أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"خطة إنقاذ" الاقتصاد السوري: كيف تطرد مستثمراً بجرة قلم وتنتظر منه ضخ الدولار؟

من دمشق - الأناضول

لم يعد تدهور سعر صرف الليرة السورية مجرد انعكاس لنقص في الموارد أو عجز في الميزان التجاري فحسب، بل بات اليوم يعكس أزمة أعمق تتجلى في "أزمة ثقة" حادة بين المستثمر والمنظومة المصرفية. إن التآكل المستمر في قيمة العملة، الذي اقترب فيه سعر الصرف من حاجز الـ 15 ألف ليرة للدولار، ليس إلا عرضاً لمرض هيكلي أصاب مفاصل الاقتصاد الوطني نتيجة قرارات ارتجالية طالت القطاع الخاص. 

عندما تُعطل المصارف بيد من يفترض حمايتها
تتعدد أسباب الانهيار، لكن أخطرها على الإطلاق هو استباحة الحسابات المصرفية. إن عمليات "تجميد الحسابات" التي تُمارس دون سند قضائي واضح أو مسوغ قانوني رصين، حولت المصارف من أوعية للادخار والتمويل إلى "مخازن غير آمنة". عندما يغدو وضع المال في البنك خطراً يهدد صاحبه بالحجز، لا خيار أمام التاجر ورجل الأعمال سوى سحب هذه السيولة وتحويلها إلى قطع أجنبي يهرب عبر الحدود أو يُكتنز بعيداً عن القنوات الرسمية. هذا ليس مجرد هروب رؤوس أموال، بل هو "نزيف للكتلة النقدية" يضعف الجهاز المصرفي ويشل قدرته على دفع عجلة الاقتصاد... نعلم أن عدداً كبيراً من مجمدي الحسابات عليهم تهم كسب غير مشروع، لكن المشكلة ليست بالتجميد بحد ذاته، بل بعدم وجود سند قضائي؛ بمعنى لا بد من قرار قضائي لتجميد هذه الأموال وليس قراراً إدارياً مصرفياً. 

استهداف رجال الأعمال: معركة خاسرة ضد الاستثمار
تعرض آلاف رجال الأعمال والمستثمرين لقرارات تتراوح بين وضع اليد على المنشآت، وتجميد الأصول، ومنع السفر. هذه الإجراءات لا تستهدف أشخاصاً بعينهم فحسب، بل توجه رسالة "طرد" مبطنة للاستثمار المحلي قبل الأجنبي. فكيف نطمح لاستعادة رؤوس الأموال المهاجرة، بينما يُعامل المستثمر الوطني بهذه الطريقة؟ ومجدداً نقول: إن كان من داعمي الأسد فذلك يحدده القضاء، والالتزام بقرارات القضاء السوري هو الحد الفاصل بين عقوبات التجميد أو البراءة. هذا المناخ الطارد للاستثمار ضاعف الضغوط على سعر الصرف، وحرم السوق من أي تدفقات رأسمالية قد تساعد في استقراره. 

مثلث الأزمات: الصناعة والرواتب والطلب على الدولار
إلى جانب أزمة الثقة، يعاني الاقتصاد من اختلالات بنيوية ضاغطة:
• الطلب على الدولار: تزداد الضغوط مع بدء عمليات تمويل استيراد القمح وزيادة مستويات الاستيراد، وهو ما يخلق طلباً مستمراً على العملة الصعبة.
• عجز الصناعة الوطنية: تقف الصناعة اليوم عاجزة أمام منافسة المنتجات المستوردة؛ ليس بسبب ضعف الجودة، بل نتيجة تكاليف الإنتاج الباهظة، والضغوط التشغيلية.
• أزمة الأجور: لقد تحولت الرواتب من "حق معيشي" إلى "معضلة اقتصادية". فبينما يطالب العمال بزيادات ملحة لمواجهة التضخم -وهو حق مشروع تعبر عنه إضرابات مصانع القطاع الخاص- تجد المصانع نفسها أمام أعباء إضافية تزيد من تكلفة الإنتاج وتعمق أزمة الصناعة. 

ختاماً.. هل من مخرج؟
إن الاقتصاد لا ينمو بالقرارات الإدارية القسرية ولا بالسطو على أصول المنتج الوطني. الاستقرار النقدي يبدأ من استعادة "سيادة القانون" في القطاع المصرفي، وتوفير بيئة عمل آمنة تحفظ حقوق المستثمرين وتحميهم من التغول الإداري. ما لم يتم ترميم الثقة وبناء جسور شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، سيبقى سعر الصرف رهينة للمخاوف، وستبقى الليرة السورية تدفع ثمن سياسات تحتاج إلى مراجعة جذرية وفورية.
ونقولها للمرة الثالثة في هذا المقال: حولوا من يُشك بتربحه من الأسد أو بالإثراء غير المشروع إلى القضاء، فهو صاحب القرار، وخصوصاً المستثمرين غير السوريين، أما وضع اليد وحجز الأموال دون سند قضائي فهذا يضرب الاقتصاد في مقتل.

هذه المادة تتحدث عن رجال الأعمال أصحاب التاريخ، وليس قادة ميليشيا النظام الذين كنزوا الأموال وتحولوا إلى رجال أعمال محدثين. 

زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي