أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

فيلم "أبناء وآباء".. وجهة نظر*

من الفيلم

لن أدخل في التفاصيل الفنية لفيلم "أبناء وآباء"، فهذا آخر ما يشغل بال النقاد والمعلقين والذين قدم بعضهم انتقادات لاذعة لمخرج الفيلم طلال ديركي، فما يهم الناس هنا هو فكرة الفيلم كما أني لن أعرض رؤيتي للفكرة التي قدمها طلال، وربما أترك ذلك لمقام آخر، ما أريد الحديث عنه في هذه العجالة هو محاولة الرد على بعض الانتقادات رغم أني أحترم كل ما قيل فالفن يحتمل وجهات النظر وليس درسا في الرياضيات.


كل يفهم الفيلم – أي فيلم – وفقا لموقفه السياسي ولثقافته ولبيئته ولباقي العوامل التي تسهم في طريقة فهمه للفن عموما وللسينما بشكل خاص، لذلك قد تبدو كل الأطراف التي شاركت رأيها في فيلم ديركي على حق، فليس المطلوب من المشاهدين أن يروا الفيلم وكأنه حصة دراسية لا تحتمل إلا وجهة نظر المدرس ومن خلفه المنهاج الدراسي، وأعطيكم مثالا من الفيلم ذاته: ففي المشهد الذي يسبح فيه الأطفال في بركة الماء الضيقة لمحت تركيزا من المخرج على هذه اللقطة، وهو تعمد أن يأخذ لقطات لفرح الأطفال وبراءتهم وكأنه يقول إن الأطفال أبرياء من كل هذه الحروب حتى أسامة نفسه، ذلك الطفل الذي حمل السلاح والتحق بالقتال، هو طفل بريء، ورأيت المشهد ذاته من زاوية أخرى تقول إن النظام ضيّق الحياة على الأطفال حتى بات فرحهم ضيقا كضيق بركة الماء هذه، أضرب هذا المثال لأقول إن الشخص نفسه قد يرى في مشهد واحد أكثر من فكرة وقد يقلبه على أكثر من وجه.


الموضوع هنا أكثر انفتاحا على الاحتمالات وفقا للزاوية التي ينظر من خلالها المشاهد إلى الفيلم، قال البعض إن الفيلم يعطي مبررا للنظام وللدول الأوروبية بشن حرب على إدلب حين يصور أن إدلب كلها "جبهة النصرة"، وكأن النظام كان ينتظر هذا الفيلم ليشن حربه على إدلب وغيرها من المدن السورية، وكأن أوروبا لا تعرف عن إدلب أكثر مما يعرف بعض أهلها، فلفرنسا على سبيل المثال قوات في سوريا ولبريطانيا أيضا ولمعظم الدول الأوروبية قواها الاستخباراتية التي يترصد كل التحولات في المنطقة، فلا النظام ولا الأوربيين يحتاجون لشهادات من فيلم ليقرروا من خلاله مخططاتهم وتحولاتهم على الأرض السورية.


وأعترف لكم بأن الكثير من الرسائل جاءتني على "فيسبوك" بعيد كتابتي لمنشور يتعلق بالفيلم وأكاد أجزم بأن جميعها كان يتمحور حول ذات النقطة (إعطاء حجة للنظام).


البعض قدم وجهة نظره تتعلق بفكرة أن الفيلم لم يقدم الأسباب التي أدت بأولئك الناس إلى هذا المصير (التطرف)، ولكن ليس مطلوبا من فيلم واحد أن يجيب على كل الأسئلة المطروحة، كما أنه لا يستطيع إرضاء توق الجميع للكثير من المطالب، وربما يقوم مخرج آخر بالحديث عن موضوع تطرف النظام مثلا، ودوره في تطرف المعارضة، أو دور بعض الدول الإقليمية في تمويل التطرف ورعايته أو دور الاستخبارات الأوروبية في تغذية التطرف لمنع امتداد الثورة إلى بلادهم، وربما يقوم مخرج آخر بتناول خوف رأس المال الأوروبي من الثورة السورية، وكيف غيرت وجهة نظر شعوب العالم بالشعب العربي، من نظرة إلى شعب مستكين ولا تليق به إلا حياة العبودية إلى شعوب ثائرة تطالب بالعدالة والمساواة والحرية الحقيقية، وهذا ما يثير الرعب في نفوس الرأس المال العالمي.


أضرب أمثلة هنا لأؤكد على فكرة أن فيلما واحدا لا يمكنه تقديم الإجابات الشافية على كل ما نريده، علينا أن نشاهد الفيلم كما هو لا كما نريده، أن نحكم عليه كما هو لا كما نريد منه أن يقول حرفيا.


وأعترف أن في الفيلم أخطاء فنية كانت تستحق النقاش أيضا، ولكن أحدا لم يقترب منها، رافعا فكرة الفيلم إلى المقام الأول علما أن أي عمل فني هو كتلة متكاملة، بدءا من الصوت والصورة إلى الموسيقى التصويرية إلى كل عناصر الفيلم الأخرى، ولكننا ما زلنا إلى الآن نصر على وضع فكرة العمل الفني فوق بقية العناصر، اعذروني إن تجاهلت الكثير من (الانتقادات)، فهي برأيي لا تعدو عن كونها ردحا لا علاقة له لا بالفن ولا بالفكر الثوري.

*فؤاد حميرة - من كتاب "زمان الوصل"
(37)    هل أعجبتك المقالة (36)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي