أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لماذا قالت جدتي: "لحافظ الأسد ما بزوجها"؟ قصة "غندورة".. الأتان التي علمتني معنى الوفاء

عشت شطراً من طفولتي في بلدة قلعة الحصن بريف حمص الغربي، في كنف جدتي "عفيفة"، وهي مسيحية من عمار الحصن، عشقت جدي وتزوجته منذ زمن بعيد، لكنها لم تعتنق الإسلام، وبقيت وفية لدينها، ولجدي أبي مصطفى، وتوفيت بعده بعشرين سنة، ما كفت عن ذكره يوماً.

كان لديها "أتان - أنثى الحمار"، تحبها كما تحبني، واسمها "غندورة"، كنت أراها عائدة من الحصاد وهي تمتطي الأتان، كما أميرات إنجلترا (الركوب المائل)، فتلك الأتان سوداء جميلة، خجولة، لبقة مع السياح، يوميًا كان السياح القادمون لزيارة قلعة الحصن يطلبون من جدتي التقاط صورة مع "غندورة"، تأمرني بمسك رسنها، ودعم السائح نفسياً كي يقف بقربها دون خوف حيث تعلمت جملة "Don't bite"، وتلتقط ريتا أو هايدي الصورة، غالباً يلبسون "شورت جينز"... مع طاقية قش، كان السائح يترك بخشيشاً "لغندورة"، أشتري به، لي ولها حلويات من دكان العم رشيد، الذي كان يعرف تماماً النوع الذي تحبه "غندورة"... شوكولا مع بسكوت، وما أحبه أنا، أيضا شوكولا مع بسكوت، من ينهي حلوياته أولًا يأكل مع الآخر، وكانت هي الأسرع. 

بعض الخطّابة كانوا يطلبون من جدتي تزاوج حميرهم من "غندورة"، فكانت تقول: "لحافظ الأسد ما بزوجها"، وعندما كبرت فهمت قصدها، فالأتان ما قتلت ولا أمرت بالانسحاب من الجولان.

في شبابي، افتقدت "غندورة" التي تاهت بعد وفاة جدتي، ثم سمعت أنها نفقت، فهي أجمل من أغلب البشر الذين عرفتهم، ووفية، وصادقة، والأهم أنني أقبض الدولار عنها دون أن تتهمني بالارتزاق أو قبض دعم من كوريا الشمالية أو دس السم في التبن، وما طالبت بمنصب بعد النصر، ولا تعلّق قلبها بسيارة فاخرة، ولا حوّلت مؤسسة رسمية إلى إقطاعية، ولا عيّنت حمير وأتان قلعة الحصن بمناصب، أو بدلت جلدها لترتدي طقماً وتوزع على الفقراء والعمال الوعود وسلل الأغذية. 

الأتان معجزة، فمن لديه أتان يضعها في عينيه، - أقصد أنثى الحمار حرفيًا، ليس التي ببالك -.

رحم الله "غندورة" ورحمنا.

الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي