ملاحظة: هذه المادة ليست لمن يحتسون القهوة، بل لمن يبتلعونها... ولا يصحون.
دائماً أختار مناوبة الفجر، جميع كادر "زمان الوصل" نيام، بما فيهم رئيس التحرير، وأنا الحسين الشيشكلي أتمسك بلوحة تحكم "زمان الوصل"، لأنشر وأضغط على الزر الأحمر وأسمع سارية السواس صديقتي المفضلة، أصلي الفجر وأنام... وأترك الهواتف والأخذ والرد لرئيس التحرير صباحاً، حيث يتصل بنا أحباؤنا في الحكومة، مرات بعتب، بسيط أو شديد، وأحدهم وهو يمون جداً، يتصل ليلقي محاضرة ونصف بهدلة، لكنه عسل والله... ومشهور بجملة "جبتولي السكري"..
أصحو من النوم ظهراً، يتصل بي رئيس التحرير، أسمع كلمتين عن الفلول، واستغلالهم نقد "زمان الوصل" للهجوم على الحكومة، أهز رأسي مع كلمة "تم باشا" متفهماً، وأتوجه إلى مقهى رخيص في باب توما بدمشق، كتبت فيه مواد وفرت على بلادي ملايين الدولارات، وحاولت تقويم الممارسات، وأرسلت إشارة واضحة من القاع إلى القمة، كما أظن، وكما سمعت من أبو سوريا...
يعرفني صاحب المقهى أنني صحفي، ويطلب دوماً، أن أكتب اسم مقهاه في مواد الشيشكلي، أنظر إليه بشفقة، وأهز برأسي نفس الهزة الخاصة كل يوم برئيس التحرير، وأقول في نفسي لا يعرف هذا المسكين أنه سيتقاعد جبراً لو عرف "أعداء العالم" أن مقهاه مغارة "زمان الوصل".
أرجيلتي المفضلة "تفاحتين"، لا أنكر، أنا أدوخ منها، لكنها تجعلني متماسكاً وأنا أكتب، وقوياً وأنا أنشر، مشروبي المفضل قهوة سادة، تساعدني فعلاً في عيش "الكوميديا السوداء"، فأنا "نكد" بطبعي، ثم أترك طاولتي متثاقلاً، أمشي في دمشق القديمة، 18 ألف خطوة بحسب ساعة "هواوي"، وأتحدث على الهاتف، أجري أهم الاجتماعات وأنا ماشٍ، وأخطرها وأنا جالس على الرصيف، أمر أمام مقهى النوفرة عدة مرات، أتصفح الوجوه، واسمع بعض الضحكات، وأراقب وجوه الناس.
ليس لي أصدقاء ثابتون، بل كل يوم أتعرف على بعضهم صداقة مؤقتة لمدة ساعتين وأنساهم في اليوم التالي وأنسى ماذا تحدثت معهم، لكن همومهم تسكنني وأكتب عنها، خصوصًا ما يلقيه عليّ من هموم عمال النظافة والشحاذين والمسؤولين السابقين - لم تتلطخ أيديهم بالدماء-.
من الساعة السادسة وحتى منتصف الليل، في خلوتي بدمشق لا أتحدث عنها لأنها أجمل من الكلمات، ثم أعود إلى المقهى لأبدأ الكتابة، والنشر، وأنا متفاجئ بما كتبته بالأمس، وأهز رأسي وأتمتم بجملة علي فرزات الشهيرة: "يا ويلتاه"، وأسمع حبيبتي سارية السواس...
- هذه المادة مهداة إلى روح جدتي فطوم... التي ارتاحت من العالم بحضني.
الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية