تتكشف يوماً بعد يوم تفاصيل أعمق حول الحادثة الغامضة لانفجار "الرحبة العسكرية 633" التابعة لجيش النظام السوري عام 2019، لتضع شركة "زنوبيا لصناعة السيراميك والغرانيت" في مواجهة مباشرة مع اتهامات ثقيلة تتجاوز مجرد الإهمال الإداري إلى التواطؤ اللوجستي الممنهج.
الوثائق الرسمية تعيد صياغة رواية الكارثة، لتكشف كيف تحولت آليات هذه الشركة المدنية إلى ذراع ممتد للنظام في التعامل مع ترسانة الأسلحة المصادرة، مضحية بأرواح عمالها المدنيين في سبيل هذه الشراكة.
تاريخ العملية: يوم الإثنين الأسود
وفقاً لـتقرير الشرطة العسكرية حول احتراق سيارة نقل تابعة للشركة، الصادر عن قسم الشرطة العسكرية في القطيفة، فإن العملية نُفذت صباح يوم الإثنين الموافق 6 مايو (أيار) 2019. في هذا التاريخ، لم تكن الشاحنة تنقل مواد بناء أو شحنات تجارية، بل كانت جزءاً من جدول أعمال عسكري يومي وُزعت مهامه في اجتماع صباحي لقيادة الرحبة 633.
التواطؤ في نقل "الذخائر المصادرة من الثوار"
تُشير التحقيقات الرسمية صراحة إلى طبيعة الشحنة التي تطوعت شركة "زنوبيا" بنقلها بواسطة شاحنتها المرسيدس الأكتروس (رقم 109642/ريف دمشق):
• شحن غنائم الحرب والذخائر الملتقطة: لم تكن الشاحنة تنقل ذخائر نظامية مستقرة خرجت للتو من المصانع، بل كانت الشحنة عبارة عن ذخائر صودرت وجمعتها الأفرع الأمنية التابعة للنظام من الثوار في مختلف أنحاء القطر.
• المخاطرة بذخائر غير آمنة: أقر النقيب المهندس الحربي وليد علي موعي في إفادته بأن هذه الذخائر المصادرة (والتي شملت قذائف صاروخية من أنواع بي جي 15 وبي جي 9 وبي جي 7) كانت "أغلبها غير جاهزة للاستخدام" وتخضع لعمليات فرز وتصنيف عشوائية داخل المخازن.
ومع ذلك، قبلت الشركة أن تكون شريكاً لوجستياً في نقل هذه الترسانة الخطرة والمتهالكة من المخزن الأول بالرحبة إلى المستودع العسكري 401/1 في القسطل لصالح الجيش والقوات المسلحة.
كيف أقحمت الشركة موظفيها في حقل الألغام؟
الاتهام الأبرز الذي يلاحق إدارة شركة "زنوبيا" (التي تملك رأسمالاً ضخماً يبلغ 2.35 مليار ليرة سورية ومصانع في الكسوة وعدرا) هو الكيفية الاستبدادية التي أقحمت بها كادرها المدني في عمليات عسكرية بحتة:
• تجاوز العقود العمالية: أصدرت إدارة الشركة أوامر مباشرة ونقلت سائقها المدني "عمار جاسم المرار" من بيئة العمل الصناعية الآمنة في نقل السيراميك، إلى عمق ثكنة عسكرية تُفرز فيها الصواريخ والمتفجرات.
• الترك تحت جحيم الانفجارات: أُجبر السائق المدني على البقاء بجانب الشاحنة داخل الرحبة أثناء قيام العناصر العسكرية بتحميل القذائف الصاروخية وشد حبالها وتربيطها. وعندما انهار الموقع نتيجة انفجار تلقائي لـ "حشوة جوفاء" وتوالت الانفجارات على مدار 9 ساعات، عجز السائق عن إخلاء الآلية المحاصرة بالنيران والقذائف المتساقطة، لينجو بنفسه في معجزة، بينما احترقت شاحنته بالكامل ومُحيت معها كافة وثائقه الشخصية وهويته.
جشع إداري: النحيب على "الحديد" وتجاهل "البشر"
تؤكد المراسلات الداخلية للشركة (الكتاب رقم 1458 الصادر بتاريخ 2 يونيو 2019) المؤشرات الانتهازية لإدارتها؛ فحتى بعد علمها بزج السائق في هذا الخطر واحتراق أوراقه، ركّز المدير الإداري والمدير التنفيذي على الإجراءات المالية والقانونية. إذ سارعت الإدارة بتوجيه الشؤون القانونية لرفع دعوى قضائية للمطالبة بالتعويض عن الشاحنة المحترقة، متناسية أنها هي من أعطت الضوء الأخضر لإقحام آلياتها وموظفيها في خدمة المنظومة العسكرية للنظام ومشاركتها اللوجستية في نقل مخلفات المعارك وصواريخها.
تفتح هذه القضية الباب أمام تساؤلات حقوقية واقتصادية كبرى؛ فإذا كانت الوثائق قد كشفت هذه الحادثة بسبب الانفجار فحسب، فكم عملية مماثلة قامت بها الشركة على امتداد سنوات الثورة؟ ومن هي المؤسسات الأخرى في القطاع الصناعي الخاص التي تورطت في تقديم غطاء مدني لتحركات عسكرية خطرة؟
الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية