أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

رسالة إلى عسكري في الجيش.. د.محمد الأحمد*

من إدلب - جيتي

ابني الغالي عمار..

أنت واحد من طلابي الذين أحب، لا تصدق مقدار فرحتي أنني استطعت أن أسمع صوتك! قبل قليل، لقد انتهت هذه المعركة والحمدلله، وأتمنى أن تنتهي هذه الحرب كلها وتنتهي معها عذابات شعبنا ونخلق الأمل !

كم كنت قلقاً عليك ! وكيف لا أنسى وأنت الذي تعتبرني مثل والدك، كيف كنت تقول لي: يا دكتور أنا مقاتل في الجيش منذ تسع سنين، وطالب جامعي، ويؤلمني أن أرى على صفحتك أولئك الذين يقاتلونني ويقاتلون رفاقي؟! والآن أقول لك يا عمار: ممن هم على صفحتي أيضاً من كان زميلاً لك على مقاعد الدراسة، وأنا أحبكم جميعاً، وأعلم يا بني أن ألمي في هذه الحرب قد بلغ مني أشد مبلغ ! ولو أطلعتك على رسائلهم لاندهشت لأنهم يخاطبونني بمثل ما تخاطب وهم مثلك يكرهون الإرهاب الإرهابيين ويريدون القضاء عليه ! أتصدق؟؟!

أتصدق يا عمار أن هناك الكثيرين ممن تظن بأنهم أعداؤك، كانوا رفاقاً لك في الجامعة وأنهم مثلك لم يستطيعوا إنهاء الدراسة بسبب هذه الحرب القذرة؟

أتصدق يا عمار أنهم كانوا يتصلون بي وهم يتظاهرون ضد الجولاني وجماعته ومن يشبهها من قلب إدلب قبل المعركة؟

هل تعلم كيف انقسم شعبنا؟ وكيف أن علينا أن نحاول بكل ضمير صاح، أن نعيد رأب الصدع واستعادة وحدتنا ! هل هذا صعب يا بني؟ هل تظن أنك وأنت الجندي الشجاع الذي أحبه مثل أولادي وكنت أمسك قلبي حتى لا يصيبك مكروه، هل تظن أن على من مثلي أن يسكت على مشهد يرى فيه أبناء جيلكم، ومنهم طلبته وقد انقسموا وتوزع عليهم السلاح وتركوا الدرس إلى جبهات القتال؟! .. ألا ترى معي أن أحد مظاهر الحرب هي هذه الصورة المؤلمة؟

إن "خالد أبو صلاح" أيضاً واحد من طلبتي يا عمار وأنا أحبه مثلما أحبك .. وسأستمر في قول هذا، وقول غيره كصاحب وجدان سوري وطني – لن يتغير – برغم كم الهجاء و الشتم الذي يبادلني به بعض الطرفين، ممن يريدني أن أتكلم لغته وأتشنج مثله، لا بل وأن أحمل السلاح وأنخرط معه.

وكلا الطرفين يقول لي: أنت تساوي الضحية بالجلاد؟! وأنا أعرف الضحية الحقيقية يا عمار ! .. أعرف بأن شعبنا الجريح كله هو الضحية، بشقيه المعارض والمؤيد، وأعرف أن مهمتي في الحياة أن أقول لكليهما ذلك.

طالبي الغالي

لا تعلم مقدار فرحتي بأنك بخير وأني سمعت صوتك هذا الفجر، فجر الجمعة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ! ولأنني أعرف مقدار ثقافتك العالية اسمع رأيي:

إن اللقاء الذي حصل بالأمس بين الرئيسين (بوتين وأردوغان) حقق نتائج متوقعة إلى حد كبير لدى من يدرك أن لعبة حافة الهاوية تنتهي غالباً بلا هاوية، وإلا فأية هاوية وأي لاعبين أولئك؟ لقد رسم الاتفاق حدود كسر العظم بين القوى المتصارعة التي أبقت الحال على ما هو عليه مع بعض التغييرات الميدانية ! على أساس المثل الشعبي (ما يموت الذيب ولا يفنى الغنم) !!

أما الحلقة المفقودة في كل المشهد، فهو أننا كسوريين لم نعِ ذاتنا الجديدة بعد ! ولكن هذه مهمتي أنا وليست مهمتك أنت !! فدوما حاولت أن أشرح للجميع أن مهمة النخب الوطنية هي التشبيك مع بعضها البعض (مؤيدين ومعارضين) من أجل خلق أكثر من نواة وطنية لصنع السلام الوطني ! لذلك تراني هناك أنت وغيرك يا عمار !!

لقد تألمت كثيراً عندما قال لي أحدهم: كنا بالأمس نعزي والد شهيد وجاءت سيرتك حيث استهجن البعض موقفك !! إنهم لا يفهون ما أريد –يا بني– ولعلمك حتى كثير من المعارضين يريدني أن أكون مثله كنسخة فوتوكوبي، لكي يرضي فورة دمه ! فأية فورة دم أرضي يا بني؟ .. والله لن أرضي سوى خالقي، وسأعمل ليل نهار ما دام فيّ نفس، من أجل إيقاف هذه الحرب القذرة و إعطاء السلاح كله لحكومة وطنية ينتخبها شعبنا.

الحمدلله على سلامتك !

*من كتاب "زمان الوصل"
(27)    هل أعجبتك المقالة (23)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي