع حقيقي بالتعاضد والتعاون مع هذا الغرب ذاته.

البعض يربط بين النهضة والتطور الصناعي – التكنولوجي وهذا ما يرى فيه ياسين الحافظ (مسخ لفكرة النهضة).
في كتابه "الاستشراق" يضرب إدوارد سعيد مثالا على الطريقة التي يكتب فيها المستشرقون رؤيتهم للشرق فيتحدث عن رواية للأديب الفرنسي فلوبير وأنه كان يصف بطلة الرواية المصرية (هانم) ويقول عنها ما يشاء دون أن تقول هي عن نفسها شيئا، وأعتقد أن هذا ما حدث مع الاستشراق ككل، فالغرب رسم صورته عنا دون أن يكلف نفسه عناء سؤالنا، شكّل تصوراته عنا بمعزل عن أصواتنا وآرائنا وعمل جاهدا على زرع هذه الصورة في أذهاننا ووجداننا.

ولكن السؤال الذي يبقى ماثلا دوما وابدا هو: هل نحن متخلفون فعلا؟ هل تم إجبارنا على قبول تخلفنا والتعايش معه؟ هل الصراع حضاري – ديني فعلا؟

هنتنغتون يرى أن 50% من الحروب التي شهدها العالم خلال الفترة ما بين 1820 و1929 أي قرابة القرن من الزمان (كانت حروبا بين مسلمين ومسيحيين)، وإني هنا أرد هذا الكلام على بعض الذين انتقدوا حديثي عن دور البعثات التبشيرية في بعث الفكرة القومية العربية والذين رأوا أني أهادن السلفيين في هذا الراي، فـ "هنتنغتون" ومن معه (برنار لويس) يرون ان الحروب كانت بين دينين.

وهنا أطرح تساؤلا وأرجو أن أجد الإجابة عليه عند بعض أولئك الذين انتقدوني: هل يرى الباحثون الإسلاميون أن الصراع مع الغرب هو صراع إسلامي – مسيحي؟.

*فؤاد حميرة - من كتاب "زمان الوصل"
(31)    هل أعجبتك المقالة (34)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي