أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أبو رمانة... د.محمد الأحمد*

من دمشق - أرشيف

لازلت لا أنسى المرحوم (جورج صدقني) في المعهد العالي للعلوم السياسية، وهو يحاضر فينا، ويقول: كان لقب البورجوازية الشامية (جماعة أبو رمانة). وللقارىء –غير السوري– أبو رمانة هو أحد أهم وأفخم أحياء دمشق، حيث سكن فعلاً مقتدرو الشام.

كان الرجل يستمتع وهو يحدثنا عن برجزة حكام ما قبل 1963م، وكيف كانوا، وكيف كان شكل الاستغلال. لكن بعد ذلك بأشهر، سمعت عن (الرفيق صدقني) بذاته، حادثة حصلت معه في السويداء، فلقد تم تكليفه بالذهاب إليها، لشرح الدرس المكرر عن (نصف الكأس المملوء) في زمن ازداد فيه احتجاج الناس – حتى الحزبيين– على فساد المسؤولين (البلا رمانة) وقل فيه الخير بين يدي عباد الله.

وتقول الرواية، إن الرجل تفنن ولقد كان متحدثاً جيداً بلا شك، في شرح أسباب الضنك والشح، لا بل واستحضر مثالاً عن زوجته وهي تذهب للسوق، كيف أن الراتب لا يكفيها لشراء ما يلزم !!.. وكان وقتها عضواً في قيادتين، إحداهما قومية والأخرى قطرية !! فما كان من فلاح شجاع من الحاضرين، إلا أن رفع يده و قال: والله يا رفيق القصة مثل (جماع) –استخدم تعبير جبلي جميل- القطط صايرة (الي فوق يطح و الي تحت يطح )..!

بعد 1970م ازدادت (الأبو رمانات)، في نفس الوقت الذي كانت تبني فيه العشوائيات سراً وخلال الليل ! حتى صرت ترى دمشق الآن معبراً صارخاً – كعمارة – عن واقع الحال !! فأحياء لآكلي الرمان، وأحياء لمن لا يجدون شيئاً يأكلونه، حتى صار من الضروري أن نضع ألف تساؤل عن (العمى المقصود)، من النظام فيما يتعلق ببناء العشوائيات؟

نعم إنه عمى مقصود !

هل تعرفون لماذا لم يقم النظام السياسي حتى بتقليد أصدقائه في دول أوروبا الشرقية، ببناء المدن بشكل مخطط ومهندس –على علات الفكرة– وترك الحبل على الغارب؟؟! أوليس في هذا الأمر تساؤل ذهبي؟

لنذهب إلى حمص مثلاً، تلك المدينة الأم لجميع أبنائها، حيث كانت تحل كل مشاكلها، بالسلم والابتسام..ولنسأل: لماذا تكرست العمارة خلال الخمسين سنة الفائتة، بناء على الاختيار الطائفي والمذهبي؟!.

هنا لابد من القول إن ترك الحبل على الغارب، وبدون أي تخطيط وتنفيذ مراقب من قبل الدولة، وعلى أسس صحية سليمة، ليس فقط لجهة إنشاء أبنية صحية جميلة، محترمة، وترك مساحات تنفس للأطفال..إلخ!، ولكي يتم اختيار السكان على أساس مواطني بشكل طبيعي! .. بينما الذي حصل، أنه تم ترك الناس تعمر المخالفات وفي الليل وكأنها تسرق، وكان الناتج أحياء طائفية ! من جهة وكارثية العمارة من جهة ثانية.

نستنتج أن وزارات الإسكان المتلاحقة، كانت تقصر عن إسكان الشعب، بشكل مخطط، لكي يسكن هو بطريقته. لا بل وعبر دفع قوى ما قبل الدولة –رجال الدين المذهبيون خصوصاً– ممن كان أغلبهم صف ضابط أو نصف متعلم، لإنشاء أحياء ذات ألوان مذهبية، وكان هذا تحت نظر ومرأى النظام السياسي ... وإلا فكيف نفسر هذه المصيبة في بلد يدعي بأنه (تقدمي)..ثم لاحظوا الكارثة التي حصلت فيما بعد، بسبب هذا الأمر.

فإذا عدت لتذكر الأستاذ جورج صدقني وهو يتفنن في تعليمنا عن ظلم وتجبر ، سكان (أبي رمانة) تجاه الفقراء والمعوزين..أقول: سامحك الله يا رجل ! ألم تعلم أنكم في ذاك الوقت، كنتم تقلعون بساتين الرمان، باسم الفقراء لتصنعوا بساتين الموت؟!

*من كتاب "زمان الوصل"
(33)    هل أعجبتك المقالة (27)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي