أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أساليب الفساد القضائي في سوريا وآلياته (2-4)

الفساد هو الأساس في المحاكم السورية والعدالة استثناء - جيتي

من غرائب الفساد في الجهاز القضائي السوري، أن هذا الفساد لم يكن عبثياً، بل يشكّل منظومةً تعمل وفق أساليب وآلياتٍ معينة.
وبعد أن أوضحتُ في الحلقة السّابقة من سلسلة الفساد القضائي في سورية حتى انطلاق الثورة السورية واقع الفساد القضائي وأسبابه وعوامله، أُفردُ هذه الحلقة للحديث عن أساليب الفساد وآلياته.

وتتجلى أساليب الفساد القضائي في الرشوة، واستخدام النفوذ والمحسوبيات.

أ- الرشوة: كان القضاة يتقاضون الرِّشى وفق طريقتين نقدية وعينية.
الطريقة النقدية: وهي الأكثر شيوعاً نظراً لسهولة التعامل لتحقيقها أعلى قدر من السّرّيّة والحيطة. وكانت الطريقة المعتادة تتمّ بأن توضع المبالغ المالية في ظرف ٍ ورقيّّ مراعاةً لمشاعر القاضي، ولحسن اللباقة في التعامل، ومن ثمّ تُسلّم له باليد مباشرةً، والجدير ذكره هنا أنه بات من الشائع وجود ظروف ورقية بحوزة كل محامٍ في حمص وغيرها لهذه الغرض وعند الحاجة، والطريف المؤلم في هذا المقام أن بعض القضاة كانوا يتذمرون من عدم وضع مبالغ الرشوة لهم في ظرف ورقي. وكأن المهانة تتحقق لهم من أسلوب دفع الرشوة لا من الرشوة كفعل غير أخلاقي ومجرّم، ولكن بالنتيجة يتلقفون المبلغ دون ممانعة.
الطريقة العينية: وتأخذ شكل هدايا تُقدّم للقاضي كالمصاغ الذهبي لزوجته، أو أثاث منزلي لبيته برادات غسالات أتوماتيك، وتركيب حمّام جاكوزي فاخر في بيته، أو حتى حجز شاليه على البحر للقاضي لقضاء فترة استجمام مع عائلته أو عشيقته.
هذا عدا عن صناديق الفواكه وصفائح الزيتون البلدي وعبوات العسل البلدي حسب المواسم وأيضاً الخمور الأجنبية الفاخرة.
كان الكثير من المحامين حريصين على استغلال أداء هذه الهدايا ولو دون مناسبة، وذلك تحت اسم الهدية من أجل المحافظة على استمرار العلاقة في المستقبل.

ب -استغلال النفوذ والمحسوبيات:
الصورة الشائعة في الواقع العملي تتبدى عندما يكون لأحدِ المحامين دعوى لموكله، منظورة أمام قاضٍ لا تربطه به علاقة تسمح له برشوته، فيلجأ المحامي في هذه الحالة إلى الطلبِ من قاضٍ آخر تربطه به علاقة وثيقة وتعامل رشوي سابق، من أجل التّوسط لدى القاضي الناظر في الدعوى، كي يقوم بفصلها لمصلحة الجهة التي يمثلها المحامي المذكور.
ويتقاضى القاضي الذي فصل الدعوى الرشوة من زميله القاضي الذي بدوره قبضها من المحامي الذي يمثل الجهة صاحبة المصلحة، أو ربما يقوم القاضي بطلب مشابه في قادمات الأيام من القاضي الأول، ويُعرف هذا الأسلوب بخدمة مقابل خدمة.
ويدخل في عداد المحسوبيات، توسّطُ شخصيات عامة في السلطة كضباط الأمن والجيش النافذين والقيادات الحزبية لدى القاضي من أجل الحكم بقضية منظورة لصالح أحد طرفي الدعوى.
وجديرٌ ذكره أن القضاء العسكري شهد الكثير من هذه الحالات، فينصاع بعض القضاة تحت تأثير ضغط الرتبة الأعلى، إذ أن القاضي العسكري يكون برتبة ضابط حسب اختصاصه أو الرغبة في الانتفاع المادي، أو محاباةً للجهة المتدخلة وفي أحسن الأحوال يقرر القاضي النزيه التنحي عن النظر بالدعوى، لينفسح َ المجال لتكليف قاض آخر محله يقوم بتنفيذ رغبات الجهة المتنفذة المتدخلة في الدعوى بعد أن تكون قد أجرت ما يلزم لتكليف القاضي المناسب لها. 

وبالنسبة لآلية تقاضي الرشوة: كان يتم دفع الرشوة وفق آليتين:
1- طريقة مباشرة من قبل وكيل أحد المتخاصمين القاضي مباشرةً وهي أضمن وأيسر الطرق كما سلفَ ذكره، أو يتم دفعها له من قبل أحد طرفي الدعوى إذا كان على علاقة وثيقة به، ولكنّ القضاة في واقع الأمر كانوا يفضّلونَ التعامل مع المحامين وكلاء الخصوم نظراً للثقة المفترضة بينهما كأعضاء أسرة قانونية واحدة، لما يحققه ذلك من سرية وحيطة مفترضتين بالمحامي.
والجدير ذكره فإن الخصم الذي يدفع مباشرةً للقاضي ربما ينقلب مستقبلاً إلى (مفتاح)، حسب درجة الثقة ومدى التعامل، وهذا ما يقودنا إلى الحديث عن الطريق غير المباشر لتقاضي الرشوة وهو: 
1 - المفتاح كان القضاة المرتشون حريصينَ على التقليل ما أمكن من منافذ تقاضي الرشى، وحصر ذلك بشخص واحد أو أكثر لكنهم مخلصون وموثوقون بهدف الحفاظ على أقصى موجبات السرية والابتعاد عن الشكوك والتقولات من الوسط العملي في القصر العدلي ومن الجهات الرقابية القضائية المختصة. 
والجدير ذكره أن هذا الشخص كان مصطلحا على تسميته (المفتاح).
ولكل قاضٍ مفتاح ولكل مفتاح رقم سري لا يفتح إلا بدفعه المبلغ، والمفتاح ربما يكون كاتب المحكمة أو آذنها أو محاميا، أو أحد المتخاصمين الذين تربطهم بالقاضي علاقة شخصية وثيقة كقرابة أو صداقة أو زمالة.

زاوية قانونية - المحامي سليمان النحيلي - من كتاب زمان الوصل
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي