أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عفواً أيها الروس !!... د.محمد الأحمد*

أرشيف

لشدما انزعجت عندما سمعت منذ مدة، تصريحاً لمسؤول روسي بأن روسيا لن تساعد لوصول رئيس (سني) ليحكم دمشق!.

وبصراحة حاولت الدخول ملياً في عقل صاحب هذا التصريح، وتساءلت هل يظن حضرته بأن مصلحة السوريين الوطنية، تتحقق عبر هذه المعادلة اللامعقولة، التي تقتضي إيصال حاكم ينتمي لأقلية مذهبية على الدوام فيصبح الأمر أشبه بجعل رجل يصاب بصعق كهربائي بدرجة 220 فولت (نفسي) وهو يتساءل عن السر الكامن، في حرمانه من حقه الدستوري والوطني في الترشح لقيادة البلاد، بشكل عملي؟! ولا نقصد ما ينص عليه الدستور.

في (لعبة الأمم)، كما نعلم مباريات كثيرة، تشبه كل واحدة منها (الموقعة العسكرية)، ولكن اللعبة كما يبدو، قد وضعت لمنطقتنا، قانوناً داخلياً، يجعلنا جميعاً نخضع للصعق الكهربائي.

فأين هي مصلحة السوريين في هذا الكلام؟

أين هي مصلحة السوريين في إبقاء هذا العامل النفسي والوطني سياسة دولية، تخص منطقتنا همها الأول والرئيسي، استنفار أهلنا السنة ليس فقط في سورية، بل في العراق أيضاً، وغير العراق، ليبقوا في حالة شعور بالحصار والظلم واغتصاب الحقوق؟! فيعاد إنتاج الأزمات الوطنية والاجتماعية.

فإن توسعنا في الإجابة على هذا السؤال عملياً سوف نجدها عندما نطالع كل المشهد، وليس المشهد السوري فقط، وهي تتحدد في الترصد العام للمسلمين ككل، وجعلهم رهينة واقع دولي يعتبرهم كـ(البطة السوداء) في هذا العالم الصغير نسبياً، وهم يشكلون تقريباً عشرين بالمئة من سكان الكرة الأرضية. فإذا عرفنا أن (السنة) عملياً هم الإسلام..لأنهم يشكلون تسعين بالمئة من المسلمين نفهم الاستهداف.

إذن إنه استهداف الإسلام نفسه في واقع الأمر، ومن أدوات هذا الاستهداف، تنمية ودعم التطرف والجماعات المتطرفة (سراً) بإشعارها بالمظلومية، والحرب عليها (علناً)، ومن ثم خلق كل الظروف والمؤديات الضرورية للفتن الطائفية والمذهبية في داخل الإسلام نفسه، وبين المسلمين (سنة وشيعة وغيرهم). فهل يأتي تصريح المسؤول الروسي ضمن إطار (لعبة الأمم)؟

إن ما يجعل العقل العربي والمسلم، يجوع عدلاً، ويستفز من نواح عدة في حقيقة الأمر، ليس فقط هذا المشهد الكارثي الذي نتعرض له من خارج حدودنا، بل أيضاً تلك الصورة التي ترسمنا وكأننا، نشبه شخصاً دخل في مباراة (للصفع) بحيث يقوم كل طرف في المباراة بصفع الطرف الآخر، عشر مرات ومن ثم يعطي وجهه لعشر صفعات، إلا أننا من السذاجة بحيث إن (السيد الحكم) في المباراة يدعي دوماً أنه أخطأ العد، وعليه أن يعيده مرة أخرى عندما تقترب الصفعات من العشر؟!

نعم هذا هو المشهد، فنحن نصفع كعرب وكمسلمين، من خارجنا وحتى من داخلنا، ولا يريد الكثيرون منا أن يقروا ويعترفوا أن كل القصة (صفع دام) على وجهنا وعلينا أن نستيقظ.

وإذا عدنا لهذا التصريح (المذهل) للمسؤول الروسي، وعدم القبول برئيس (سني) لسورية، أتساءل (أنا) بالفم الملآن: أين هي مصلحة شعبنا في ذلك؟ لا بل أين هي مصلحة أية أقلية مذهبية في استعداء شقيقتها الكبرى (السنية) في احتكار منصب الدولة الأول؟

فهل يقوم هذا التصريح الروسي على افتراض أن أية شخصية تنتمي للطائفة السنية السورية الكريمة، سوف تعني بالضرورة الابتعاد عن مدنية وعلمانية الحكم؟!

إن الإجابة بنعم عن هذا السؤال تعني بالتأكيد جهلاً حقيقياً بواقع الشعب السوري، ليس فقط لجهة قدرته، لو أعطي الفرصة، على خلق وإدارة البنيان السياسي الوطني دون الوقوع أصلاً في درن المذهبية والطائفية، بل لتاريخ سورية الحديث التي قدمت للبلاد رجالات مثل خالد العظم، وعبدالرحمن الشهبندر، وفوزي القاوقجي، وأكرم الحوراني، وهاشم الأتاسي، وشكري القوتلي .. والقائمة تطول من رجال، قبلوا بصدر رحب أن يكون وزير الأوقاف السوري الأول هو المسيحي (فارس الخوري) ! وأنشؤوا في أول القرن العشرين الجامعة السورية التي خرجت بعد بضعة سنوات أول دفعة من الطبيبات السوريات، وتتالى الأمر في كل صعيد وطني، تم فيه احترام العلم والأخذ به في كل صعيد !

أخيراً توجب القول، بأن ما بدا أو يبدو في هذه المقالة وكأنه حديث طائفي، ليس كذلك، وإنما هو كشف لأمر غير مقبول ليبنى على الأمر مقتضاه، كرد وتفنيد.

لا بل صار من الضروري القول جهاراً نهاراً، إن سورية بأمس الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى وفي بناء دستوري مدني، ينفذ قاعدة (الدين لله والوطن للجميع)، ومبدأ (حياد الدولة تجاه جميع الأديان والمذاهب)، بأمس الحاجة أن يتصدر مشهد الحكم فيها رجل أو سيدة سورية، ينتميان للبيئة السنية. ولا أجد في هذه الصراحة مخالفة للمبدأ العام لنصي هذا بل تكريساً وطنياً له قائماً على مصلحة البلاد والعباد.

*من كتاب "زمان الوصل"
(72)    هل أعجبتك المقالة (57)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي