أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

قطاع الطيران السوري على حافة الهاوية: صرخة من داخل "المؤسسة" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

لماذا يحتضر الناقل الوطني؟

رسالة إلى "زمان الوصل".. 

أكتبُ إليكم هذه الرسالة، ليس من باب التشكيك، بل انطلاقاً من أمانة مهنية حملتها على عاتقي طوال ثلاثين عاماً في قطاع الطيران المدني السوري. إنَّ الناقل الوطني، "المؤسسة السورية للطيران"، لم يعد يواجه أزمات عابرة، بل يقف اليوم أمام خطر وجودي حقيقي يتطلب قرارات إصلاحية جريئة وفورية، بعيداً عن الحلول الترقيعية.

إخفاقات في التخطيط والتشغيل
إنَّ قرار إعادة تشغيل مطار دمشق الدولي عقب الأحداث الأخيرة، رغم أهميته الوطنية، تمَّ دون دراسة اقتصادية أو تشغيلية كافية. لقد فُتح المجال لشركات الطيران منخفضة التكلفة (Low Cost) دون أن يسبق ذلك وضع سياسات تحمي الناقل الوطني، الذي يفتقر حالياً لأدنى مقومات المنافسة أمام أساطيل حديثة وإمكانات تسويقية متفوقة.

فوضى الهيكلية وتضارب المصالح
يجب مراجعة العلاقة الملتبسة بين المؤسسة السورية للطيران والهيئة العامة للطيران المدني. المعايير الدولية تفرض أن تكون سلطة الطيران المدني "جهة تنظيمية ورقابية مستقلة"، لا طرفاً متداخلاً في إدارة المشغل الوطني، منعاً لتضارب المصالح وتغييب الشفافية الذي نعيشه اليوم.

الأمن والسلامة الجوية: في مهب الريح
فنياً، الوضع يثير القلق الشديد؛ فنظام الرادارات يعاني من ضعف في الكفاءة منذ سنوات، مع تزايد الاعتماد على "العنصر البشري" في المراقبة الجوية رغم تعقيدات العمل. كما أن غياب أنظمة الاقتراب الآلي الحديثة في مطاري دمشق وحلب يجعل العمليات معتمدة على الرؤية البصرية في ظروف جوية معينة، ما يضطرنا لتحويل الرحلات وما يتبعه من أعباء مالية وإرباك للمسافرين. إن تطوير المطارات لا يكون بالمهرجانات الإعلامية، بل بتحديث البنية التحتية والملاحة الجوية.

سؤال دون اتهام
هناك تساؤلات ملحة تفرضها الضرورة الوطنية حول العقد المبرم مع شركة "UCC" المشغلة لمطار دمشق الدولي. ما هي تفاصيل هذا العقد؟ وما حجم العوائد التي تدخل خزينة الدولة؟ إنَّ الغموض المحيط بهذه الشراكات، بالإضافة إلى الترهل البيروقراطي والتدخلات الشخصية في إدارة الشركة القابضة السورية للطيران، يعيق أي مسار إصلاحي حقيقي. كما يثير الاستغراب غياب الإفصاح عن المزايا المالية والتعويضات الضخمة لبعض أعضاء مجالس الإدارة، في وقت تعاني فيه المؤسسة من أزمات مالية خانقة.

نزيف الكفاءات: الطيارون في مواجهة الفقر
إنَّ الكارثة الحقيقية تكمن في المساس بالكوادر البشرية؛ فمنذ كانون الأول 2024، تحولت رواتب الطيارين والكوادر الفنية إلى "سلف قابلة للاسترداد" وسط ظروف معيشية قاسية، بينما تستقطب الشركات الإقليمية كفاءاتنا بمزايا أفضل. والأسوأ من ذلك هو سياسة "تطفيش" الكوادر، حيث يُحرم الطيارون من أبسط حقوقهم المهنية، مثل الحصول على وثائق الخبرة وسجلاتهم الوظيفية.

خاتمة من سوري قلبه محروق
إنَّ قطاع الطيران ليس مجرد أرقام ومطارات، بل هو واجهة الدولة وعصب اقتصادها وسلامة مسافريها. هذه الرسالة هي نداء لإيقاظ المؤسسات الرقابية ومجلس الشعب القادم لفتح ملفات الطيران المدني بكل شفافية، ومساءلة القائمين عليه، ووضع خطة إنقاذ حقيقية قبل أن نجد أنفسنا أمام انهيار لا يمكن تداركه.

مع التقدير. 

زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي