أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عرسان الخراب.. د.محمد الأحمد*

من ضحايا النظام في إدلب- جيتي

في انتخابات مجلس الشعب الفائتة التي جرت قبل أربع سنوات، كانت لدي سذاجة الاعتقاد بأن السلطة لابد تعلمت بعضاً من درس الحدث الزلزلي السوري، وأنها سوف تصعد عدة درجات على سلم الحرية وتطبق حتى معايير دستورها الجديد..! هذا الظن الذي راودني، بنيته على الاعتقاد بأن الحكمة تأتي (معها معها)، كما يقال في اللهجة السورية، أي مع تدرج الأزمة وسيرورتها، دوناً عن أن أي محلل بسيط للأحداث سوف يعتقد منطقياً بقناعة مفادها أن السلطة تريد ولو بالحد الأدنى أن تقول لشعبها وللعالم: أنا لا أكذب..!

ذهبت في حمص لكي أمارس حقي الانتخابي ودخلت إلى الغرفة المخصصة للاقتراع فرأيت جمهرة من الناس فوق الصندوق، وكأن كل واحد منهم يحمل مكبراً للرؤية و(يبص) فيه..! أعطيت هويتي لرئيس المركز الذي بدأ يسجل اسمي، وفي لحظات تقدمت لي سيدة بقائمة أسماء، فسألتها ما هذا فأجابت هذه الورقة لكي ترميها في الصندوق!! فقرأت الورقة، وكانت قائمة مرشحي السلطة، فأعدتها لها وقلت: أنا أعرف من سأنتخب لا أحتاج نصيحة شكراً، فصاح أحدهم: ولو يا دكتور هذا عرس وطني !

عندما ذكر عبارة (عرس وطني) مر بخاطري كل شريط ذكريات (الأعراس) الوطنية، بحسب مفهوم الأخ (الفرائحي) صاحب الأعراس، وذلك بأن الطبال كان يدق دوماً على رؤوس المحتفلين والدبكة شغالة، إلا أن هذه المرة عام 2016 تم الاستغناء عن الطبال لأن (المدفعية كانت تقوم بهذا الدور)، وهكذا استمر (العرس الوطني)، وهكذا جيء للندوة التشريعية في شارع العابد (بعرسان الخراب)، وكيف لا و(الطبل) مدفعية؟.

فعلى ما يبدو أن  تصرفات السلطة السورية خلال هذه الأعوام الفائتة، تحتاج لنظرية معرفية سياسية جديدة، فلا أحد في الدنيا يستطيع أن يفهم، كيف يمكن لعاقل أن يعمل ضد نفسه!!؟ حيث إنه يرى فقط في القياس العسكري للموقف، أي قياس نتائج استعادة المساحة الأرضية بعد إخلائها من الناس، موتاً أو هرباً، وتهجيراً في شتات الأرض، دوناً عن خسارات البلاد الهائلة وخسارة السيادة الوطنية، نجاحاً وانتصاراً، فهذا لعمري قياس معاد لكل علم السياسة، فهذه (حوران) التي ظنت السلطة بأنها استعادت جغرافيتها، وأقامت فيها الحواجز العسكرية، تقول كل يوم للسلطة: لا ! و باللهجة الحورانية الممتلئة إصراراً على اتباع الحق والحقيقة.

لقد كنا بالفعل نمني النفس، بأن يسقط مع مطر دمشق –القليل نسبياً- بعض الحكمة من السماء، لكي يفهم أصحاب القرار فيها، أن العالم قد تغير، وأن هذه الأجيال الجديدة التي تطلع على ثقافات الأمم وسلوكيات الحضارة والمدنية العالمية، لا يمكن استغباؤها بعد الآن، وأن هذه الدماء التي أريقت، أريقت على صخرة نطح الحقيقة. ويا للأسف فنطح الحقيقة والواقع هذا أخسر السوريين فرصة العمل التدريجي للانتقال لوطن التداول السياسي بدون خطر، فالنطح قابله نطح آخر وحدثت الكارثة التي أزهقت مئات الآلاف من الأرواح وقضت على القوة الاستراتيجية الوطنية بشكل شبه كامل، ولا يمكن اعتبار أعراس السلطة سوى أعراس الخراب.

ما العمل؟
في هذا الربيع هناك استحقاق انتخابي للسلطة التشريعية، فإذا استمر (عرس الخراب) لا بد من خوض بديل استثنائي وطني يؤسس لعمل معارض ذي مضمون مختلف هذه المرة، وهو يتمثل بضرورة القيام بانتخابات للسوريين في المغترب لصنع برلمان وطني بديل يعبر عن هذا الشعب الجريح، وعندما نصل إلى هيئة تشريعية وطنية في المغترب، تستطيع هي استكمال طريق الكفاح الوطني، السوري عبر آلياتها الناظمة، وسيكون الجديد في تشكيلها هو شرعية الاستفتاء والانتخاب الشعبي، وهو الأساس.

عاشت سورية

*أستاذ جامعي - من كتاب زمان الوصل

2020-01-17

لغة خطابية من انتاج حزب البعث نقدر للكاتب الروح الوطنية ولكن حبذا لو يبتعد عن طريقة الخطابة.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي