أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حمْص... د. محمد الأحمد*

من حمص - ارشيف - جيتي

يقول (مصطفى صادق الرافعي) في ( كتاب المساكين): وأنا يابني في خاصة نفسي أكره الحرب و أمقتها لأنها تلوث الحياة بدماء الرجال، ثم لا تغسلها إلا بدموع النساء والأطفال. وأبغضها لأنها تدفن تاريخها الصحيح للمستقبل ولا تترك للحاضر إلا تاريخها المشوه في أعضاء الجرحى.

*****

في عام 2011 كنتُ أدرّس في كلية الحقوق في جامعة البعث، وكنت عندما أعود من الجامعة، أذهب إلى مكتب صناعي تجاري أسسه إخوتي قريب من الجامعة، ولقد كنت أمنّي النفس مثل كثير من أبناء أمتي بعد (ثورة تونس) بأن يأتي الزمن الجديد، فسألني طالب من طلابي عما يحدث في تونس فقلت له في القاعة وأمام كل زملائه:

وضعت تونس في قلبي وفي كبدي
فهل بعد تونس في الأصحاب من أحد؟

وعندما بدأت أحداث درعا وارتكب النظام كل ذاك القدر من الوحشية والغباء في التعاطي مع الحدث ومطالب الناس، ثم انتقل إلى حمص، خشينا أولاً أي (احتراب أهلي)، فحمص حالة سورية خاصة تتعدد فيها الأديان والمذاهب.

وحاولنا جاهدين أن نقوم بدورنا الوطني مع عدد من أبناء المدينة، لكي نجنب المدينة هذا الخطر، بيد أن الحقيقة التي تكشفت فيما بعد أن هناك أمنيين وضعوا خياراتهم في حمص أن يلجؤوا للخيار الطائفي. ولقد علمت بعد عدة سنوات -من شهود عيان- بأن الخطة اقتضت أن يتم بث جماعات في كل أحياء حمص خلال الليل، لكي تطلق النار في كل الاتجاهات وهي تقف على أسطحة المنازل، ثم تمر جماعات أخرى مشتركة بنفس المخطط، لكي تصيح بمكبرات الصوت في حارة بعينها: سوف يأتيكم السنة ليذبحوكم يا ....... ! ويذهبون للحارة الثانية صائحين: ها قد جاء العلويون ليذبحوكم يا ........ ! و لقد استمر هذا الرعب في حمص عدة أشهر.

وكان هذا يحدث في نفس الوقت الذي كان فيه مكتبنا نهاراً، يتحول لمكان للقاء كل رجالات المدينة من كل الأطياف، حيث أطلقنا المبادرة تلو المبادرة لمنع الاحتراب، سواء بسواء مع الكثيرين من عقلاء المدينة الذين حاولوا كل جهد، وكان منا المرحوم منصور الأتاسي الذي رحل منذ أيام في اسطنبول تغمده الله برحمته.

عن نفسي كنت أريد جواباً شافياً، لأعرف هل ما يحصل في حمص – ليلاً - هو نشاط مجموعات عفوية مستفزة ومريضة طائفياً بطبيعتها؟ وعندها سلاح؟ كما يدعي لي (بعض الرسميين) وأنا أحاورهم بأنها مجموعات منفلتة وهم غير قادرين على ضبطها ! حيث كان نشاطها ليليا بعد منتصف الليل والناس قد هجعت..ولقد كنت أريد أن أعرف الحقيقة.

اتصلت برئيس فرع الأمن العسكري، وكان وقتذاك العميد (محمد زمريني) وطلبت موعداً، ثم ذهبت إليه، وقلت له: أنتم لا تدركون حجم الكارثة التي يمكن أن تحصل إذا حصل فلتان أمني في حمص، فحمص ستكون المكان الذي ستبدأ منه حرب طائفية في كل البلاد !! ومهمتك يا سيادة العميد هي الأمن!! وأنا صرت أعرف أن هناك مجموعة من راكبي الموتوسيكل الذين يقومون بمهمة كل ليلة، لتحريض الطوائف على بعضها البعض، لا بل لقد قتلوا شخصاً بالأمس بإطلاق النار عليه، وهو يمشي باتجاه بيته ! ولقد تقصدت وأنا أتحدث إليه أتكلم بلهجة المحتج لأرى تعابير وجهه، وكان لي ما أريد ! ولكن للأسف أقولها وبكل حزن، لقد انتصر هو في مخططه، فيده الوسخة لم تكن وحدها ولقد وجدت من يصفق معها.

ولمن لا يعرف حمص، فلقد استطاعت هذه المدينة عبر تاريخها الطويل على الدوام أن تتجنب الحروب، وذلك عبر ذكاء أهلها وخفة دمهم، ولذلك كانت حمص مصنع الابتسامة السورية، حتى جاء زمن صارت فيه مصنع الدم والدمع، فلقد التقت مصلحة الجلاد مع مصلحة كل مريض طائفي من كل الأطراف!! وعلي هنا أن أعترف للقارئ الكريم أن ماءنا نحن الإطفائيين لم يكفِ الحريق الكبير.

من المهم الآن القول، ونحن نترحم على شهدائنا جميعاً، ونحاول أن نبني سورية الحرة الجديدة، الخالية من الديكتاتورية والاستبداد، ومن كل مرض يعطل مسيرة شعبها، إنه قد ظهر لكل من كان يعتريه الشك، وبعد مرور كل هذا الأسى والخراب على وطننا، أن الطائفية في واقعنا ليست سوى خندق للمستبد والقاتل، ولمن يمارس كل أنواع القهر والظلم، وهي في نفس الوقت خندق لأولئك الذين غدروا مطالب الناس وأحلامها وأهدافها.

وهاهم إخواننا في العراق وهو البلد الأغنى في المنطقة الذي سرقته الطائفية وجوعت شعبه "الطوأفة"، هاهم يطؤونها بالأقدام بعد أن جربوها وجربوا وصفتها، فالطائفة جمع مريض، يشحن نفسه ضد الطوائف الأخرى فلا يسأل من يسرق؟ ولا من يغتصب؟ ولا من يمنع الازدهار؟ فالعين والعقل الطائفيان يبقيان في ترصد مريض، يجعل صاحبه يخسر في تحدي النهضة، لكي يخوض دوماً في معركة العفن، التي لا يربح منها سوى تجار الموت.

عاشت سورية

*أستاذ جامعي سوري - من كتاب "زمان الوصل"
(17)    هل أعجبتك المقالة (16)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي