أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بين خوف الأمس وواقع اليوم... ماذا لو انتصر الشبيحة؟

قبل التحرير، لم تكن الأفراح أفراحاً كاملة، ولا الأعياد مواسم للطمأنينة. كنا نخشى التجمع في الأسواق والساحات، لأن لحظة فرح واحدة كانت كفيلة بأن تتحول إلى مأساة؛ قذيفة تسقط فجأة، أو سيارة مفخخة تمزق الأرواح، أو غارة جوية تحيل المكان إلى ركام. كان الخوف جزءاً من يومياتنا، يرافقنا في الطريق، وفي البيت، وحتى في الأحلام.

عشنا سنوات طويلة على امتداد الشريط الحدودي في "البقعة الخضراء"، محاصرين بين قوى وميليشيات متعددة. لم يكن يمر يوم دون قلق أو كابوس. كثيراً ما رأيت نفسي في المنام محاصراً داخل مدينة حلب، عاجزاً عن الخروج منها؛ مرة أخشى الوقوع بيد الشبيحة، ومرة بيد قوات النظام، وأخرى بيد الميليشيات الطائفية التي لم تكن ترى فينا سوى أعداء يجب التخلص منهم.

حتى الحديث عن المعارك كان يبعث الرعب في النفوس. فبعد كل معركة كانت رقعة الأرض التي نعيش عليها تتقلص، وكانت المدن والبلدات تسقط الواحدة تلو الأخرى. وكان السؤال الذي يطاردني دائماً: ماذا لو وصلوا إلينا؟ ماذا سيفعلون بنا إن بقينا أحياء؟ ما مصير أسرنا وأطفالنا وشيوخنا؟ وكيف ستكون حياتنا تحت سلطة من اعتبر مجرد المطالبة بالحرية جريمة تستحق العقاب؟

لم تكن هذه المخاوف من نسج الخيال. فقد رأينا بأعيننا كيف انتهكت كرامة الأحياء والشيوخ والأموات معاً واستبيحت الأعراض. رأينا قبور الشهداء تُنبش وتُدمر في عندان ومعرة النعمان وغيرها من المدن الثائرة. وإذا كانت حرمة الموتى لم تسلم من الحقد والانتقام، فكيف كان يمكن أن تكون معاملة الأحياء؟

ثم جاءت معركة ردع العدوان، وعاد الأمل الذي ظن كثيرون أنه ضاع إلى الأبد. سقط عهد قيل لنا لعقود إنه باقٍ إلى الأبد، وانكشفت حقائق كثيرة كانت مخفية خلف سطوة الخوف. رأينا من كان يهدد الناس باسم بشار الأسد، ومن شارك في قمع المظاهرات السلمية، ومن تصرف وكأن سوريا مزرعة خاصة له ولأمثاله. 

ومن كان يسمي الهيلكوبتر التي ترمي البراميل المتفجرة بالعصفورة , الذين كانوا بالأمس جزءاً من منظومة القمع أو من المدافعين عنها، يعيشون اليوم واقعاً مختلفاً تماماً. ففي الأيام الأولى بعد التحرير كان الخوف واضحاً على وجوههم، أما اليوم فقد باتوا يتنقلون بين الناس في الأسواق والشوارع، ويمارسون حياتهم الطبيعية ويتمتعون بالحقوق والضمانات ذاتها التي يتمتع بها سائر المواطنين، رغم ما خلفته تلك الحقبة من جراح لا تزال حاضرة في ذاكرة السوريين.

لقد انتصرنا، واخترنا ألّا نجعل الانتقام أساساً للمستقبل. لكن التسامح لا يعني محو الذاكرة، ولا يعني مساواة الضحية بالجلاد، ولا يعني تجاهل المسؤولية الأخلاقية لمن ساهم في تبرير القتل والقمع والتهجير. فالمسامحة شيء، وإنكار ما جرى شيء آخر.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الصعب: كيف كان سيكون حالنا لو انتصروا هم؟ كيف كانوا سيعاملون من وقف ضدهم أو طالب بالحرية والكرامة؟ الإجابة لا تحتاج إلى كثير من التخمين، فسنوات الاعتقال والتعذيب والتهجير والقتل والإخفاء القسري ما زالت شاهدة على ما كان يمكن أن يكون مصير الملايين.

يجب عليهم أن يفهموا بأن المسامحة لا تعني نسيان ما جرى، ولا تعني طمس المسؤولية الأخلاقية لمن برر القتل والقمع والتهجير. فمن حق الضحايا أن تُحفظ ذاكرتهم، ومن حق المجتمع أن يتذكر من وقف مع الحرية ومن وقف إلى جانب الاستبداد.

قد نستطيع أن نسامح، لكننا لا نملك أن ننسى. فالذاكرة ليست انتقاماً، بل ضمانة بألّا تتكرر المأساة مرة أخرى.

جمعة علي - زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي