أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

رواية(خط نار ممتد) الفصل 1-2-3.... محمد محمد السنباطي

 

(الجائزة الأولى من نادي القصة بالقاهرة عام 1997 )

الفصل الأول

نهاية أم بداية ؟!


كأنه لا يدرك مرور الأيام إلا بعد مرورها0 نظر في ساعته ، وكان خلعها من معصمه ووضعها أمامه على الطاولة، ثم أعاد وجهه إلى ورقة الإجابة والقلم يكتب 0 الزمن يسابقه أم هو الذي يفعل ؟ لن تمر الدقائق إلا وقد طوت السنوات الأربع الجامعية بكل ما فيها من حلو ومر ،و عناء وغربة 0 غادر الصالة قبل زملائه 0 مسحت نظراتهم ظهر قميصه ثم عادوا إلى أوراقهم 0 سينتظر ليودعهم 0 ملأ صدره الهواء عندما انفتح المشهد على حديقة الكلية، وتمايلت أزهار الصيف تحت ظل شجرة عتيقة 0 بعض الطلبة من الصفوف الأخرى تناثروا على العشب0 إحدى الطالبات مددت للشمس ساقيها العاريتين ،وأخرى تلتهم بسكويتا تتبعه برشفة بيبسي 0 مسح المكان بعينيه كأنما يراه لأول مرة 0ألا يدرك جمال الأشياء إلا وهو يغادرها إلى غياب سيطول ؟
- قضينا فيك أعواماً لا بأس بها 0
ابتدأ العناق لدي نزول باقي الزملاء 0 قال للشاب الذي تتدلى من عنقه سلسلة ذهبية ، ويصل شعر رأسه إلى كتفيه: كلمة واحدة في الترجمة وقفت في طريقي ولكني خمنتها 0
دارت عيناه تبحثان 0 لعلها تظهر الآن ! لكن وجه غريمه مجاهد، ابن قريته، هو الذي ظهر . يبتسم في ثقة ، ومن خلفه بخطوة واحدة لمح زينات 0 تتناثر الثواني تحت الأقدام حتى يكاد الزمن يتلاشى 0 تنعدم الخطوة حتى يغيب المكان 0 لكأنما خرجا معاً أو خرجا على موعد 0 من منهما وراء هذا التقارب الذي يوشك على التطابق ؟ هما في قسم التاريخ 00 معاً 00 أما أنت فتحس بالزهو لأنك في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها 00 يتملكك الكبر لصعوبة ما تدرس ولأن مستقبلك سيكون - ربما - أفضل !
صافحها بعينيه مكتفيا لأنها قليلاً ما تمد يدها في المصافحة ؛ بل تكتفي بإيماءة وبظل ابتسامة 0 ماذا يحدث الآن ؟ هل تمشي الأشجار وتغادر الحدائق ؟ هل يأتي البحر إلى هنا ويستعرض خلجانه وجزره المشمسه؟ إن زينات هي التي تضع يدها في يد مجاهد ووجها كالعدسة تصور وجهه0 ربما تسأله عما فعل أو كيف أجاب على سؤال بعينه 0 هل عيناها سقطتا كعصفورتين في فخ صدره ما بين الشعرات المتمردات إذ تعمد نسيان الزرار الأعلى مفتوحا ؟
- شكسبير ظهر يا زينات !

نادتها إحدى صديقاتها فتركتهما وجها لوجه ، وقصدتها بعد أن استأذنت تاركة بسمتها في وجهيهما 0 لو كان المكان يتحول إلى حلبة ملاكمة ليخرج كلاهما ما يخبئ من " محبة " لصاحبه ! لا تحاول فإنها لي ولن تصل إليها إلا على أنقاضي 0 طالعها تبتعد مع زميلتها محتشمة في زيها رغم أن الموضة هي القصير 0 يتماوج شعرها تحت الشمس ، تذوب خيوطه في بحر الشعاع ، أم إن الشعاع يسكر بهذه الخيوط وينتشي؟ يحمل لها عبد المنصف صوراً خمرية ،في صدرها برعمان يتطلعان إلى الطيران ، برعمان على غصن شائك لا تستطيع اليد أن تمتد إليهما لتلمس 00 فما بالك إذا قلنا : لتقطف ؟ ربما يكون خصرها مغرقا في النحول ؛ لكنه يحمل في انسجام تام كل هاتيك المفاتن 0 أما خطواتها فأين تعلمت هذه الريفية تلك الخطى ؟ كأنما على بساط روحي تخطو 00 أو كما يخطو الحمام على سطح منزلنا 0 لو يسطيع أن يذيبها في فنجان شاي ويشربها بدلاً من السكر ؟ 0 يا زينات يا حبة القلب : أنا الذي أفهم جمالك أكثر من مجاهد 0 لن تكوني أول فتاة يعرفها 0 وإذا أصبحت له فإن جسدك الطاهر لن يكون جديداً عليه فقد سبق له التعرف على أجساد كثيرة 0 ألم تصلك الإشاعات ؟ أما أنا فسأجعل من كل جزء من أجزاء جسدك محرابا أتعبد فيه 0 حتى أنفك سأشرب هواءه 0 يا لقدميك الجميلتين ! ستقفين أمامي على مكتبي وسأنقر على أصابعهما كما على آلة كاتبة لكي أسطر بهما أحلى كلام 0 وأصابعي ستكتب على كل نبعة ضوء في بدنك حرفا ناطقا بالعشق 0 وعندما كنا في السنة الأولى - لا أنسى بل أشعر بالندم - وإن مكان الجرح 00 أعني مكان العملية فسأرف عليه رفيفا بشفاهي كل ليلة لأعتذر لك عن تقاعسي عن الزيارة 0 كل الزملاء عادوك أثناء العملية ووقفوا إلى جوار سريرك في مستشفى الجامعة إلا أنني جبان ! علمت أنك سيجرى لك جراحة 0 ثم علمت أن الجراحة قد أجريت وانك ستخرجين في اليوم التالي 0 ثم علمت أنك قد خرجت وعدت إلى المدينة الجامعية بالشاطبي 0 علمت وعلمت ولم أتحرك كأنني صنم 0 السيول والفياضانات والزلازل والبراكين ثارت وضجت داخلي ولم أتحرك 0 رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على ذلك إلا أنني ما زلت أتألم كلما خطر في بالي تقاعسي ولم أجد له تبريرا فهل كنت أخشى أن يقال إنني أحبك ؟! الجميع ذهبوا إلا أنا 0 هممت كثيراً ولم أنهض وقلت : ماذا سأحمل لها من هدايا ؟ إن كنوز العالم تتضاءل أمام حبي لها 0 وإذا زادت الهيدية عن المعتاد أثارت التساؤلات 0 ثم صار ما أطلقت عليه ما قبل العملية وما بعد العملية في علاقتي العاطفية !
أما قبل فقد كنت تتحدثين معي بعينيك الضاحكتين 0 كانتا تقولان لي :" أعرف اهتمامك بي 0 مشاعرك البرعمية تستهويني 0 أعرف أنك لا تترك قسمك وتأتي قسم التاريخ إلا من أجلي " 0 كانت بسمتك في وجهي تنثر حولي الفراشات الملونة المشحونة أجنحتها بالشمس ، وكلماتك على قلتها تزرع في وجداني قوس قزح 0
أما بعد وعندما التقينا على سلم الكلية ، كنت نازلاً وأنت طالعة 0 اهتز كياني واختلط توازني 0 نظراتك الصافية كانت أشواكاً عاتبتني وذبحت تقاعسي 0 عندما قلت لك : حمدا لله على السلامة لم تزد الإجابة عن شكرا 0 كلمة واحدة باهته كابية لاسعة لاذعة 0 شكرا0 فراشة واحدة هي التي طارت من بين الشفتين 0 تمنيت في تلك اللحظة أن أخسر عمري ولا أخسرك0 ألست تفهمين ؟ ألا يمكن أن تجدي لي عذراً ؟!
ومر الزمان000
ومسح بكفه الحنون على هذه الغلطة التي لاتغتفر لعبد المنصف ونسيت زينات لأن بعض فراشات الشمس عادت تنطلق مع بسماتها وتحوم حول الفتى 0 وفي اللقاءات المتباعدة العفوية في أرجاء الكلية كان يلمح ما يريد من إمارات ودلائل على اهتمامها به وتقبلها إياه 0 ومن يدري ؟!
- انظر0 إنه الحاج شعبان !


أشواق العودة

جاء والد زينات ليعود بابنته . إلى جانبه الفلاح صابر يتبدى الآن في ملابس الشياكة شيئا آخر 0 تقدم عبدالمنصف ومجاهد نحو العم شعبان فتهللت أساريره إذ رآهما 0 احتواهما في حضنه معاً ، دفعة واحدة!. عرض عليهما خدماته وهو يمد يده ليخرج حافظة نقوده المشدودة إلى الصديري بسلسلة متينة فشكروه 0 يتحرك كالسفينة وهو يعيد ترتيب العباءة الخفيفة على جسمه الذي امتلأ 0 ابنته عن يمينه كقطة تأخرت عنه خطوتين 0 يحمل صابر الحقيبة ويهرول تحتها يكاد يتعثر في جلبابه الجديد وحذاء ينتعله لأول مرة 0 استقلوا سيارة أجرة إلى محطة سيدي جابر 0 لحق بهما الشابان والقطار يتحرك . صعدا إلى نفس العربة 0 نظر كل منهما إلى رفيقه على أنه متطفل 0 لم يجد أحدهما كرسيا خاليا . دارت الأعين تبحث عن الحاج شعبان ومن معه بين المسافرين0 لكن العين وقعت على صديق قديم: عبد العزيز موافي ؟! عاش من شافك !!
أفسح عبد العزيز مكانا لعبد المنصف انحشر فيه بعد أن تعانقا 00
- أما زلت في الخدمة العسكرية يا صديقي ؟
- كما ترى ! وهل يخرج منها من يدخلها ؟. وتتحرك رأسه كالرادار تحاول التقاط صورة لطائرة تشق فضاء الروح كشبح!
- الحاج شعبان المرسي هو وابنته 00 زميلتنا ؟
- صحيح ؟
يريد - لأنه لا يستطيع التحدث معها - أن يتحدث عنها على الأقل ، لكن صديقه لا يجاريه بل جذبه إلى مدار اهتمامه
- أليس ثمة أخبار عن حرب قادمة ؟

مد بصره إليها متخطيا الطواقي والرؤوس والأكتاف . ألقى عينه على جانب وجهها من بعد 0 ثبت نظراته والتقط لها صورة بروفيل ستدوم طويلا في ذاكرته 0 لك وحشة يا عبد العزيز 0 من زمان وأنا أتلهف لرؤيتك 0
- نحن في شغل شاغل 0 أربعة أعوام مرت وأنا في البحرية لا أدري متى أخرج 0 ولن أخرج إلا بعد إخراجهم 0 جيشنا يختلف تماما عن ذي قبل 0 طبعا0 معظم المجندين من حملة المؤهلات العليا والمتوسطة 0 أنت في الليسانس ؟ إذن استعد يا بطل للانضمام إلى الصفوف 0 أتى دورك !
وسألهما الراكب الثالث على المقعد عن إشاعة مفادها أوامر عليا موجهة إلى رؤساء الجامعات وعمداء الكليات بأن لايرسب أي طالب في البكلوريوس أو الليسانس لأن الجيش في احتياج لأكبر عدد ممكن من الخريجين 0
- الجيش فيه ما يكفيه ثم إن هذا العام عام الحسم .
صعد الصهد إلى صدره 0 هل سيدخل الجيش ويتركها لغريمه أم غريمه هو الآخر داخل ؟ . أفاق على جلبة إنزال الحقائب من على الرفوف 0 اقترب القطار من محطة 0 الركاب الذين يقبعون على الأرفف يزدادون 0 أرجلهم مدلة تفوح من أحذيتهم فيضانات. عندما إنتبه شعر بغثيان ؟ نزل ركاب ليبتلع القطار غيرهم 0 على الرصيف وقف عبد العزيز منتظرا لكن صديقه في شغل شاغل؛ عيناه تتسابقان بحثا عن وجه بعينه 0 لا مجال للشك أنها نزلت، وأنها هنا على الرصيف ما تزال، وأنه سيفوز برؤيتها 00 لقد رآهم !
بجوار والدها لمح مجاهد بقامته الممشوقة وخطواته الرياضية أما هي ففي يسار والدها تأخرت خطوة واحدة بينما تتمايل الحقيبة الثقيلة على كتف صابر 0 غادروا المحطة ذات المبنى العتيق والأشجار التي تمرح فيها العصافير 0 ساروا في شوارع البندر قاصدين موقف الكارتات ليأخذوا إحداها إلى قريتهم 0
- من عليه الدور يا رجال ؟
كان الحوذي ممددا ساقيه النحيلتين ،الخاليتين من الشعر،في الشمس بينما رأسه في ظل حائط ،وأشار إلى عربة كان حصانها منهمكا في البحث دون جدوى عن حبة فول في التبن فنفخه بمنخاره،. لاحظ أن عبد المعين لم ينزع الشكيمة الحديد من حنك الحصان وهو يأكل بل ترك أضراسه تحتك بها بينما استلقى بعيدا يلوك رغيفا لواه على بضع طعميات باردة وأعواد فجل غير مغسولة وهو مغمض العينين في استرخاء وبلادة وعته 0 صعد الحاج شعبان ثم ابنته ثم صابر 0 هؤلاء في ناحية ومعهم حقيبتان وفي الناحية الأخرى عبد المنصف وعبد العزيز وحقيبتان وشاب أكبر منهما في ملابس عسكرية يدعى محمد بدوي . انهض يا عبد المعين ! هل نعست ؟
- العدد لم يكتمل بعد 0
ودفس بقية الرغيف في فمه محركاً حاجبيه ليغيظ صابر الذي أكد له : كامل يا لطخ !
- ناقص أربعة 0
- عندك أربع حقائب0 لك على كل شنطة أجرة نفر 0 مبسوط 0؟
كبس الطاقية في رأسه ونهض 0 نفض التراب عن هدومه فكأنما تمرغ حمار 0 رفع غلق التبن من أمام الحصان ولكمه في أسنانه 0 رفع السوط وهوى على ظهره المقروح فانتفض من المباغته فصرخ فيه : هِس !! يا بتاع الكلب ! توقف الحصان جامدا إلى أن صعد وجلس على الدكة الأمامية ثم لسعه : شيه يا بتاع الكلب !
هب الهواء من يم الحقول فتمتم الحاج شعبان :الطراوة حلوة يا أولاد !
وعلى امتداد الطريق كانت شمس الفتى أمامه فهل يستطيع أن يحدق في وجهها ؟ تذكر اللورد بايرون الذي قال : الشمس والموت لا يمكنك أن تحدق فيهما دون أن تدمع عيناك 0 ليتها تتحدث ولاتكف عن الحديث حتى أظل مرتشفا عسل كلامها 0 وكيف يحدق في الشمس وأبوها إلى جوارها يكشفه ؟ اكتفى بالكلام مع غريمه ولعلها تتابع 0 لمح جنودا في منطقة عسكرية ينشرون غسيلهم على الأسلاك 0 بعضهم في مواقعهم خلف مدافعهم يبدون بعيدا كأشباح في زي مموه 0 حياتهم شاقة ! نحن لم نحارب في 67 0 لقد أدخلنا حربا ولم نحارب 0ثم00 هل أرواح الشباب كأرواح الذباب في بلادنا ؟
- ابتسم يا أخي فالانسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف كيف يبتسم! 0
لماذا لا تدخل الحمامة في الحوار ؟ غردي أو فنوحي ! أي شيء منك سوف يسعدني 0 الإتحاد السوفيتي هو الذي ورطنا 00
- حرام عليك يا بني 0 إنه هو الذي يمدنا بالسلاح
انضم مجاهد إليهما : كلاكما على حق يا عم شعبان 0 قبل الحرب بفترة بسيطة قام الاتحاد السوفيتي بتحذير مصر من هجوم اسرائيلي موشك على سوريا،ولم تكن هناك حشود ، وشربنا المقلب وتحرك الجيش إلى سيناء، وأغلقنا المضايق التي تتحكم في الوصول إلى إيلات ،وطلبنا من الأمم المتحدة سحب قوات الطوارئ الدولية 00 الحمامة تكمل حديث زميلها في قسم التاريخ :
- وانفلت زمام الأحداث 00
رأى عبد المنصف أن هذه اللعبة لا يجيدها هو ولم يتدرب عليها 0 لو كان الحديث عن شيلي أو كولردج لما تحدث غيره ! 0قال عبد العزيز :
- لا تنسوا أننا أغرقنا المدمرة إيلات 00
- ومعركة رأس العش ؟ أسمعتم عنها ؟
سألها والدها : هل كانت قبل إغراق المدمرة أم بعد ؟
تناثرت ضحكتها في الحقول : هذا سؤال صعب يا أبي !. أهدابها في الشمس تسحره. ستسكن الشمس خديها وتشرق منهما.
قال بدوي : أنا أقول لكم لأنني عشتها 00 إن لم تخنّي الذاكرة 00 حدثت في الساعات الأولى من صباح أول يوليو 67 أن تقدمت قوة مدرعة اسرائيلية من الجنوب لاحتلال بور فؤاد في الشمال 0 ومن الذي تصدى لهم ؟ فصيلة من قواتنا المصرية 0 وحوش 0
ارتفع صوت صابر مقاطعاً : يا جماعة 0 صلوا على الذي سيشفع فيكم 0 أنا صحيح فلاح ولكني أحس وأشوف 0 الأرض التي كانت تزرع البرسيم والقطن والذرة صارت تزرع طيارات ومدافع 0 من كان يصدق أن أرض أولاد عمر تتحول إلى قاعدة عسكرية ؟ كنا نسهر هنا ونشوي كيزان الذرة ونصنع الشاي على الراكية فصار المكان غير المكان وممنوع الاقتراب والتصوير 0 حلت دانات المدافع محل الكيزان الخضراء 0 كل هذا والناس يقولون : لن نحارب ؟ إزاي ؟ حرام عليكم ! ويلسع عبد المعين الحصان على ظهره وقوائمه بلا توقف وكأنما ليتسلى دافعاً الوخم عن عينيه العمشاوين 0 سأله صابر :
- أعطيك جنيها لو قلت لي لماذا تضربه 0 الله يهد حيلك يا بعيد !
قال الحاج شعبان : أسمعتم عن الأستاذ فؤاد خضر ؟ لقد استدعوه إلى الخدمة العسكرية وعمره ثلاثون إلا بضعة أيام .
- معقول ؟ ربما كان معه إعفاء مؤقت .
- بل إعفاء تام نهائي 0 تم إلغاؤه !
- كأسٌ تدور يا جماعة !

تهديد بالغرق

انتبهوا فجأة على عربة قادمة من ناحية القرية وكان المصرف يتحدى العربتين اللتين انحرفتا في اتجاهين مختلفين منعا للصدام 0 حاول الحوذي الفرملة بجذب الحصان حتى كاد فمه يتفسخ ، لكن الحصان الذي تعود على القسوة تبلدت استجاباته 0 ساخت إحدى العجلات في كتف المصرف فمالت الكارتة ، وأقعى الحيوان على خلفيتيه والضرب لم يتوقف 0 قفز بدوي وعبد العزيز وأمسكا بتلابيب العربة كي لا تسقط في الماء إلا أن زينات التي لم تتشبث بمقعدها جيدا ارتمت على أبيها صارخة وقد حل الليمون محل الخوخ الناضج في وجنتيها 0 انخلع قلب عبد المنصف ولم يدر ماذا يفعل 0 أينزل أم يظل ؟ وهل يسألها عن حالها ؟ كل الزملاء زاروها في المستشفى قديما إلا هو !!
تمكن الرجال من السيطرة على الموقف، وظل الحاج شعبان يربت على كتف ابنته ليعيد لها لونها المخطوف 0 الحوذي لا يفعل سوى ضرب الحيوان ورفسه بغباوة 0 نجونا من أهوال معارك فهل نهلك في مصرف قريتنا ؟ نشفت دمنا الله ينشف دمك !
أشعل بدوي سيجارة بعد أن عزم على الآخرين 0 نعود إلى حديثنا ، يقول بدوي0 مما أذكره جيدا ما حدث في صيف 69 ( إنه يشدهم إلى سماعه شدا) . كأنما حدث البارحة 0 الصوت أمام عيني وأنا أحدثكم الآن 0 يخرب بيت شكلك ياعبد المعين 0 خف شوية خليني أعرف أتكلم 0 تم استدعاء كتائب المدفعية إلى مدينة السويس واحتلال مراكز ملاحظة متقدمة لخدمة هذه الكتائب. كنت أعمل مراقب استطلاع وأتخذ موقعي في بناية مهجورة مطلة على كورنيش بورتوفيق حيث أزحنا طوبة أو طوبتين متجاورتين في جدار إحدى الغرف كي أطل من هذه الفتحة الصغيرة فأرى أمامي إحدى النقاط الحصينة في لسان بور توفيق 0 عرض اللسان حوالي مئة متر 0 به دبابات رابضة في مواقعها المموهة وعربات مجنزرة وخلافه ؛ وكنت أقوم بإبلاغ ما أراه أمامي لحظة بلحظة للقيادة 0 يخرب بيتك كفاية ضرب في الحصان بأه 0
بدأت قواتنا تتعامل مع العدو حيث تفتح مدفعيتنا نيرانها يوميا في الساعة الرابعة عصر كل يوم0 بالثانية 0 الموعد ثابت تماما 0 وكان العدو يرد بنيران الدبابات والمدفعية بينما يحتمي جنوده في مواقع حصينة 0 وهكذا تعود العدو أننا نضرب في الساعة الرابعة فكان أفراده قبل الموعد بدقائق يستخفون عن الأنظار 0
توقف بدوي حتى استعاد كل العيون فتعلقت به ، ثم أكمل : استمر الحال هكذا حوالي عشرين يوما حتى جاء اليوم الموعود 0 وفي نفس التوقيت المعتاد حيث يختبئ جنود العدو مطمئنين تحركت قوات الصاعقة المصرية !
- الله أكبر !
- رأيتهم وراءنا في الشارع الخلفي يتقدمون بأسلحتهم وأجهزتهم وأمامهم قوات المهندسين لفتح الثغرات 0 كل هذا والعدو داخل حصونه كما تعود أن يفعل 0 ومن مكاني في الحجرة إياها رأيت الزوارق المطاطية تنزلق من القناة فدق قلبي وقلت : ربنا معهم 0 وفجأة انبثق أحد جنود العدو من إحدى الدبابات ووجه نيران رشاشه إلى القوات المصرية في القناة ، وكان بعض هذه القوات قد عبر بالفعل ولم يمض وقت طويل حتى كان هذا الجندي ومعه زميل له قد اقتيدا إلى الضفة الغربية أسيرين 0 وفي نفس الوقت كان جنود الصاعقة هناك يدقون على أبواب الحصون في حماس ويلقون قاذفات اللهب 0 وفوق أحد المواقع سيرفرف علم مصر ساعة أو ساعتين 0
- وماذا كان رد الفعل ؟
- يا أخي 00 مهما اشتعلت النيران في بترولنا أو في بيوتنا فيكفي أن النار التي في صدورنا تنطفئ إلى حين 0 يا سبحان الله ! كدنا نغرق في المصرف !

وظهرت القرية النائمة بيوتها وسط الشجر 0 قال العم شعبان :
- لا تأخذ منهم أجرة يا عبد المعين 0 سأدفع أنا
وصمم ودفع 0 أهم ما في الموضوع أن عبد المنصف وضع يده في يد زينات وصافحها0 ترى متى سيحظى ثانية بمثل هذه الهبة ؟!


قريتنا!!

قد لا يكون منطقيا أن تصل إلى قريتنا عبر طرقاتها غير المسفلتة سيارات خاصة حديثة قادمة من بعيد ، يود أصحابها مقابلة أناس من بلدنا ذائعي الصيت يمتلكون - يقال - قوى خفية تفعل الأعاجيب 0 وما أن تصل سيارة غريبة إلى بداية القنطرة حتى يهرع السماسرة وفي دهاء يسألون الغريب عمن يريد فينطق اسم واحد من هؤلاء السحرة المخاوين فيقول السمسار : نعم الاختيار 0 ثم يسأله : أسبق لك معرفته ؟ فإن كانت الإجابة بالنفي اصطاده إلى حيث يريد هو 0 فنانون وفنانات ونجوم مجتمع فضلا عن أثرياء من الخليج 0 وأهل القرية يوقنون أن أبطالهم دجالون بل ويقاطعونهم فلا يذهبون إليهم في حل مشاكلهم المشابهة 0 ابتسم بسام البشراوي - ونادرا ما يبتسم - مفسرا إعراض أهل القرية عنه وعن أمثاله : لا تواجههم مشاكل ببركة وجودنا بينهم 0 إنهم محصنون بنا ولكن لا يعترفون 0 أما العجوز فله تفسير آخر : لا يطرب المطرب أهل بلده 0 وكان البحر فقيرا معدما قبل أن يذيع صيته إلا أن الفيلا التي أنشأها وأحاطها بحديقة مربعها أكثر من فدان لها دلالاتها ، يصحو الآن من النوم عند أذان الظهر 0 يفتح عينيه مطلا على القرية من خلال القبة التي بناها فوق الفيلا ثم يرمق الحشد المنتظر من الغرباء الجالسين على دكة خشبة تحت تكعيبة العنب تهب عليهم نفحات التمر حنة ويصيح فيهم غلامه المعتوه :
- لا ترفعوا أصواتكم وإلا سأقوم بإخراجكم 0 اقعدوا مؤدبين !!
وهم يقلقون لتأخر نزوله وكل شوية يتساءلون :
- هل هو هنا ؟ ! نحن قادمون من بعيد 0
والولد يمصمص شفتيه بعد أن يلحس إصبع العسلية 0
بعض أهل قريتنا يحلو لهم الجلوس في ساعة العصاري على سوري القنطرة المتقابلين لمطالعة الوجوه الحسان وهي مستقرة في المقاعد الوثيرة للعربات الفارهة التي يسأل سائقوها : أين منزل الشيخ بشراوي أو بحر أو العجوز 0 فلماذا الكارتات على الطريق هي الوسيلة الوحيدة لأهل القرية هنا ؟ ربما لقلة عدد الركاب 0 وقد زينت فكرة في رأس حسن بليح ألا يتردد في شراء تاكسي مستعمل بستمائة جنيه وربنا يرزقه من ورائه بدلا من الاصطباح بوجوه عبد المعين وأمثاله 0 وعرض عليه الحاج شعبان أن يساعده في دفع الثمن على أن يرد له المبلغ المقترض عند ميسرة 0

القفف الفارغة

العم شعبان يريد أن ينفي عن نفسه صفة البخل التي كادت تلتصق به كالغراء منذ أشهر وكانت فايزة أخت زينات قد تزوجت من عبد الله أفندي بدر، وأقامت معه في العاصمة وكل أسبوعين يقول والدها لأمها :البنت فايزة أوحشتني 0 أعدي الزوادة لنسافر إليها 0 وقبل الفجر يكون الفرن عامرا بما لذ وطاب مما يحتاج أن يشوى أو يسبك ، وأمامه النسوة يغرقن الرقاق في السمن الفلاحي ويشرف الحاج بنفسه على وضع كل شئ في مكانه المناسب بالقفتين هذا فوق وذلك تحت 0 وتكون الكارتة قد أتت حتى الباب ،ويحمل صابر إحدى القفتين على كتفه يسندها بيمينه بينما يسراه ممسكة بأذن القفة الأخرى ليساعد الحاج في حملها وقبل الظهر يكونان في القاهرة 0 يتهلل وجه عبد الله أفندي وهو يفتح لهما متشمما الروائح الدافئة وبعد الغداء يستأذن الزوج تاركا حماه ليحادث ابنته ما شاء لهما الحديث حتى يقترب أذان المغرب فيودع الرجل ابنته التي تمسك فيه ليبيت دون جدوى ويخرج وهو يدعو الله أن يوسع عليها بشقة غير الضيقة تلك فتسأله : أين ستبيت يا أبي ؟ يحمل صابر القفتين الفارغتين ملبسا إحداهما الأخرى ويسأل : إلى أين يا عم الحاج ؟
- إلى نفس المكان يا صابر 0
وفي نهاية الشارع وفي العمارة الثالثة بعد مدرسة الزهراء وفي الدور الثالث علوي يقيم محمد أفندي شعـلة 0 كل أسبوعين يدق الباب وتفتح سعاد وتصيح : أهل بلدنا وصلوا يابابا 0
فينهض الرجل ويعانق 0 توضع القفتان الخاويتان وإحداهما في الأخرى ، في ركن لم تفارقهما الروائح الكريمة بعد 0 وفي حجرة الجلوس بعد تناول الشاي يقيم محمد أفندي صلاة المغرب ويؤمهما العـم شعبان 0 يطلب صابر الفول السوداني المحمص ليتسلى
- طلبك جاهز يا صابر ولكن حذارِ من إلقاء القشر على السجادة 0
- لا تقلق سآكله بقشرة !
ويسهر الأحباب يلوكون الكلام المعاد ويدخل محمد أفندي إلى زوجته التي فاجأته : هذه القفف الفارغة هي التي نراها0 أما ما كان بداخلها فلابنته فلماذا لا ينام عندها هو واللطخ الذي معه ؟
- حرام عليك 0 إنهما لا يتناولان عندنا عشاء ولا فطورا !
- لا تشغل بالك 0 دعهما لي 0
- أحذرك أن تسببي لي حرجاً
وكانت المرأة قد جمعت الكتب القديمة والكراريس التي لا يحتاجها الأولاد ومزقتها جميعا وملأت القفتين وبخيط دوبار أحكمت إغلاقهما وفي الصباح عندما هم الضيفان بالرحيل قال زوجها وصوته يتهدج :
- هذه هدية بسيطة من الست للست أم زينات !
ملأ الدم وجه الحاج شعبان : هذا واجب علينا نحن لا أنتم 0 هذا لا يصح والله العظيم 0 يا حول الله ياربي0
طوال الطريق يتساءلان عما يمكن أن يكون في القفتين الثقيلتين والحاج شعبان يلوم نفسه لأنه أخذ بدلا من أن يكون البادئ بالعطاء 0 وفي المنزل كانت الصدمة
- إخص عليها المرأة الناقصة ! كيف تهزأ بكما ؟
- إنها تمازحك لاشك
ثم جلس كأنما لا يستطيع مواصلة الوقوف 0 والله معها حق 0 نحن ندخل عليهم دائما بقفتين فارغتين 0 تخيلي رجلين عريضين كل أسبوع أو أسبوعين يدخلان على أسرة بها أطفال وليس في اليد غير أذن قفة !

في القرية لم يتحدث أحد بهذه القصة إلا أن الحاج شعبان ما يزال متهيبا أن يتناثر الخبر فيقلل من هيبته ولذا فهو يقي نفسه بإظهار الكرم للجميع ، وهو كريم أصلا ، لكنه الآن يبالغ في إظهارهذا الكرم
- المرة القادمة سنأخذ زوادتين واحدة لنا والأخرى لهم
- خسارة في أمثالهم !

آمال هزيلة

ما إن وصل عبد المنصف إلى مدخل الشارع حتى طالعته شجرة ذقن الباشا بروائحها التي تنعش الروح 0 قفز من فوق جذعها أحد الأولاد مهرولا ليبشر الخالة حميدة 0 تقدم ناحيته أحد جيرانه و حلف بالطلاق أن يحمل عنه حقيبته حتى باب المنزل 0 تلقت الأم البشرى من الولد وألقمته قطعة سكر في فمه وبرزت من الباب تجر ساقيها تجاهه ونظراتها ملهوفة 0 تشب لتعانقه وتبوسه في كل موضع تطاله ممطرة إياه بالحنان ، ماسحة جسمه بيديها كأنما ترقيه من العين 0 مستديرتان هما عيناها صغيرتان مختبئتان 0 باس يدها ذات الوشم الأخضر 0 تتمتع بشيء من العافية 0 لايظهر من ثيابها سوى الأسود 0 وجهها ملأته أعوامها الستون بالتغضنات 0 لمح قدميها تحت ثوبها الطويل حافيتين . من فرحتي لم أنتظر حتى أبحث عن مداس 0
البيوت القديمة هذه لها رائحة الزمن المتخمر يتعرف عليه من يعود إليها بعد غيبة 0 سألها عن والده 0 أبوك جمل والجمال لا تشكو ثقل الأحمال 0 الحمد لله فهو يتحرك في الدار وأحيانا إلى المسجد وأحيانا قليلة إلى عمتك صبيحة 0
- هل يؤذن أحيانا للصلاة ؟
- لم يعد صوته كما كان زمان 0 ادخل سلم عليه !
دخل الحجرة متأففا . لماذا تذكر الأحذية المدلاة من أرفف القطار؟ فتح ضلفة شباك ثم ثبت الشنكل0 تغير الهواء الحبيس . جاء مربع الشمس و أنار . جمع الرجل أجزاءه ونهض . طلب من ابنه أن يقترب ليأخذه في أحضانه . صرت هزيلا يا أبي كقفص فارغ , أخشى أن أضمك على قدر حناني .أنا بخير ما دمتم .على حافة السرير اتكأ متناولا كف والده و سأله عن ذراعه المشدود الى كتفه برباط . ظهر الشرخ في الأشعة . أمرني الطبيب أن أضع ذراعي هكذا رغم أن الشرخ ليس في ذراعي .إنه هنا . تقلقل ليشير فطلب منه ابنه ألا يتحرك , انساب الرجل بالكلام خافت الصوت :الحمد لله الذي أحياني حتى أتممت دراستك . انتهت مهمتي الآن . أختك متزوجه و معها طفلاها . زوجها صحيح في الجيش بعد أن استدعوه لكنه يأتي . نحن لم نقصر في حق أختك . تعيش معنا أسبوعا أو أسبوعين و مع حماتها يومين ثلاثة . زوجها فؤاد ما كانت له هذه البهدلة أبدا .
- هذا واجب يؤديه يا أبي
- فليكن . و أخوك فهمي مع زوجته و أولاده في طنطا . شيء لله يا بدوي ! و أنت انتهيت من دراستك و الحمد لله .
و سعل حتى تألم ذراعه و عظامه جميعا و مع هذا أردف : أريد أن أزوجك و أرى أولادك . أتسمعني ؟ .ثم هدأت ملامحه حتى كأنه ابتسم فكأنما نبتت زهرة في حقل صبار .ألا تريدون أن نبلط هذه الحجرة ؟
- إن شاء الله نبلط الدار كلها مره واحدة يا منصف
قامت الأم لتمسك ديكا أو دجاجة لإعداد عشاء لائق : أخوك الشاويش فهمي تزوج و أقام في طنطا و استقر هناك هو و زوجته و أولاده . لم نعد نراه إلا في الأعياد و المواسم . أخذته مني سميحة بنت بركات سامحها الله أما أنت فسوف تعمر بيتنا .
و على العشاء جلس الأب و الابن وجها لوجه حول الطبلية ووضعت الأم طعامين مختلفين أحدهما مسلوق : ألا تأخذ نسيرة تشد بها حيلك ؟
- سآخذ الكبدة . إنها تكفيني . كل أنت يا بني فكثيرا ما أكلنا . نعود الى موضوعنا : أريد رؤية أولادك قبل أن أذهب . سأبيع قطعة الأرض ...
دائما يتحدث عن بيع قطعة الأرض و هي لا تتعدى نصف فدان يرتع فيها المستأجر وكأنه مالكها . نظر عبد المنصف في ساعته و قام يصلي العصر قبل حلول المغرب و نظر لوالده : الا تخرج معي للصلاة في المسجد يا أبي ؟
- سأخرج و أجعلك عكازي
و في الطريق استرسل الشاب في الآمال .. تذكرها . ألم يكن الأجدر بي إقامة علاقة معها ؟لماذا لم نتقارب خلال 4 سنوات ؟ هو أشجع مني و أجرأ أما أنا فخجوووول !
- جرام الذهب يا عبد المنصف بأقل من جنيه 0 لك مني مائة جرام 0
ثم وهو يدخل المسجد برجله اليمنى :
- يا رب أدم علينا نعمة الصلاة في بيتك!
- نريد أن نسمع صوتك و أنت تؤذن كأيام زمان .
- فيكم البركة !. قال أحدهم: انظر! لقد تبرع أحدهم للمسجد بمكبر صوت حديث جدا و لن تحتاج الى صعود المئذنة !
- و هل يوجد صوت أحلى من الذي يخرج من القلب ؟ إنه أحلى ألف مرة من الأصوات التي تثقب الأذن .
- الدنيا تتغير يا حاج كامل و نحن نساير الزمن !

مفاتيح على صينية شاي

حاول عبد المنصف أن يبعد عن تفكيره الجمله الأخيرة و هو يستعد للصلاة فلم يفلح إلا قليلا . أي زمان هذا الذي تسايرينه يا قريتنا ؟ إنك منبع الدجل و بؤرته تصدرينه إلى غيرك من الأماكن . التفكير العلمي هو ما يجب الوصول اليه أما اقتناء مكبرات الصوت الجبارة و الأجهزة الأخرى فليس تقدما ما دمنا متخلفين في أسلوب التفكير . ما زال الكثيرون يتمسحون بمقام الشيخ الكومي طمعا في الشفاء او الإنجاب . ثم لمع بريق البشراوي و البحر و العجوز و خطف الأبصار فكيف يقول مأذونك : نحن نساير الزمن !
أنسيت يا شيخ خليل ما حدث لك و أنت موظف في البنك الزراعي بالقرية زمان . ألست القائل إن أي فلاح له واسطة و ظهره مسنود يتعامل مع البنك كيفما يشاء يتقدم بطلب سلفة تسمين مثلا و ليس عنده ماشية فيحصل على مبالغ طائلة و غيره من المغلوبين على أمرهم و عنده البهائم و مع ذلك توضع أمامه عراقيل و عراقيل ؟ أنسيت ما حدث لك عندما أردت الوقوف في وجه التيار . تحايل أحد كبار الزراع للحصول على أسمدة و سلف نقدية ليس له فيها حق و حاول ان يرشوك فرفضت فدبر لك مكيدة حيث اتفق مع أحد السعاة على سرقة مفاتيح الخازنة: تدخل مكتبه عندما تلمح المفاتيح أمامه على المكتب . تقدم له الشاي على الصينية و تشاغله بتقليب السكر له . و في لمح البصر تضع المفاتيح على الصينية و تحملها و تخرج بعد أن تترك له كوب الشاي أمامه . ساعة زمن واحدة أكون قد نسخت المفاتيح و أعيدها اليك فتعيدها اليه .
و لم تكد المفاتيح تسرق حتى تنبه خليل افندي لغيابها فسأل عنها فأنكر الجميع . لم يوجه الرجل الثائر اتهاما لأحد عندما جاءت شرطة النقطة و قام الضابط بإغلاق الجمعية بالشمع الأحمر إلى أن جاءت لجنة و جردت .و قام البنك بتغيير الخازنة و الاقفال و المفاتيح ووجهت تهمة الإهمال لخليل . و بعد تحقيق طويل ثبت حسن النية فلم يعاقب إلا بالنقل و لكنه استقال و تقدم للعمل كمأذون . و جاء البديل و فعلوا معه الشيء نفسه بطريقة أعمق خبثا فسرقوا و نهبوا ...
البنك يعطي الموظف ستين طنا يوزعها على الفلاحين فيقوم ببيع أربعين لحسابه في السوق السوداء و لا يوزع سوى الباقي . و الفلاحون الذين لا يعرفون القراءة و الكتابة .. يا ويلهم ! كل هذا و تقول : نحن نساير الزمن .

حدائق النزهة

استعاذ بالله من الشيطان الرجيم و صلى ثم .. بعد أن أعاد والده الى المنزل خرج ليتمشى فلن يمكنه أن ينام قبل أن يرى شعاع القمر ينسكب على واجهة بيت زينات و على النخلة و السور و الشباك .و من يدري فربما يلمح ثوبا من ثيابها ما زال معلقا على حبل الغسيل فوق سطح الدار !! الشبورة مسيطرة . الهواء حبيس هذه الليلة. و في حجرتك بالمدينة الجامعية , بعد أن تفرغ من بايرون و هاردي و اليوت , تطل على الطريق المؤدية إلى حدائق النزهة و انطونيادس وتلقي بصرك إلى الحقول من جهة وإلى العمائر من جهة أخرى . توحي المساحات الخضراء بالبساطة و الشفافية , و كذلك جداول المياه الرقراقة و النباتات التي تصر إصرارا على ممارسة الحياة , و ثمة مسجد صغير يتوارى في البعيد يذكرك بقريتك . هنا الأرض و النسيم المعطر بأريجها .. و في الناحية الأخرى و خصوصا مع قدوم المساء تنتصب العمائر شامخة تضيء نوافذها في الظلمات : مربعات من الضوء يعلو بعضها فوق بعض تتناثر في الأفق .خلف كل نافذة يتخيل رجلا و امراة يعيشان قصة من القصص و خلف كل نافذة مغلقة رجلا و امراة يفعلان ما لا تجرؤ عليه . و يوحى اليك المساء بالشهوة و تفتح لك الرغبة فمها عن لسان هائج فتتذكر سوزي زميلتك في قسم اللغة الانجليزية . هذه الفتاة التي تصلح أن تكون راقصة محترفة . ثم إنها تنطق الانجليزية كذوب السكر . العري هو ما ترتدي . لو كانت معي الآن في حجرتي هذه . على سريري هذا .رغم أنك في الكلية تعاملها بجفاء و الجميع يتوددون اليها . كيف ستصبح هذه قدوة لتلميذات ؟ و الآن عليك أن تقوم ببعض الرياضة لمجابهة عادتك السيئة . إنك ذو عزيمة .هيا . الرياضة البدنية رياضة نفسية أيضا . أغلق حجرتك و سارع بالنزول . انطلق عدوا حول سور المدينة الجامعية حتى تعرق . در دورة اخرى .
- هذا افضل !
عاد الى حجرته متعبا و لسان حاله يقول و كأنما يصدر أمرا غير قابل للمناقشة : دمرت نفسك بالتمرين .. و الآن دمر نفسك بالاستمناء !! لكنه قاوم : زينات يا طيبة القلب ! فليشرق وجهك في سماء روحي !

جلبة آتية من الردهة اقتحمت تقوقعه . طرقات على الباب فلم يرد أول الأمر متصنعا النوم . لماذا كل هذا السهر أيها الشبان ؟ وجدهم مصممين فقام متثاقلا و أدار المفتاح و هو يفرك عينيه و كأنما نهض لتوه من سبات . قال أنس طالب الصيدلة بصوته الجهوري :آسفون على الإزعاج و لكن الأمر هام و عاجل . قررنا القيام بإضراب عن طعام العشاء غدا . أنت تعرف أن العشاء يوم الاثنين قطعة حلاوة و بيضة مسلوقة و رغيف . هذا عشاء لا يكفي طفلا في الحضانة . سيكون هذا بمثابة إنذار لإدارة المدينة الجامعية .
فكر عبد المنصف أن يرفض و لكنه تحاشى سطوة أنس .
- ما دمتم قررتم فلا مانع .

إن الطالب لا يدفع سوى خمسة جنيهات شهريا مقابل السكن في حجرة مستقلة بها سرير و دولاب و مكتب و أباجورة و كليم على الارض و ثلاث وجبات طعام ،في الغداء سمك أو لحم أو فراخ . في كل دور فراش لتنظيف الطرقات و الحجرات بالماء و الفنيك ....
- حاضر يا أنس ! يا أمي .. ألا يوجد سوى الفول على العشاء ؟
- عندك عيش ناشف في السبت تحت السرير , و عيش طري في السبت الثاني و ضعت البرسيم فوقه ليظل طريا !
- أليس عندكم بيض ؟
- سأبحث . ربما تكون الدجاجة قد باضت .

ألاعيب رأفت القاتم

و هو خارج في الصباح أعطاه والده جنيها يتحتم أن يكفيه أسبوعين مصروف يده . اشترى الجريدة بقرشين و على القنطرة جلس يتصفحها . تذكر أن له جنيهين عند زميله رأفت القاتم . لماذا لا يطالبه بهما ؟
في آخر أيام الدراسة و قبل الامتحانات جاءه رأفت القاتم الطالب في كلية الهندسة و طلب منه قرضا حتى العودة للقرية و أقسم أن يردهما اليه عقب الامتحانات مباشرة و ربما قبل ذلك حين أقبض راتبي من الشركة التي أعمل بها !! و ابتسم .كان يتكلم و يؤكد و عيناه العسليتين تصدقان . و لأن موعد الغداء قد أزف قال رأفت : لماذا لا تعزمني لأتغدي معك في مطعم المدينة ؟
- هذا المطعم خاص بالطلبة هنا
- و لكني أريد أن أذوق طعامكم يا أخي ! لا تقلق .سآخذ بطاقتك و أدخل بها المطعم أما أنت فهم يعرفونك و إذا سألوك قل لهم : نسيتها .
وافق على مضض . و في المطعم كان رأفت يأكل بشراهة و سأله عبد المنصف عن الشركة التي يدعي أنه يعمل بها ما حكايتها ؟
- سأحكي لك . فقط أستحلفك بالعيش و الملح هذا ألا تخبر أحدا هل تعرف من الذي يقف وراء تعييني ؟
- من؟
- جمال عبد الناصر . أرسلت خطابا الى إبنه خالد و قلت له إنني طالب مثلك في كلية الهندسة لكني عاجز عن الانفاق على متطلبات الكلية و أفكر في تركها لسوء أحوالي المعيشية إلا إذا شملتني بعطفك و رعايتك ..
- أفكار الأبالسة .حلو و كداب ليه صدقتك !
- أقسم بالعيش و اللحم أني لا أكذب . استدعوني بعد إسبوعين إلى مبنى المحافظة و سألوني ماذا أريد بالضبط . فتم تعييني في إحدى الشركات بعد مكالمة تليفونية و قابلت المدير الذي احترمني و طلب لي قهوة و قال لي : نظرا لدراستك فإنك ستاتي إلينا أول كل شهر لتاخذ راتبك و لا تعطل نفسك عن المذاكرة ..
و لاحظ عبد المنصف أن رأفت يأكل بالشوكة و يترك الملعقة نظيفة و تبين سبب ذلك : كي لا تلوث جيبه عندما يسرقها !
مر أسبوعان و عادوا إلى القرية و أرسل عبد المنصف يطلب الجنيهين فبعث رأفت اليه بأخيه و معه مظروف مغلق فاندهش و فتحه فوجد الجنيهين . حمدا لله . و لكن ماذا بالورقة المرفقة ؟ أخرجها و فتحها و قرأ ما فيها :
إذا جاء العيب من أهل العيب فليس بعيب !
اقشعر بدن عبد المنصف و تساءل :
- أأنا من أهل العيب يا رأفت يا قاتم ؟!

صيفية مختلفة

إن كان عبد المنصف يحلم بالزواج من زينات , فماذا عن مجاهد ؟ أيفكر الآن بالزواج ؟ و إذا ما فعل ألا يكون متعجلا ؟ في الثانية و العشرين ما يزال و يعشق الحرية فهل يضع بيديه القيود حول معصميه ؟ أحقا يرغب في دخول القفص أم إنه فقط يلاعب غريمه ؟ قليلون هم الذين يتزوجون هذه الأيام . من لهم حق المعافاة من الخدمة العسكرية و مجاهد ليس منهم . هذه الصيفية ليست كسابقاتها . إنه فعلا ما يزال مرتبطا بالأرض . عليه النهوض مع الفجر و يركب الحمار ليسحب الدواب خلفه الى الغيط . يضع لها العلف و البرسيم . عمل كثير ينتظره . ينقي الحشائش من القطن أو قل ينقي القطن من الحشائش، ثم سقاية الأرض كل أسبوعين، يضرب القنوات الجافة بفأسه لتسليك طرق اندفاع الماء و اندفاقه , يحصد سنابل القمح بالمنجل و بعد جمع السيقان يكون الدراس لفصل الحبوب بواسطة النورج الذي تديره المواشي ثم عمليه التذرية في الهواء بالمذراة , عمل شاق في انتظاره طوال الصيف و كانت اسكندرية هي المكان الأمتع في العالم . استمتع فيها بأشياء و أشياء و كان يسكن كل سنة في مكان و كيف له أن ينسى الحضرة ؟ تلك العمارة العتيقة في حارة جحا المطلة بجانب على شريط السكة الحديد . بعد مغيب الشمس كان يطلع إلى السطح خلف عشش الفراخ و تصعد بعده مديحة و عندما مس بشفتيه خدها أول مرة سألته : ماذا فعلت يا فلاح ؟ سأعلمك كيف تكون القبلة !
و ضرب فأسه في القناة ليخلع العشب المتطفل من جذوره . كأن ريقها ما يزال ينبع في فمه . قال أخوه شوقي :اختك نظيرة هناك هي و أولادها تساعد أمنا في إعداد العشاء .
- ذبحوا ؟
و عند الظهر جلس مجاهد و أخوه تحت توته ، وأخذ يفك الصرة التي يلف بها ما جلبه من طعام . فرشها على الأرض ووضع فوقها طبقين أفرغ في أحدهما عسلا أسود من برطمان صغير و في الآخر جبنة قديمة يتقافز منها الدود ثم فرد فطيرتين . بينما قلة الماء مكسورة الحرف تنتظر من يرفعها الى شفته . و لم تكن مديحة هي المتعة الوحيدة بل ولا حتى المتعة الأكثر أهمية لمجاهد بل الصداقة و الأصدقاء و انطلاق الشباب و التهريج في ساعات المرح و إعداد الطعام بطرق مبتكرة لا تقبلها أية ربة بيت على الإطلاق . العدس هو الوجبة المفضلة حيث توضع قطعة السمن البلدي في حلة على النار ثم بضع بصلات يقوم أحدهم بتقشيرها و تقطيعها قطعا كبيرة ووضعها في الحلة حتى تصبح صفراء ثم تخرط الطماطم دون تصفيتها قطعا كبيرة أيضا ثم يوضع العدس المغسول في الحلة يضاف إليه بعض الماء و قليل من الملح . الطماطم في حجم البصل في حجم كمية العدس و العدس في حجم الماء . بالتساوي . رآهم عبد المنصف ذات مرة فقال : لو دفعتم لي مال قارون ما تناولت من هذا ملعقة !
-اسكت يا بتاع المدينة !
و في أمسيات الخميس تكثر الأفراح و الليالي الملاح فيخرجون قاصدين أماكن بعينها باحثين عن حفلة عرس تدق فيها الطبول و يلعلع الغناء فيدخلون . يستقبلهم أهل العريس على أنهم من أهل العروس و العكس بالعكس . يتفرجون و يأكلون ثم يعودون للمذاكرة . و في الصباح يلتقي مجاهد بزينات . إنها تمثل البراءة الحقيقية . صفحة بيضاء مازالت مثالية .قد يخفق قلبه لها حتى و هو يحتضن مديحة . هكذا يقول . فماذا عن قلبها هي ؟ و هاهي سنوات الدراسة انتهت و جمعت بينكما القرية أو قل باعدت بينكما القرية لأنه لن يحدث لقاء يومي كما كان الحال أيام الكلية . إنك تتمناها و تحن إليها و لا مكابرة , تحدث إلى والدك أو والدتك ..
- تعال يا مجاهد ساعدني لأتوضأ ..
جالسة على كرسي خفيض و أمامها إبريق ماء و الطست الصغير فأخذ يصب لها لتغسل يديها ووجهها ثم تناولت الإبرييق منه لتريقه على قدميها و هي مستمرة في أدعيتها
و قال لها بعد الصلاة : لقد انتويت الزواج يا أمي !
- نعم ؟ قبل أن تتوظف ؟ إذن فانت حاطط عينك على واحدة
كان ذكر البط يكاد يقتل أنثاه المستسلمة تحت جرمه الهائل و هو يفح فحيحا و يمسك رقبتها المنحولة بمنقاره كي لا تفلت منه و تميل بذيلها إلى هذه الجهة أو تلك لتعينه على ما يفعل .
- أأعرفها ؟
- ابنة الحاج شعبان المرسي .. زميلتي
- أبوها زين الرجال
امتلا فراغ الباب بجرم والده قادما .حدثيه أنت في المساء يا أمي !
- بل الآن . مجاد يريد يد زينات بنت الحاج شعبان
- أعرفها منذ كانت طفلة يأخذها والدها في يده و يذهب بها إلى محل سالم الحلواني يشتري لها الحلوى و الكراملة . طول عمرها معززة .أبوها رجل طيب و أمها ست محترمة . أمها من عائلة حجازي .
- ما رأيك يا أبي ؟
- الرأي لأهلها . لا أحد في هذه الأيام يعطي ابنته لمن ينتظره التجنيد . الذي يدخل لا يخرج .
- الى هذه الدرجة ؟

مطارات الجن

هل أنت متحجرة يا قريتنا راضية بتحجرك ؟ أم تنتظرين من يرفع الغطاء عن عينيك و يرفع وجهك إلى السماء لتحط على تقاطيعه طيور الشمس ؟ كان مقام سيدي الكومي المبيرك يجذب نساءك و نساء القرى المجاورة الباحثات عن الإنجاب أو الللائي هجرهن الأزواج و من انكوى قلبها بفراق محبوبها . كن يسعين قاصدات المرقد , حاملات الشموع يوقدنها و يكنسن الحصير و يقبلن حرير المقام الأخضر المزدان بخطوط الآيات و يصعدن الى أعلى مئذنة المسجد فيشهقن إذ يطالعن العزبة المستكينة تحت العلو الشاهق فلعل المفاجأة تساعدهن على التهيؤ للحمل . كان هذا عهدا طويلا و أخذ في التلاشي تدريجيا منذ نجح السحرة و اغتنوا . و كان الشيخ عبد الفتاح الطاهر ينادي بالعودة إلى الدين الحق ونبذ الخرافات بأنواعها و مازال يصيح : يا أهالي قريتنا . إنكم ترون المنكر ولا تحركون ساكنا ، و ذهب لمقابلة العمدة الذي رفع عمامته وهرش رأسه الحليق:هل أصابك منهم ضرر ؟ هل داس أحدهم لك على طرف ؟ هل وضع أحدهم يده في جيب أحد من الناس و أخذ أمواله قسرا ؟
- لا يا حضرة العمدة
- إذن فاعلم يا شيخ أن رزق الهبل على المجانين ثم .. لماذا تتضايق يا أخي ؟ إن الغرباء يأتون إلى قريتنا و يدفعون . ربما يتبرع من تسميهم بالسحرة لبناء جامع أو مستشفى أو معهد ديني !
- أعوذ بالله . إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا . هذا المال حرام و لا يجوز أن ينفق في أعمال الخير يا عمدة .
- حيرني أمرك يا شيخ . إذن ينفق في فتح مواخير و غرز إن كان ذلك يرضيك . أقول لك : يساهمون بها في عمل مجاري صرف . ما رأيك ؟ المجاري مطلب هام من مطالب القرية .
- أتهزأ بي يا جناب العمدة ؟ لماذا لا تبعث برجالك لإغلاق هذه الأماكن
- ليس هذا في إمكاني . أولا : لأن أحدا من هؤلاء لم يهدد الأمن و ثانيا لأن هؤلاء واصلون . لهم شوكة حادة فبعض الكبراء يأتون إليهم و يجلسون قدامهم كما تجلس أنت قدامي الآن . صح النوم ! و ثالثا : اشرب قهوتك فأنا عندي مشاكل أهم من ذلك و دماغي يوجعني .هات اسبرينة يا واد يا منجل . يا ولد يا منجل يا أطرش ! هات هبابة ! يا ولد ! قل للشيخ ماذا رأيت بالقرب من دواري و كأنما للسخرية مني . ماذا كان في اللفة إلى جوار سور الدوار ؟

لقيط جنب السور

ابتسم منجل ابتسامة بلهاء و هرش في قفاه ثم تمتم:
- طفل مولود يا جناب العمدة يقول : واء واء
- أسمعت يا شيخ عبد الفتاح ؟ أنا معك إن غضب الله آت لا محالة و أنت تتحمل جانبا من المسئولية لأنك تخطب الجمعة و الناس ينعسون أمامك حتى تكاد أدمغتهم تتخبط في الأرض و هو مقرفصون على حصير المسجد . لماذا لا تشد انتباههم بغير الجعير ؟ لماذا تتركهم ينعسون ؟
- و لماذا لا تسهر أنت على الأمن ؟ هه؟ لماذا تسكت على الدجالين ؟ الخطوط موصولة إلى بعضها يا حضرة العمدة . هل عرفتم أهل الطفل ؟ حسبنا الله و نعم الوكيل .

عقاب سريع المفعول

و كاد يتعثر عند عتبة الدوار و طرد عن خاطره وسواسا يزين له أن العمدة يأخذ نصيبه من هؤلاء الدجالين مقابل سكوته عن جرائمهم , استغفر ثلاث مرات : إن بعض الظن إثم ..
عاد الشيخ إلى الكتاب فصاح الأولاد و زاطوا : الشيخ وصل . مولانا جاء .
و يخرج المفتاح من جيبه و يسمي فيندفعون داخلين و معهم ألواح الاردواز و الشيخ يقول لهم :
- أنتم مستقبل قريتنا و أملها . أنتم العودة إلى كتاب الله و إلى لغة القرآن .
و لمح طفلا جديدا يبدو أنه ابن ناس .. ملابسه و الساعة القيمة في معصمه .. كم الساعة يا بني ؟ فلم يرد . إنه لا يعرف الوقت .
- ما اسمك يا جميل ؟
- فوزي بسام البشراوي !
- اما زال ينجب ؟
- أنا أصغر أبنائه يا عم الشيخ
و عاهد نفسه أن يعلمه مجانا و عندما رفض أخذ أجره استدعاه بسام فذهب إليه و لم يتناول شايا ولا قهوة بل واجهه :
- متى سيتوب الله عليكم لتتوبوا ؟
- هكذا يا شيخ لماذا لم تأخذ أجرك ؟
- لأنني أشك في نقاء المال يا أبا فوزي .
- أحترم جراءتك و لكنني سأفهمك . أنا أحل مشكل الناس . اعتبرني طبيبا نفسيا يا أخي . يا شيخ أنا قاعد في بيتي باحترامي كما ترى . لم اقل لأحد : تعال أعالجك بل هم الذين يأتون و هم الذين يدفعون و بلا فصال و الله يقدرني و أحل مشكالهم . أيضايقك هذا ؟
- يا حاج بسام إن علم الغيب مقصور على الله
- و هل سمعتني أقول و العياذ بالله إنني أعلم الغيب ؟ إنني أوفق بين المتخاصمين , و أمنع وقوع الطلاق , و أساعد على الشفاء من أحابيل الشيطان . أنا أفعل الخير يا شيخ و الله سيحاسبني و ليس الناس .
- لقد جعلت من قريتنا مطارا يهبط فيه الجن و منه يصعدون . طيارات طالعة نازلة محملة بالشياطين . لن آخذ منك أجرة و عموما الكتاب مغلق لمدة أسبوع لأنني سأتزوج فإذا أراد ابنك أن يأتي بعد أسبوع فأهلا ومرحبا و بدون أجرة .
و خرج سعيدا راضيا لثباته على موقفه و عدم تزحزحه قيد أنملة و حكى لخطيبته ما حدث فقال والدها :
- أنت كالسيف يا شيخ عبد الفتاح بارك الله فيك .
ثم .. بعد يومين دخل الشيخ على امرأته بعد حفل بسيط متواضع . و في منتصف الليل صرخ : فعلتها يا بسام ؟
سألته امراته وهي مرتبكة أكثر منه :
- ماذا فعل بسام يا عبده؟
- أنا مربوط يا مبروكة !!

نبأ سار

يجري وراء الغزالات مستسلما لتيار الخيال الجارف ،جالسا على سطح المنزل متكئا على حلم جميل , و ديك رومي في البيت المقابل يعلو الكن الذي يبيت فيه , ينفخ طبلته و يهز زلومته الحمراء في خيلاء , نادته سامية ابنة أخته لتناوله كوب الشاي . حفظت جزء عم و جزء تبارك في كتاب الشيخ عبد الفتاح الطاهر . اختر سورة أسمعها لك يا خالي .
- لقد كنت أحفظ الكثير عندما كنت في مثل سنك لكني نسيت معظم ما حفظت .
- ذلك لأنك لا تداوم على قراءته فمحاه الله من صدرك , هكذا يقول شيخنا .. و الذي لايهتم بالقرآن لا يهتم القرآن به .
هز رأسه مؤمنا على كلامها أو بالأحرى كلام شيخها و تابع عراك قطين أحدهما كبير الرأس مما جعل الصغير يفر فرارا و الآخر لا يتركه0 ابتسم لها : كان الشيخ الذي حفظت على يديه يقول : إذا هفت نفسي إلى المانجو أو الكمثرى أقرأ القرآن فأجد طعم ذلك في فمي .. و إذا اشتقت إلى الأرز المفلفل و اللحم المحمر و الحمام المحشو أقرا القرآن فأجد ذلك على لساني .
- شيخ طفس !!
- بل أطعمه الله و سقاه .
- هل تحفظ القاموس يا خالي ؟ خالي .. شخص ينادي عليك
كان مشرف في ملابسه العسكرية لم يعد إلى منزله بعد , هذا الذي يمثل الجانب العقلاني في القرية تلك التي تحتاج إلى روح وثابة .. إلى زلزال جميل يأخذ بيدها إلى مشارف الغد . يرى مشرف أن الناس سينصرفون عن الدجل بمجرد انتصارنا في معركة حقيقية لأن الهزيمة تقعد بالنفس عن النهوض و إذا كان الانتصار له ألف باب فإن الهزيمة يتيمة كما يقال و لكنها تنجب أطفالا لا حصر لهم من ذوي العاهات البدنية و النفسية و العقلية و تخلط الرؤية . و عبد المنصف يحب مشرف ليس لأفكاره و مبادئه فقط و إنما لأن منزله ملاصق لمنزل الحاج شعبان والد زينات 0 أنا لم أعد الى منزلي بعد كما ترى لكني قابلت مجاهد في المحطة منذ دقائق و علمت منه أنكما نجحتما فآثرت أن أبشرك بنفسي
- و جارتك زينات ؟
- تصور يا أخي نسيت أسأله عنها .
جاءت الأخبار بنجاحها فعمت الفرحة فهل أخبرها أحد ؟
انطلق مجاهد إلى منزلها . الباب الخشبي البسيط في السور المحاط بأشجار الجازورينا , و النخلة القصيرة تقف عليها يمامتان . نبح كلب صغير فلم يعبأ به و أخذ ينادي : يا عم شعبان !
و بعد وقت برزت خادم عجوز : من حضرتك ؟
- زينات نجحت يا خالة . دخلت مسرعة و هي تنادي أهل الدار تاركة مجاهد يلعق حيرته . تطلع نحو اليمامتين فلم يعثر لهما على أثر . استدار و انصرف ، أما الحاج كامل فهتف عندما علم بنجاح ابنه :ليلة لأهل الله يا عبد المنصف . سأدعو المشايخ ليختموا القرآن في منزلنا .
- و زينات نجحت يا أبي . أنذهب إليهم اليوم ؟
- و لم لا ؟ عليك الآن أن ترمح إلى محل سالم الحلواني و تشتري علبة حلوى نمرة واحد و ثلاث زجاجات عصير مانجو طبيعي .. و .. عندنا السكر .. سنرسل هذه الأشياء قبل ذهابنا ثم نزورهم في المساء
- ما رأيك في أن يشاركنا عم بليح ؟ الحاج شعبان شريكه في التاكسي سيوصلكم أنت و أمي إلى هناك
- و أنت ؟
- سأنتظر حتى أعرف ردهم .

استعداد للزيارة

لم تمض ساعة حتى كانت إحدى القرويات تدق باب بيت الحاج شعبان المرسي و على رأسها سبت به حلوى نمرة واحد و زجاجات شربات و أربعة كيلو جرامات سكر . أما عبد المنصف فعرج على القنطرة غرب البلد و انتظر حتى وصلت عربة حسن بليح و عرض عليه الأمر . قوي قوي أروح معكم . سأمر عليكم بعد صلاة المغرب
و بعد الغروب دبت الصحة في الجسد الواهن فارتدي الحاج أفضل ثوب لديه ووضع للعمامة شالا جديدا و قبض على العصا ذات المقبض العاج بيسراه لأن يده اليمنى كانت معلقة إلى كتفه . جاهزه يا حميدة ؟
من الشباك الموارب جاء صوت السيارة و دخل حسن بليح فنهض والد عبد المنصف على مهل متوكئا على امرأته , بينما رفع ابنهما وجهه إلى السقف ضاما شفتيه : يا رب وفقهما .

جسد نحيل يتهاوى

حدث قبل الغروب حادث بسيط ضايق الشاب و حاصر أحاسيسه . كانت أمه قد طلبت منه إدخال الكتاكيت إلى القفص 0 دلف الى المنور . أمسك بالاجسام الصغيرة التي تفر من قبضته , عمرها عشرون يوما و لكنها عفريته . يضعها اثنين اثنين في القفص و يغلق الباب و يمسك اثنين غيرهما .. و يغلق . حاول كتكوت شقي أن يخرج برأسه فأغلق باب القفص على رقبته . تدلى الرأس الصغير . فتح بسرعة و أمسكه بين راحتيه . كان الكائن الواهن يتشنج مغمض العينين و أصابعه الرفيعة تضرب الهواء حتى همد .جمع بقية الكتاكيت، و أخذ الفقيدَ الصغير ووضعه إلى جوار جدار المنزل فالتهمه كلب . لم يخبر أمه بما حدث لأنه لو أخبرها فانها ستظل تذكر ذلك ما بقي من هذه الكائنات واحد على قيد الحياة . ستقول مثلا عاشوا جميعا و أكلناهم ما عدا الذي أغلق عليه عبد المنصف القفص .. أو تقول : خسرنا منهم اثنين . أحدهما أخذته الحدأة و الآخر أغلق عليه عبد المنصف باب القفص ! لن يخبرها وإن كان سيظل لفترة طويلة يحس بالكائن الدافئ الهامد في راحة يده
ذهب والداه ليخطبا له وتركاه يدير مفتاح الراديو حتى عثر على إذاعة لندن القسم العربي ليتابع برامج تعليم اللغة الانجليزية لكنه وجد " قول على قول " للعلامة حسن الكرمي ، ثم استمع إلى المذيع الرائع حكمت وهبي في الإذاعة الشابة مونتكارلو . ماذا فعل الله بكما؟
- كل خير 0 خذ بيدي لأصعد إلى فراشي 0
ثنى له المخده ووضعها خلف ظهره ، ثم غطى ساقيه ببطانية خفيفة 0 حدثت والدها طبعا؟!.
- أحكم الغطاء حولي ولا تلمس ذراعي 0 هل ذهبت إليهم اليوم لتبشرها بنجاحها ؟
- لا يا أبي لم أذهب
- فمن الذي ذهب إذن ؟ 0 منزلهم جميل وعفش أمها مازال جديدا
- وزينات يا أمي ؟
- بدر ليلة التمام 0 أبوك نام 0
- أنا لم أنم بعد 0 كباية ينسون دافية يا أم منصف

السبب

ذهبتْ لتصنع له ما أراد فناداها ابنها أن أباه قد نعس 0 المشوار هو الذي أرهقه ؟ لكنكما لم تذهبا على الأقدام !. الأعراض ولا شيء سوى الأعراض أما الجوهر فاختفى 0 القشور ولا شيء غير القشور 0 فلتنتظر حتى تسأل حسن بليح في الصباح 0 وهناك والشبورة ماتزال تغطي الحقول كان حسن في مقهى الموقف يشرب الشيشة 0 سحب عبد المنصف كرسيا وشرب حلبة وعلم أن أباها لم يكن ليمانع لو أن الشاب أعفي من التجنيد 0 بعد شهر أو شهرين سيدخل ابنك الجيش وربك يعلم متى سيخرج 0 إن المجندين منذ أعوام مازالوا هناك 0
مخذول 0 مغبون 0 بائس 0 يائس 0 شريد 0 هل يخطط لك القدر ليفترسك ؟ انهزمنا شر هزيمة فماذا ننتظر ؟ أن نهزم غيرها ؟ ما ذنب الذين تشردوا في سيناء دون قتال 0 تربعت على حافة الترعة التي تمر في أرضنا 0 المستأجر يرتع فيها والضيق يرتع في صدري 0 تذكرت حسن الواعظ قريبنا الذي في البندر 0 تمنيت فجأة أن أضمه إلى صدري وأمسح دموع قلبه 0 انطفأت ابتسامته وغاضت أحاسيسه لأنه حاول أن يحقق أحلام بلده 0

مرشح للدائرة

اندهشنا عندما فوجئنا منذ عامين بزيارته لمنزلنا فهو قليلا ما يزور أحدا ، وكان أبي أيامها في بدايات مرض فظننا أنه أتى ليعوده 0 ضخم الهيئة يملأ العين 0 ضحوك بشوش 0 رأسه مليئة بالحكايات الشائقة 0 كان على رأس الإدارة التعليمية ووثق في المعلمين وأولياء الأمور وتوكل على الله وقرر أن يرشح نفسه في الانتخابات لذا فقد توجبت الزيارات للأقرباء والمعارف 0 لماذا دخلت هذا الميدان الغريب عليك يا حسن ؟
- لتحقيق مطالب الجماهير يا حاج كامل 0 الكوبري على النيل حلم الأحلام بالنسبة لبلدنا والناحية كلها
- تكلفته عالية
- طائرة واحدة مما دمرته اسرائيل في 67 أغلى ثمنا منه 0
وعلى الغداء حذره والدي من قوة غريمة الباشا ابن الباشوات 0
- يقولون إن الثورة ألغت الألقاب
- لا تصدق كل ما تسمع
وكان يلتهم اللحم ويحتسي الشوربة الثمينة بعد أن عصر عليها الليمون الكثير 0 مازحه والدي : يبدو أنك بالفعل لم تزل في ريعان الشباب
- لقد ساوموني 0 بعثوا إلي بوسائل إغراءلأتنازل0 قالوا : سنرقيك وتصبح مديرا للمديرية ذاتها فرفضت 0 كل المعلمين سيعطونني أصواتهم 0 الرجل إياه يعمل لي ألف حساب
- يا مرعب !
- وهددوني أيضا !
- هكذا ! وإنهم لقادرون 0 ألا تعرف خصمك ؟ إنه باشا وابن باشا له في العاصمة منزلة وكلمة مسموعة وله هنا أراضيه وأملاكه 0 إنك تنطح الصخر يا ابن عمي !
غير الضيف اتجاه الحديث وتطرق إلى صحة أبي وعرض أن يساهم في علاجه من جنيه لمئة 0 ولا يمكن أن يقبل أبي مثل هذا العرض وعاهده أن يسانده في حملته الانتخابية ما استطاع 0 نحن نتمنى أن يكون أحد أبناء عائلة الواعظ عضوا في البرلمان 0 أعاهدك في حالة نجاحك أن أشتري جهاز تليفزيون لأرى الجلسات وأصفق لك وأنت تقول لا صوت يعلو فوق صوت المعركة 0 وفي الزيارة التالية علمنا من حسن الواعظ أنهم فرضوا عليه التخلي عن منصبه كمدير للإدارة التعليمية حتى انتهاء الانتخابات حرصا على النزاهة ولكي لا يؤثر على المعلمين ، فأخذ الرجل إجازة وحل محله صديقه الأستاذ فاضل ناظر المدرسة الثانوية 0
- وإذا - لاقدر الله - لم يحصل نصيب ؟
- أعود إلى وظيفتي
- أخشى والله أنك لن تستطيع 0
وكان أبي متشائما لأنه يعرف شوكة الخصم ، وقد رأى حسن الواعظ هذه الشوكة هو ومن معه وتأكدوا من صرامتها عندما دخل بالعربة التي يستخدمها للدعاية بلد الخصم فتصدى لهم الفتوات وهددوهم بتدميرها إن اقتحموا عرين الأسد 0 عودوا من حيث جئتم 0 بل إن الكثيرين في بلدنا نحن من أنصاره ، ويعقدون آمالهم عليه ، ويقولون هو الذي سيحقق الحلم ويبني الكوبري على النيل 0 وإذا كان في فترته البرلمانية الأولى لم يفعل لهم شيئا فكم من خدمات شخصية فعل للشلة 0 وهو اليوم يقسم أن تكون الفترة القادمة خيرا وبركة على الجميع والكوبري على الأبواب ! بل إن كبار المهندسين في القاهرة بدأوا في التخطيط له فعلا 0 وثمة مجموعة أخرى تتهمهم بالخيانة وتحاورهم مع ذلك بالتي هي أحسن لكي يعودوا إلى رشدهم وينتخبوا ابن بلدهم حسن الواعظ 0 لن يحل مشاكلكم سوى ابن بلدكم 0 هو الذي ينتمي إلى هذه الأرض وهذا الطين وهو الذي سيعمل على تحقيق الأحلام 0 يا خلق الله 00 افهموا ! كل المدرسين وعمال المدارس وأولياء الأمور هنا مع حسن 0 وهكذا بدأت مظاهرات التأييد : بالروح بالدم نفديك يا مدير 0 ليس في القلب إلاك يا حسن . وكان أتباع الباشا هنا قد انكمشوا وتضاءل حجمهم بل ودخلوا الجحور 0 إلى أن جاء يوم 000
سرت إشاعة مفادها أن الكوبري سوف يقام بالفعل وأن الذي سيقيمه هو الباشا وأن احتفالا كبيرا سيحضره كثير من كبراء القوم سيأتون من القاهرة ليناقشوا مشاكل أهالي الناحية وأن النائب الذي ظنوه قد تخلى عنهم في الفترة السابقة كان يخطط ويتكتك في صمت ليحقق أملهم في بناء الكوبري 0 وهاهو الأوان قد آن 0
............................... يتبع


 الفصل الثاني

منافسة غير شريفة

وقبل المؤتمر الشعبي بنصف ساعة كان الباشا ووزراء جاءوا من العاصمة يقفون على شاطئ النيل أمام مبنى هندسة الري ويضعون حجر أساس الكوبري كاد الأهالي يحملون عربة الرجل على أعناقهم 00 بل وكادوا ينتزعونه انتزاعا من العربة ليعانقوه ويقبلوه 0 ولم يبخل عليهم جنابه ففتح شباك العربة وأخرج عصاه الثمينة التي توارثها عن جده فاندفع إليها حشد من الأهالي البسطاء لتقبيلها في استمتاع 0 استبشروا خيرا بالمستقبل ولاموا أنفسهم على أنهم شكوا لحظة في الرجل النزيه صاحب الإنجاز
وبعد المؤتمر أرسل الباشا إلى حسن الواعظ مرة أخرى ليتنازل فرفض0 مالت الكفة لصالح الأقوى وإن كان أبناء ناحيتنا يبتسمون في وجه ابن البلد فإنهم كانوا يرثون له 0 قلوبهم مع علي وسيوفهم مع معاوية 0 إلا أن المعلمين مازالوا يصرون أن أصواتهم لن تذهب للغريب 0 بالروح والدم نفديك يا حسن 0 فيبتسم الرجل ويأمل 0
واقترب اليوم الموعود ، ووصلت إلى الإدارة التعليمية كشوف كثيرة تحتوي أسماء معلمين كثيرين 00 كل هؤلاء ؟ 00 إنهم منتدبون كرؤساء لجان خارج المحافظة !! أي لن يكونوا هنا يوم التصويت ! لن يقفوا إلى جانب حسن 0 باختصار 00 نجح الباشا 0
تمالك حسن الواعظ نفسه وأقنعه أحباؤه أن يذهب إلى الرجل ليبارك له فوزه فطاوعهم عسى أن يعيده إلى عمله لكنه رفض استقباله كما قال أغلب الناس أو لأنه كان في القاهرة وقتها كما قال القليلون ! وربت أبي على كتفه فدارى دمعة تتحدر على خده وهو جالس على شلتة على حصير عندنا 00 يبدو أنني لن أتمكن من العودة إلى عملي
- صبرك بالله !
- حجتهم أنهم يخشون أن أنتقم ممن لم يعطوني أصواتهم من العاملين بالإدارة وخيروني بين وظيفتين أخريين قلت لهم : أنا رجل كبير السن ولا أتحمل مشقة السفر يوميا فقالوا : لقد كنت أثناء الدعاية الانتخابية لاتكل ولاتمل ولاتهدأ 00
وبعد أسابيع أزيل حجر أساس الكوبري وألقي به في النيل وقيل إن المكان غير مناسب وقيل إن الكباري تتكلف كثيرا ونحن نستعد للحرب وهناك أولويات00 وقرر حسن الواعظ أن يستريح 0 أو هكذا قررت آلامه النفسية والجسدية وخصوصا القولون العصبي 00 طار النوم من عينيه 00 يستيقظ فجأة على جبل يتحرك في بطنه فيجلس في سريره حتى الصباح زرته في بيته على النيل 00 وتعاطفت معه 0

حديث النهايات

دخلتُ حجرة أبي الذي تتدهور صحته وهو لا يدري أنه فريسة مرض خطير 0 وكان أحيانا يخلق موضوعا للحديث أو قل يبعدنا عن مجال مرضه خوفا علينا فيسأل مثلا : ألا يمكن أن تتكرر غزوة بدر مرة ثانية ؛لا تقولوا عني مجنون فأنا أتمنى تكرارها بصورة مختلفة 00 تنزل الملائكة من السماء في زيها الأبيض على أفراس بيض يضربون أعداء الله على أعناقهم وعلى أطراف أصابعهم ويشفي الله صدور قوم مؤمنين . ويغيب ببصره وكأنه ينظر داخل نفسه ويطلب مني بإشارة أفهمها أن أفتح الراديو على محطة القرآن الكريم ثم يتمتم داعيا : اللهم نصرك الذي وعدت 0 وذهبت معه بعد الظهر إلى الطبيب الذي يشرف على علاجه فاليوم موعد إزاحه الرباط عن الذراع المعلقة وتحريرها كي تعود إلى حركتها الطبيعية 0 وفي الطريق كان يتظاهر بالشفاء ويدندن : مشيناها خطا كتبت علينا 00 ومن كتبت عليه خطى مشاها 0 ويحدثني عن أيام الشباب وعذوبتها 00 تلك الأيام التي ،و إن كانت فقيرة في محتواها ، إلا أنها جميلة في استعادتها 00 واندهش الطبيب وهو يرى الورم كما كان فتعجب لأن المضادات الحيوية لم تفلح في إزاحته وفهم الحقيقة المرة 0 المرض الخبيث 0 إنه هو 0
- وما العمل يا دكتور ؟
- إما ان تذهبوا به إلى القصر العيني أو 00 تتركوه يقضي بقية أيامه في هدوء 00 لا داعي للبهدلة 0
ووشوشني ! عنده سرطان في العظام 00 لا تخبره بشيء!
ذهبت إلى أخي في طنطا لأستشيره ماذا نفعل ، ففرت دمعتان من عينيه وجاء ورأى والدنا كالعصا اليابسة . أحضر لك طبيبا يا أبي ؟
- وجودكم حولي قرة لعيني 0 الله هو الشافي
ثم همس لزوجته : غطيني !


صاحب قبة



حطت غربان المرض على شجرة كامل الواعظ وتكاثرت 0 يهرب الشاب من قتامة التفكير في والده إلى عتمة اضطراب مستقبله ويتمنى لو صدر قرار بتأجيل الدفعة عاما واحدا فيتسلم وظيفته ويبدأ حياته الجديدة 0 يهرب إلى جوار حسن الواعظ أحيانا ويطل على النيل من شرفة جانبية لا يفصله عن النهر سوى غابة صغيرة جدا من الأشجار السامقة تضفي على الصورة الجميلة أصلا جمالا إضافيا 0 إلى اليسار يقف مقام الولي كأنما يعترض الطريق 0 يقول البعض إن صاحب هذا المقام رجل من الفرنجة جاء مع نابليون وقتلته المقاومة وأقيم له هذا الضريح تخليدا لذكراه ،و عاما بعد عام نسي الناس الشخصية وتمسحوا بالأستار ! وإذا كانت هذه القصة مشكوك فيها إلا أنها رائجة 0 ويؤكد الأغلبية أنه مغربي أو من بلاد الحجاز 0 ورأى أبو دقة في المنام أن صاحب المقام قد جاءه في ملابس بيضاء ناصعة تضيء لشفافيتها ،وكلفه أن يبذل جهده حتى يكون احتفال سنوي به فصرخ : لماذا قصدتني وأنا ضعيف ؟ وفي الصباح هرع إلى حاكم المدينة وحاول إقناعه : إذا أصبح الشيخ مشهورا فإن البلد سيستفيد من وراء ذلك 0 انظر مثلا يا سعادة الباشا إلى طنطا 0 هل أصبحت مشهورة إلا بفضل السيد البدوي ؟ ودسوق 0 ألم يرفعها إبراهيم الدسوقي إلى عنان السماء ؟ وبلدتنا هذه لن تعلو إلا إذا احترمنا ولي الله الراقد في رحابها واحتفلنا به 0
يتطلع عبد المنصف إلى الجزيرة الراقدة في النيل ويسعد بالاتصال الوجداني مع حسن الواعظ 0 أحيانا يأخذه من يده وينزلان للجلوس على قهوة شبل ليشرب الرجل الشيشة بينما يتناول هو الشاي الكشري 0 يعيش حسن في هذه الشقة مع حفيدته سلوى التي ماتت أمها وتركتها ،و تزوج أبوها وتركها 0 هي الآن في رعاية جدها 00 أو قل هو في رعايتها ! دائما تملأ صدره بالياسمين !0 إلى السوق تذهب وتشتري وتطبخ وتذاكر وتبحث عن محطات الموسيقى في الراديو 0 تستعد هذا الصيف للدخول إلى الثانوية العامة 0 عرض عليها عبد المنصف أن يساعدها في اللغة الانجليزية ففرحت ورحبت وجلست أمامه كالقطة تنبثق من أغوار عينيها موجات تتكسر على صخور شواطئه القاسية 0 تنطبق شفتاها أو تنفرجان ولكنهما في الحالتين أوراق وردة في ريعان النضوج 0 يكاد الدم ينبثق من الشفة السفلى الصارخة والفتاة الغريرة تدرك كل هذا 0 وفي لحظة من اللحظات تمنى الفتى لو قطف إحدى أوراق الوردة ولكنه كشر وجهه وانهى الدرس مؤقتا 0

عودة الذكريات

كان هو في المدينة الجامعية و زملاؤه في شقق مفروشة في كامب شيزار يفعلون الأعاجيب 0 ذهب ذات مرة لزيارة أحدهم فعلم بإشارة من صديقه أن ثمة امرأة بالداخل وأن الولد ينتظر دوره ليدخل 0 تلقى عرضا للمشاركة المجانية 0 جاء إليه شبح الشيخ محفوظ ودرس العشاء في الجامع البحري وقصة ملخصها امرأة عفيفة متوفاة ضربتها العجوز التي تغسلها على فرجها وتلفظت باتهام فحدثت المعجزة ! التصق كف العجوز بمكمن العفة 0 حاولت التخلص فلم تفلح وتم استشارة أحد الصالحين فظل مع العجوز حتى علم ما حدث فأفتى أن يقام عليها حد القذف فجلدوها فانفصلت اليد والجسد بعد التصاق 0 هذا ما قاله الشيخ وسط اندهاش الجميع ومصمصات شفاههم وخوف الصغار وخشيتهم 0 اختلى الصغير عبدالمنصف بأحد زملائه الكبار ليسأله عن معنى فرجها فهزأ به : اسأل أمك ! . دار بينهما شجار وعاد إلى منزله وهو ينزف وكانت حكاية !
- ما رأيك ؟ لا تتردد إنها فرصة العمر !
لكن الشاب المبهوت افترض أن عضوه سيستقر في تجويف جسد المرأة ويلتصق وسيأتي والده من القرية يجر ثياب الخزي والعار وسيقترح البعض قطع العضو من جذوره 000 لم يفعل إلا أن ثار على زميله وأنبه فدفعه هذا إلى خارج الشقة : طول عمرك كــاسفنا !
ما أجمل شفتيك يا سلوى يا قريبتنا !! لو لم يكن القلب أسير زينات !
وعاد إلى والده في القرية وكانت أمه متلهفة على قدومه : أبوك تعبان يا عبد المنصف
- لا تضايقيه يا أمي بإصرارك على استدعاء الطبيب 0 إنه لن يقبل هو أدرى بحالته
ودمعـــت عيــناه 0وفي هذه اللحظة خطر خاطر خبيث في رأسه :ماذا يكون الحال لو مات هذا الرجل الآن ؟ هل يعفيني هذا من التجنيد ؟ إن أخي فهمي في البوليس وليس له تجنيد فهل سأكون أنا العائل الوحيد لأمي؟
جبان 0 وخذته إبرة في قلبه فاغرورقت عيناه بالدمع الساخن 0دخل على والدته واحتضنها 0 دخل على والده الراقد في استسلام وشحوب وقبل جبينه ومسح على وجهه وانتحب 0 أجل انخرط في بكاء هستيري ودعا الله له بطول البقاء : سامحني يا أبي 0 سامحني 0


هو أشجع مني!

ذهبا معا إلى مديرية التربية والتعليم للتوزيع 0 تقاربا شعوريا وابتسما بالقلب 0 كأن زينات لم تعد فاصلا بينهما 0 ما دمنا قد تعاهدنا على الصداقة فسأحكي لكي حكاية 0 منذ أسابيع قلت لنفسي لابد من خطوة إيجابية وسافرت إلى القاهرة وفابلت زوج أخت زينات عبدالله أفندي لأجس النبض !
- معقول ؟
- قال لي إن أباها لا يريد أن يزوجها إلا من إنسان مستقر وأخبرني أن شابا من البلد طلبها ورفضوه لنفس السبب
- ورفضوه ؟! هل قال لك هذا اللفظ ؟
- ليس بالضبط ولكن هذا ما فهمته 0 إما أن يكون العريس معافى من الخدمة العسكرية نهائيا أو فليبحث عن عروس أخرى !

يا ربي ! صديقي أشجع مني وأصدق 0 لقد حكى لي عن مكنون قلبه وأنا أخشى أن أحدثه عن نفسي 0 لماذا لم أتشجع وأقول له : لقد سبقتك وأخذت منهم الرد الذي سمعته أنت من زوج أختها !
وكانت زينات قد استقرت في المدرسة الإعدادية بالمركز منذ يومين وتم الآن توزيع عبدالمنصف ومجاهد في نفس المدرسة 0 ترى كيف سيكون لونها عندما ترانا داخلين عليها نحن الاثنين ؛ هل ستبتهج أم ستفاجأ أم 000 ؟ ألم تصلك أنباء عن تجنيد الدفعة أم تأجيل تجنيدها ؟ أريد أن أطمئن 0
- حتى الآن لايوجد حس ولا خبر 0
استلم كل منهما خطابه وفي الطريق وهما راكبان عربة حسن بليح أحس عبدالمنصف بانقباض فسره بأن معركة ستنشب بينه وبين غريمه في المدرسة ولن تنتهي 0 لم يكن هذا هو التفسير الصحيح 0 قابلته والدته ولم تنطق فعلم أن أباه في كرب شديد 0 دخل عليه 0 طلب الرجل ماء فشرب من الكوز الصغير لأن القلة التي يفضلها صارت ثقيلة عليه 0 دخل عبدالمنصف وجلس على حرف السرير 0 ربت على كتف والده بحنان وقبله مرات 0 وخزته الشوكة في قلبه :كيف فكرت أن أجعل من حياة أبي وموته سلما إلى مصلحتي الشخصية ؟ لو مات أبي الآن لن أستطيع ان أسامح نفسي 0 سأستلم عملي غدا يا أبي !
- صحيح ؟ الحمد لله
أما الأم فقالت من قلبها : يا ألف نهار أبيض 0

وداع بائن

وفي صباح اليوم التالي وعبدالمنصف يتأهب للذهاب إلى المدرسة كانت حالة الوالد لاتسر 00 تمتم : أوصيكم أن يكون العزاء على الجبانة 0لاداعي للسرادق 0 أريد أن أرى فهمي قبل أن 000 أوصيكم بأمكم خيرا 000 وفتح عينيه على اتساعهما فقامت زوجته بإغلاقهما 0 ضربت صدرها بكفيها ثم تمالكت ومسحت دموعها بكم جلبابها ، وعند الظهر وقف فهمي وعبدالمنصف وحسن بليح وحسن الواعظ يتلقون العزاء عند المقبرة وعندما هموا بالعودة اقترب أحد المخبرين من فهمي وقال له بعد أن عزاه : أخوك مطلوب للتجنيد خلال هذا الشهر!
- عنده إعفاء لأن 000
أخذ مجاهد جواب صديقه وذهب به إلى المدرسة لاستلام العمل وحدث الناظر عن الظروف فتفهم الموقف : سأذهب معك لأداء الواجب
وفوجئ عبدالمنصف بمن يدخل عليه ويعانقه في حرارة :هل تحتاج إلى أية مساعدة ياولدي ؟ قل ولا تنكسف 0 أنت ابني وأنا والدك0
بعد أسبوع من الوفاة قام أخوه بإعداد أوراق تأجيل التجنيد أي إنه سيبقى في المدرسة أما مجاهد فأمامه أسبوعان ليرحل ! 0 وبفقد الراحل اختفى قرص شمس عن سماء منصف : وجهك يا أبي يطل علينا كملاك فاقد النطق ! لو كان وجهك يشرق لحظة واحدة أراه فيها ثم يختفي ! لو أسمع أذان الفجر بصوتك مرة واحدة 0 مرة واحدة ويتلاشى مع الصدى ؛ 0 وكان حسن الواعظ قد ألح عليه أن يزوره فوعده ان يفعل 0 وكانت سلوى تضع طرحة سوداء حول وجهها ، أما أم زينات فجاءت لتعزية أم منصف وجلست مع الجالسات في الصالة الحزينة ،و في المدرسة عندما قابل فتاة أحلامه في طابور الصباح هرعت نحوه لتعزيه 0 تذكر عندما قابلها على سلم الكلية منذ أعوام لدى عودتها بعد العملية حين قال لها : حمدا لله على سلامتك فطارت فراشة واحدة من فمها : شكرا 0 والآن ينفض القلب التراب عن إهابه 0 هنيئا للخافق المعذب برؤية المحبوب يوميا 0 وأحس بكيانه في المدرسة خاصة وأنه متخصص وهو لاينكر كفاءة بعض غير المتخصصين ولكنه أكثر منهم شرعية 0 ويناديه تلامذته : يا مستر منصف طلب عديدون منهم أن يعطيهم دروسا خصوصية وقال لهم : ليس الآن 0 انتظروا ليس الآن 0 انتظروا فقد لا تحتاجون إلى ذلك 0 ولكن ما العمل وهذا المرض المعدي يستشري سريع العدوى ؛ إنهم يلحون عليه بل وجاءه أولياء أمورهم يطلبونه بالإسم لتقوية أبناءهم 0

مستر منصف

وفي حجرة المدرسين ، في حصة خالية في جدول كل منهما جلس عبدالمنصف ومجاهد يتحدثان عندما دخلت زينات فتطلعا نحوها 0 هل أطلب لك شايا ؟وعندما رفضت قال مجاهد : آه يا آنسة ما ألذ القهوة التي شربتها عندكم !
- عندنا ؟ متى ؟
- أعني في بيت أختك بالقاهرة 0
حاول عبدالمنصف أن يشجع على الاستمرار في الحديث : في أية مناسبة يا صديقي ؟
- في مناسبة خطوبة 0 كنت أريد أن أخطب وذهبت إلى زوج أختها ليتوسط لي 0
نهضت لتغادر 0 إذن فهي تعرف أن الأمر يخصها 0 لقد أخبرتها أختها 0 ما أشد جرأتك يا فتى ! إنك أيها الماكر تحاول أن تعرف منها حقيقة شعورها نحوك 00 وأنا بغبائي أساعدك وأسألك : في أية مناسبة !
دخلت أم محمد بالشاي وقالت : بعض التلاميذ يريدونك يا مستر منصف !
ضحكت زينات من قلبها حتى أن ضحكتها رنت في الحجرة 0حتى أنت يا أم محمد تنادينه يا مستر منصف ؟!
- لقد فكرت أن ذلك هو اسمه !
- يا خبيـــثه !

تكريم الشاويش مجاهد

لم يمض أسبوعان على بدء الدراسة حتى قال مجاهد : آن الأوان لنفترق أيها الأصدقاء 0 سأزوركم حتما في أول إجازة 0
قال الشيخ ابراهيم مدرس أول اللغة العربية :
- أبشر يا فتى 0 أنت الذي ستطرد اسرائيل وتلقيها في البحر 0
- يا مولانا 0 هون عليك 0 نحن لا نريد إلقاءها في البحر ليأكلها السمك فيموت ! ولكنا نريد زحزحتها عن كاهلنا لنتنفس بحرية 0
وقف مدرس الرياضيات وأشار بالمسطرة المتر التي يرسم بها على السبورة :
- انتباه يا دفعة ! لا ترفع عينك إلى وجهي وأنا أكلمك ! لماذا تتحرك ؟ اسكت ولا ترد ! اسكت يا منجل ! قدمك يتحرك داخل البيادة ! لا تعترض ! ليس في الجيش غير حاضر ونعم ! نفذ الأوامر !
ومجاهد يتجاوب وينفذ كل أمر 0 حاضر ياافندم تمام يا افندم 0 ثم قال لزينات: غدا ستعرفين قيمتي يا آنسة ! عندما أغادر هذا المكان سيتحتم عليك تدريس حصصي بالإضافة إلى حصصك 0 كان الله في عونك مقدما 0
- سأطلب من الناظر أن يستعجل التوجيه لإرسال من يحل محلك 0
- سامحك الله ! وهل يوجد في الدنيا كلها من يستطيع أن يحل محلي يا زينات ؟
وشــد على يدها 000 سأحمل لهذه المدرسة أجمل الذكريات
- أسريعا ماصار لك ذكريات فيها ؟
- يكفي انني رأيتكم عن قرب 0 كنا في الجامعة ولم نتقارب إلا هنا
قال الشيخ ابراهيم : عاشت مدرســتنا
أما هي فقالت : مع السلامة يا شاويش مجاهد ولا تقطع الجوابات !
- الله ! سكــر مكرر !
وضحكوا جميعا وتمايل الورد في خدودها 0 أنتِ متفائلة يا آنسة 0 لن يترقى إلى درجة رقيب إلا بعد أن يشيب !
وعانق عبدالمنصف صديقه الذي كان يلقى على المدرسة نظرة عجيبة 0 ولم العجب وقد ترك بها قلبه عصفورا في قفص ؟ وها هو يمر على الفصول فصلا فصلا ويعانق المدرسين ويصافح المدرسات ويتحدث إلى التلاميذ واصفا إياهم بالرجال فخرجوا وراءه في مظاهرة داخل أسوار المدرسة وبكى بعضهم لوداعه أما عبد المنصف فأخذ يرقب المنظر ويتعجب !


يسبقه قلبه


لم يكد عبد المنصف يطمئن لمغادرة مجاهد ساحة الصراع تاركا إياه وجها لوجه مع فتاته التي يهواها حتى ظهر الوجه الجديد 00 خميس0 مدرس المواد الاجتماعية البديل 0 الأناقة والشياكة والعطر الفواح 0 البسمة التي لا تكاد تنطفئ إلا لتومض من جديد 0 العينان اللامعتان الضاحكتان دائماً 0 غريم لا يستهان به على الإطلاق 0 بل تستحيل مقاومته 0 يده خالية ليس بها دبلة خطوبة 0 هو وزينات على كرسيين متجاورين تشرح له : تكتب توزيع المنهج في أول صفحتين في كشكول التحضير 0 لا تنس أن تسجل أهداف تدريس المادة 0 على السبورة تكتب ملخصا وافيا لما تقول وإياك أن تنسى كتابة التاريخ الهجري بالإضافة إلى التاريخ الميلادي
وبين الحين والحين يرسل إليها شعاعا من عينيه الزرقاوين العميقتين كالبحر 00 يقرب جفنيه قليلا وكأنما يمسك بهما حجرا كريما صغيرا ويقول لها : خذي !!
كيف سيعرف النوم عينيك يا مستر منصف ؟! القلق يطاردك وإحساس المشتري المغبون يعدو خلفك ويدق بابك دون هوادة 0 وكلما لمحت ابتسامة على وجهها اشتعل في حناياك عود ثقاب 0 استجمع أطراف شجاعته عندما كانت وحدها تختار خريطة تعينها على شرح الدرس
- زينات 00 من فضلك 00 أريدك في كلمتين
ودار بوجهه في كل ناحية ليطمئن على أن أحدا لم يسمعه بينما هي كانت ما تزال تنظر إلى الخريطة 0 سأل نفسه :
- كيف أحدثها في حجرة المدرسين وهذا داخل وذلك خارج والثالث يمد أذنيه ليسمع كل شاردة وواردة ؟
أنقذه الجرس فدخل فصله وأشار للتلاميذ أن اجلسوا 0 كل واحد يطلع كتابه ويبص فيه 0 ذاكروا الدرس الأخير جيدا واستعدوا لامتحان الشهر غداً 0
لا أريد أن أسمع كلمة واحدة لأن عندي صداع شديد 0
وجلس ولأول مرة يجلس ولا يشرح 0 وما أطول الحصة حين يجلس المدرس .سمع رنين الجرس بعد زمن طويل 0 حمل حقيبته ولم ينس أن يصيح في الأولاد : لا تنسوا غدا امتحان الشهر 0
غادر إلى حجرة المدرسين يسبقه قلبه ووجدها خارجة من الفصل المجاور 0 مرت الخمس دقائق بين الحصتين فنهض المدرسون إلى فصولهم ولكن زينات بقيت مكانها 0 إذن فهي خالية وهذا من محاسن الصدف 0 استجمع شجاعته وهم أن يحدثها إلا أن صوت الآنسة بهيجة جاءه كالصراخ : مستر منصف، من فضلك 0 هل تتكرم وتدخل الحصة بدلاً مني ؟
- الصداع ثقيل علي 0
- ولم يأتيك الصداع كفى الله الشر ؟
- لأن الزمان لا يريد أن ينصفني 0
- ادخل مكاني ولا تشرح أو 00 سأزعل 0
- إذا زعلت سأصالحك 0
- لا أريد منك شيئا 0 حبيبتي زينات ستدخل مكاني 0
- لا دعيها إنها مجهدة !
يبدو أن زينات قد أحرجها ذلك التدخل من جانبه فقامت لتقول لزميلتها
- أمري لله 0 في أي فصل يا أختي ؟ سأذهب مكانك 0
ومضى خلفها ليرجوها : لاتدخلي الفصل 0 سنجلس أمامه 0 سأطلب من أم محمد أن تأتي لنا بكرسيين 0 أريد أن أتحدث إليكِ0
- غير ممكن
- إذن أنت ترفضين الحديث معي !
- بل أرفض المسامرة أمام الفصول 0 لماذا تأخذ الأمور بهذه الحساسية 0 سأدخل الحصة ثم نتحدث بعدها إذا شئت 0
كالطفل الباكي الذي ألقمته أمه ثديها فسكت 0 هدأت مشاعره وانتشى 0 وقف في شباك حجرة المدرسين ينظر إلى الحقول الممتدة خارج المدرسة وكانت السحب قد تحركت قادمة من الشمال ، والجو يشي بالرطوبة التي تنعش القلب 0 دخن سيجارة وكان قد بدأ بالتدخين منذ أن أعطى الدروس الخصوصية فقد استأجر حجرة بالقرب من المدرسة لهذا الغرض 0 وعندما يعود إلى القرية يجد مجموعة أخرى من التلاميذ في انتظاره 0 بدأت حالته المادية تتحسن0 اشترى حلقا ذهبيا لسامية ابنة أخته المتفوقة في دراستها وبدأ يدخر ويتفاءل بالمستقبل0
- آنسة زينات
- أرى وراءك كلاما مهما جداً جداً
- حتى الآن لا أعرف ماذا كان رأيك في الزيارة التي قام بها والدي لكم ! أعني هل أستطيع أن أكرر المحاولة وأتقدم من جديد ؟
- أستاذ عبد المنصف 0 هل سألتني في المرة الأولى عن رأيي حتى تسألني هذه المرة ؟
وران الصمت لأن خميس ظهر في مدخل الحجرة يسبقه عطره الذي استشعرته وحدها 0 عطرك يشي بقدومك يا أستاذ
- إذا لم يكن لديك مانع أهديتك النوع الأنثوي منه
- أشكرك 0 أخاف من غضب أبي لو تعطرت !
- إنه رجل صعب ومخيف
- اسأل عبد المنصف عنه
ارتاح لأنها أشركته في الحوار فأكد : بل هو أطيب رجل في العالم 0 ثم صمت 0 انظر كيف ينساب حديثها كالينبوع ! هل سيبقى خميس أم يغادر المكان ؟ بل غادر ليلحق بالقطار 0 تبعـته بنظراتها حتى اختفى واستطرد زميلها :
- باختصار00 أكرر طلبي السابق 0 فكري على مهل فإذا وافقت سأتقدم وأطلبك 0 وإذا - لاقدر الله - لم تجدي في الرجل الذي تردينه فالدنيا لا تستحق في نظري أن يعيشها الإنسان 0

كنوز أم البرعي

وصل إلى الحجرة التي يقابل فيها التلاميذ ومعه كيس فاكهة وساندويتش 0 أكل وشرب الشاي واستعد لإعطاء الدرس 0 دق الباب 0 وجه المرأة التي قابلته منذ ثلاثة أيام لتسأله عن ابنها 00 دلفت 0 رفعت الطرحة عن رأسها فانسكب شعرها الغزير حتى تمنى الفتى أن يلمه ! كأنما انفرط عقد ثمين 0 كيف حال برعي يا أستاذ ؟
- أليس عندي سوى هذا البرعي يا ست ؟
- أريدك أن تهتم به أكثر 0 وأستأذنك أن تذاكر له عندنا 00 في شقتنا 00 هل ننتظرك بعد هذه الحصة ؟
لا ينكر طغيان أنوثتها. قال وعيناه لابدتان في مفاتنها:
- عندي حصة غيرها ثم أعود إلى قريتي عندي حصص هناك 0
- يمكنك أن تتغدى عندنا 0 ستذوق طبيخي وتأكل أصابعك وراءه 0 لا تكسفني 0 فقط 0 اهتم بالبرعي 0 هل ستأتي ؟
- اليوم لا 0
- إذن موعدنا الغد ؟ هل يأتي البرعي ليريك المكان ؟
إن هذه المرأة تريده لاشك 0 أحس بالنشوة 0 سعيد هو لأن امرأة ما ترغبه 0 صدرها رجراج كالبحر 0 جمعت أشتات شعرها وأحكمت الطرحة السوداء حول طبق القشدة ، ثم وهي خارجة :وحياة عينيك لا تكسفني ! . مدت إليه يدها وتركت الطراوة كلها في يده 0 جاء التلاميذ فأمتعهم بشرح حصة لا مثيل لها 0 ماذا كان طعامه قبل الحصة ؟ سندوتش فلافل ؟لايمكن 0 لقد أكل ديكا روميا محشوا باللوز ! سأنتظرك وحياة عينيك 0 ما هذا الذي يتدفق في عروقه ؟ دم جديد؟ هل امرأة كأم البرعي هذه يمكنها أن تهدي إليه كل هذا الفرح وكل هذه الفوى الخفية التي تتنطط في بدنه ؟ . قبل أن ينام استحضر صورة سلوى حفيدة الواعظ وبراءتها وأوراق وردتها ثم قال: أحبك يا زينات ! ثم استحضر وجه أبيه وغاص في النوم 0
في الصباح لم تحضر زينات إلى المدرسة 0 بحث في كل مكان 0 لا تفسير لذلك سوى أنها تتهرب أو تتردد أو 000 تعطي نفسها فرصة 0 هل تتمنعين ؟ تعالي شوفي كيف تريدني أم برعي بكنوزها وقطيفتها وملبنها وكل ما فيها من ينابيع ! 0 قال لتلميذ : اعتذر لزملائك عن المجموعة فأنا مسافر اليوم بعد الدراسة وسأعوض لهم الحصة فيما بعد 0 وقال للبرعي في الفسحة : خذ هذه الجنيهات واذهب إلى ماما وقل لها : الأستاذ سيتغدى عندنا اليوم 0 دخل الحصص وهو مستسلم للبهجة 0 يطرد أي شعور مضاد 0 كره الهامش 0 الاستقامة على طول الخط لم تعد تقنعه 0 شعر أم برعي الفاحم ينفرط كسباطة بلح طايب ويقع في حجره فيلمه 0 صدرها يترجرج أمام عينيه فيدخل راحتيه في الدوامة 0
أصر برعي أن يحمل عنه حقيبته وسأله : أأنت قريب ماما يا أستاذ ؟ هي التي أخبرتني 0 دخل الصبي وهو وراءه 0 رائحة اللحم الذي يطش في الطاسة تحرك الشهوة وتجري اللعاب 0 جو عائلي أليس كذلك ؟ تناول الكوكاكولا وهو يشرح للولد بعض الأساسيات البسيطة في اللغة ورائحة التقلية تهب من المطبخ كالمسك ! أزاح الصبي كتابه وكراساته من على الترابيزه وفرش عليها ورقة جورنال وبدأ في نقل الأطباق من المطبخ ثم جاء صوتها يسبقها : البيت نور يا قريبنا 0 والدتك ووالدك كيف حالهما ؟
وهي تعرف كيف تضفي على جليسها جوا من المرح ففتحت شهيته لكل شئ 0 بعد الغداء قالت لابنها : لا تنس موعدك مع مدرس الرياضيات يا برعي 0 بيته بعيد 0
ران القلق على وجه الأستاذ لا يدري أيبقى أم يمضي إلى حال سبيله 0 أخذ الصبي كراسته وكتابه وأمه تؤكد له : الأستاذ سينتظرك حتى تأتي يا حبيبي 0 ثم مالت بوجهها وأشرقت : أنا زعلانة منك يا سي منصف ! خذ فلوسك يا رجل 0 نحن لسنا بخلاء 0
- هل أنتما وحدكما في الشقة ؟
ووجد يده تمتد إلى كتفها فضربته بحنان على ظاهر يده : انزل يدك يا شقي ! طبق البنور الملئ بالعسل يتطلع نحوه بإغراء : لا أعرف كيف ارتحت لك 0 ولكن إياك أن تظن أنني واحدة من إياهن !
لعابه يسيل ولا يدري كيف يبدأ 0 همت بالنهوض لتعد الشاي فأحاطها بيده لتجلس 0 تجرأ وسألها : هل أتشجع ؟ ألا يمكن أن يدخل أحد علينا ؟
تورد العسل في طبق البلور وتمنى عبد المنصف لحسة واحدة 0قامت وفتحت باب الشقة ثم عادت وجلست إلى جواره . أقسم بشرفي أنني لم أسلم نفسي لرجل سوى المرحوم !
- النبات العطشان يطلب الري !
- لن أستطيع أن أعطيك ما تريد
- لقد فهمت غير ذلك 0 إذن لماذا لم تتزوجي ؟
- كي لا أفقد معاش المرحوم 0 المعاش كبير وخسارة يضيع 0
قام وأعاد إغلاق الباب فضحكت وسألته :
- ماذا تفعل يا مجنون ؟
- تعــالي 00 وأحاطها بذراعه ومشى بها منقادة إليه إلى الحجرة الأخرى
- ماذا تريد ؟ ربما يأتي الولد سريعا 0 لا 0 هذا غير ممكن 0 مستحيل 0 شايفنا ! أشارت إلى صورة معلقة على الجدار
منذ أن استشهد في حرب 67 وأنا أصون ذكراه !
كأن عقربا لدغت عبد المنصف 0 صاح فيها : كذابة ! أأنت أرملة شهيد ؟ انطقي!
- أجل وهذه صورته أمامك
أشاح عن الصورة وصرخ في المرأة : إذن صوني نفسك واحترمي ذكراه ! إياك أن تخوني الدم المسفوح والعظم البائس ! تزوجي إن شئت أو لا تتزوجي ولكن إياك والانحراف ! سيأتي ابنك مع زملاته أهلا وسهلا 00 لن آخذ منه مليماً واحداً طوال السنة إكراماً لهذه الصورة 0 إياك أن أسمع عنك ما يسوء 0 لقد ضحى بروحه من أجل وطنه فهل نضحي به من أجل نزوة ؟
- أنا لست منحــرفة كما تقول !
صفق الباب خلفه وهو خارج 0

مجاهد يقفز من الطائرة

ها أنت في صحراء العامرية يا مجاهد 0 أين التلاميذ الذين يقفون لك احتراماً ؟ المدرسة تعشش في القلب كيمامة 0 البراعم يتفتحون أمام كل شمس تشجعهم بالدفء ثم هناك الوجه الحبيب ووجوه حلوة كثيرة والقلب وما يريد 0 قف أنت الآن متى رأيت شريطين على كم قميص 0 أربعون يوما تقصت وأنت في صحراء العامرية في مركز التدريب الأولي 0 وعليك أن تضحك كلما تذكرت المهرجان الذي ودعك به زملاؤك 0 أيام حلوة0 ودخلت مدرسة المظلات بأنشاص 0 التدريب العنيف 0 تدريب أرضي أولا للاستعداد للقفز من الطائرة والتدريب على المظلة طيها وفردها ودراسة كل ما يمت إليها بصلة 0 والتدريب الليلي على القفز من الطائرة 0 اقفز أولا من أبراج عالية على حبال أو أسلاك مبرومة حتى الوصول إلى الأرض وفي الهبوط رجلاك مضمومتان وفمك مغلق وأسنانك محكمة وذقنك ملتصقة بالصدر 0
بعد التدريب تجئ الخطوة التالية وهي الذهاب إلى المطار حيث الطائرة معدة لعملية القفز في منطقة الإسقاط وكل جندي معه مظلته 0 مالك تجلس هكذا صانتا تترقب ؟ قلبك راجف 0 الباب يفتح والهواء يخطف والمعلم قرب الباب يكاد جلد وجهه يتماوج من الريح
- ستيك يمين 0 استعد للقفز !
ويقف الأفراد قرب باب الطائرة لحين صدور أمر : نور أخضر اقفز ! ينشطون واحداً بعد الآخر 0 تنفتح المظلة ويحاول الفرد السيطرة عليها بعد الهبوط وتطبيقها والرجوع فورا لمنطقة التجمع 0 بعد تمام الهبوط لجميع الأفراد وتمام عدم إصابة أحد أو تخلفه يبدأ الأفراد بأخذ الأوامر للتحرك وركوب العربات للعودة إلى مدرسة المظلات 0
في إحدى ساعات الراحة قرر أن يبعث برسالة إلى حبيبة القلب ! وما المانع ؟! لن يكتب شيئا خارجا عن حدود اللياقة على أي حال 0
" زميلتي العزيزة 000
وأنت تعرضين على التلاميذ خريطة مصر 00 تذكري أن زميلك يقضي أوقاتا طويلة في صحرائها 0 أرجو ألا تهتمي بالأخضر على حساب الأصفر 0 اجعلي للصحراء نصيبا من اهتمامك 0 مع احترامي "
وأرسل الخطاب إلى المدرسة ولم يكتب عنوانه وقرأ زميله عبد القوي الشاعر مسودة الخطاب 00 وبعد أن تمعن في السطور سأله :
- أهناك شخص تغار من وجوده بالقرب منها ؟
- ماذا تقول ؟! عجيب! كيف استنتجت ؟!
- في عقلك الباطن : أنت وصديقك كالنبات 00 هو بقربها فهو أخضر وأنت بعيد عنها فأنت أصفر وذابل 0 إنك تطلب منها ألا تنساك وأن تجعل للصحراء - التي هي أنت - نصيبا في اهتمامها 0
قام وعانق زميله الشاعر 0 ولم يمر أسبوع حتى كتب لها الرسالة الثانية 0
" عزيزتي الزميلة :عندما ترسمين خريطة الوطن العربي الكبير على السبورة ،و تكتبين كلمة فلسطين على جزء من أجزائها الغالية 00 تذكري أن هذه الخريطة ليست واقعية تماما ولكنها ستصبح كذلك عندما تسيل دماء وتدمر مواقع ويتفجر بركان الغضب 00"
ولم يكتب العنوان أيضا هذه المرة 00
" آنسة زينات :
يا بنة قريتنا الغالية 00 صدقيني 00 أشتاق للمدرسة ومن بها 0 أتمنى أن تريني وأنا في الملابس المموهة 00 مشدود القامة أسمر البشرة كأنني العم حبشي ! وأنا أسمع منك مرة أخرى كلمة " يا شاويش مجاهد " التي سمعتها منك وما زلت أسمعها 0 قوليها من بعيد 0 اهمسي بها وستصلني 0 صدقيني 00"
وفي اليوم التالي مباشرة كتب لها : " سأقوم بإجازة لمدة أسبوع ابتداء من الأحد القادم 00 سأزور المدرسة في اليوم التالي أو الذي يليه على الأكثر 00 أشتاق وجهك 00 "
انتهت الحصة الأخيرة يوم الاثنين ولم يحضر مجاهد 00 ماذا حدث لك يا زينات ؟ بين الحصة والتي تليها تسرعين إلى حجرة المدرسين وتأملين رؤيته 0 لقد استغربت جرأته ولكنك لم تغضبي 0 إنك تشعرين بالقلق عليه 0 لا تكابري 0 عادت إلى منزلها يشوبها الأسى مهما بالغت في المداراة 0 وفي اليوم التالي غادرت إلى المدرسة تردد : الاثنين أو الثلاثاء على الأكثر 00 هكذا قال !
أم هو عاد بالفعل يوم الأحد ولماذا لم يأت إلى المدرسة الاثنين ؟ أم إنه رجع أمس وسيأتي اليوم الثلاثاء ؟! وكانت في حجرة المدرسين والجو هادئ والزملاء في فصولهم عندما جاء صوت عم حبشي البواب : المدرسة نورت يا أستاذ مجاهد !
طرق باب صدرها من الداخل قلب قبضته قوية واشرأبت برأسها فرأتهما يتعانقان 0 لم يمض وقت طويل حتى كان يقف أمامها كعملاق أسمر مبتسما ويأخذ كفها الصغيرة البيضاء في راحته ولا تفلتها ويقول انظري إلى فارق الألوان !
- أعدك أن أكون في لونك عندما أدخل الجيش !
إذن فهي ليست غاضبة منه ولا حانقة عليه 00 آه 00 هذه اليمامة هي التي ستقرر مصيره 0 مرحبا يا شاويش مجاهد
- أنا أسعد إنسان على ظهر الأرض !
أجل 00 لقد نطقت بالكلمة التي يحبها ويهواها ،و التي طلب منها أن تناديه بها من بعيد 00 وسيسمعها ! هي التي تناديه بها ومن قريب وتردفها بابتسامة عريضة لو لم تغضب فقط لكفاه فما باله بكل هذه الفرحة التي في عيونها 0 ما أهنأه ! :لماذا لم تحضر أمس ؟
ما أسعده حقا !! دخلت امرأة تلف رأسها بطرحة سوداء ووجهها مدور سألت عن عبد المنصف قالت زينات : انتظري يا ست 0 اجلسي على هذا الكرسي 0 سيخرج بعد دقائق من الفصل وهمس مجاهد :
- زينات 0 هل أفتح لك قلبي ؟
- أكثر من هذا ؟ افتح هذه النافذة أولاً فالدنيا حر !
- نحن في الشتاء يا زينات
وتدخلت أم برعي في الحديث عن برودة الشتاء أثناء الليل الطويل ،و الرطوبة التي إذا دخلت عظم أحد فإنها تسكنه ولا تغادر 0 دق الجرس وظهر عبد المنصف فتعالى صياحه وصياح مجاهد وتعانقا 0 فجأة استدار فرأى الجالسة على الكرسي تتطلع نحوه 0 صاح فيها : ابتعدي عن طريقي !
- أنا لم أقف في طريقك يا أستاذ ولكني أريد الاطمئنان على مستقبل ابني 0
وأحس عبد المنصف أن مجاهد دائما يطارده حتى بعد أن ذهب إلى الصحراء ! ومع هذا عزمه على العشاء في منزله . دعوة مقبولة يا صديقي 0
قالت زينات : وأنا ؟ ألا يعزمني أحد ؟!

بعد سفر مجاهد

تمنى عبد المنصف لو كان هو الجندي المجند وأنه هو الذي عاد اليوم في أجازة ! وقرر أن يواجهها ليعرف ردها ويستريح 0 حدث هذا بعد سفر مجاهد بيوم واحد حيث اغتنم فرصة وجودها وحدها بحجرة المدرسين :يا زينات 0 بدأت أكره نفسي لطول ما سألتك 0 لقد تركت لك وقتا لتحديد موقفك وأرجو ألا أكون فرضت نفسي عليك 0 أتتجاهلينني ؟
- الحقيقة أني لم أفكر في الأمر كما يجب
- كل هذه المدة وتقولين هذا ؟ أصدقيني القول 0 إنني أتعذب إنك لا تعرفين كم أعاني 0 هل أنت قاسية إلى هذا الحد ؟ صارحيني هل في حياتك حد ؟
- ماذا تعني ؟
- الأستاذ خميس مثلا !!
انفجرت ضاحكة وكأنما لا تحس النار المستعرة 0 لم يرها تضحك بمثل هذا الانطلاق 0 ماذا تقول يا نبيه ؟ الأستاذ خميس متزوج وله طفل يدعى تامر !
- ومجاهد ؟
- لا أسمح لك 0
- علشان خاطري يا بنت الحلال أريحيني فأنا أعاني وأكابد 0 ثم قولي لي لماذا ضحكت عندما سألتك عن واحد ،وكشرت عندما سألتك عن الثاني ؟
- هذا شأني وحدي
- وأنا ؟
- ليس لك بي شأن !
- هكذا صراحة ؟ الله يسامحك 0 من حقي أن أعرف سبب الرفض
- أنا لا أرفضك 0 كلمة الرفض هذه كلمة كبيرة 0 أنت أكبر من ذلك 0 إنك تستحق كل خير
- وأين هو الخير ؟ألا لعنة الله على القلب الذي يحب دون استشارة صاحبه
- يا مستر منصف 0 يظهر إن أعصابك تعبانه 0 الزواج قسمة ونصيب وأنا لم أقرر بعد ، فلماذا تضايق نفسك ؟ من يدري أين مصيره ؟ إن أبي يريد أن أوافق على أحد الأقرباء وأمي تريد لي زوجا آخر 0 وأنا في حيرة 0 أستأذن !
عاد إلى منزله مع الغروب وكان العمال الذين يقومون بتركيب البلاط في المنزل قد انتهوا لتوهم من العمل 0 كان هناك لوح خشب موضوع على البلاط حتى يدوس عليه الدخل والخارج فلا يتقلقل البلاط تحت الأقدام وهو لم يتثبت جيداً بعد 0 بعد العشاء سألته أمه : متى سنفرح بك يا بني ؟ أغلق على نفسه حجرته 0 راجع ما دار بينه وبين زينات وفجأة لام نفسه لأنه تناول العشاء 0 كيف أكون بليد الحس لهذه الدرجة ؟ وفجأة أخرى أخذ ينتحب بصوت يظل يعلو شيئا فشيئا 00 آه ! أنا الذي أستأهل 0 أضعت الفرصة من يدي منذ سنوات عندما كانت في مستشفى الجامعة وتخلصت من زائدتين دوديتين أنا إحداهما ! انتهيت من حياتي وانطفأت شمعتك0 أنا الذي أطفأها 0

لا كلام في السياسة

وفي اليوم التالي - في المدرسة - عندما تلاقت الوجوه أشاحت بوجهها عني فاقتربت منها وحدثتها : آسف يا زينات ! أنت الآن الزميلة التي أعتز بها 00 وإذا حدث في يوم من الأيام أن خفق قلبك لأحد غيري وكان ما يسمى النصيب فسأكون أول المهنئين 0 وأنهى الحديث قبل أن تفيض عيناه ! . ثم 00 ما لبث في المساء أن راجع نفسه واستدرك 00 ألم تقل له إنها حتى الآن لم تقرر من تختار ؟ لماذا يتضايق هكذا والباب ما زال موارباً ؟لماذا لا يعطيها الفرصة كي تفكر على راحتها ؟ إنها لم ترفضه 0 هكذا قالت 0 ولو كانت كارهة لصارحته 0
في المكتبة اجتمع الناظر بأعضاء هيئة التدريس والإداريين ، وهذا الاجتماع طارئ وهام 0 ثم استعرض غياب بعض الطلبة والرسوم المدرسية التي لم يتم تحصيلها حتى الآن وغير ذلك ثم بعد صمت طال حتى يجذب الانتباه : الآن سأحدثكم في أمر خطير ! مدرس من المدرسين 0 اسمعوا 0 مدرس من المدرسين يتحدث في طابور الصباح ويتعرض للسياسة 0 أمر غاية في الخطورة 0
ودق بيده الغليظة على المكتب فدق قلب عبد المنصف 0 يحدث التلاميذ عن الأحداث الجارية 0 مالك وما للسياسة يا أخي ؟ نحارب أو لا نحارب ؟ مالك انت ؟ أمريكا وروسيا 00 مالك انت ؟ مالك وعام الحسم ؟ انتهى أو جاء غيره ؟ ومن أنت حتى تقول كلاما كبيرا كهذا ؟ سبحان الله ! لك مادة تقوم بتدريسها وعليك ألا تنحرف عنها قيد أنملة 0 أم إنك تريد أن تصبح وراء الشمس وتجرنا خلفك ؟ الحيطان لها آذان 0 أتسمعون ؟
- يا حضرة الناظر 0 اسمح لي ! أنا أرفع معنويات الأولاد وأجعلهم يحبون بلدهم أكثر 0
- ومن قال يا أخي إن الطلبة معنوياتهم منحطة ؟ ومن قال لك إن الطلبة يكرهون بلدهم ؟ اسمع يابني 0 واسمعوا جميعا 0 أي مدرس يتدخل في السياسة سآخذ منه مكرفون الإذاعة وأحرجه أمام الأولاد 0 وقد أبلغ عنه الجهات المسئولة !! أنتم تضطرونني إلى ذلك 0
ثم بعد أن هدأ : هناك موضوع آخر أريد أن أحدثكم فيه لأنني أعتز بكم وأعتبركم كباراً وأفتح لكم قلبي 00 كلكم كبار وليس فيكم عيل واحد 0!! اسمعوا !! ما رأيكم - وخفض من صوته - في تمثال جمال عبد الناصر الذي يقف عريضا في الطرقة أمام مكتبي وكأنه يسد الطريق على الداخلين أو الخارجين ؟!
- يا حضرة الناظر أنت الذي تتكلم في السياسة الآن !
- حسبت أنه لا يوجد بيننا أولاد صغار !! قولوا رأيكم بصراحة 0 أما عن صورة الزعيم الحالي والزعيم السابق فنحن والحمد لله ملتزمون كما ترون 0 نعلق صورة السادات إلى جوار صورة عبد الناصر 0 ها هما متجاوران 0 أما التمثال 00 فهل من الضروري أن يبقى مكانه ليسد الطريق ؟!
قال عبد المنصف : اسمح أي يا حضرة الناظر أن أتحدث ما دام لا يوجد بيننا عيال 0 عبد الناصر رحمة الله عليه كان مثالا للعظمة لثلاثة أسباب : أولا : لقوله : تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية 0
{ صفق الجميع للهجة التي قلد فيها الزعيم الخالد ما عدا الناظر طبعا لم يصفق لأنه الناظر 0 }
وثانيا : لأنه لم ييأس وقام بحرب الاستنزاف التي كبدت العدو خسائر ملموسة 0 وثالثا : لأنه انتقل إلى رحمة الله دون أن يترك لأسرته غير الستر !
- أنا لم أحدثكم عن عبد الناصر وإنما عن تمثاله الموجود في الطرقة لو وضعنا مكانه زهرية ورد جميلة مثلا ؟
- افعل ما تراه يا حضرة الناظر
- يا سلام ؟ بهذه البساطة ؟ وأقع في المصيدة وحدي ؟
- المهم أن يزال بهدوء وصمت يا حضرة الناظر
- عليك نور 0 والآن إليكم الحل أيها السادة : سوف توقعون على ورقة 00 ورقة أقول فيها إنني دخلت المدرسة اليوم أنا والزملاء أعضاء هيئة التدريس فوجدنا التمثال واقعا على الأرض !
- ومن الذي يوقع هذا التمثال الضخم يا حضرة الناظر ؟
- ما أدراني ؟ لقد حدث هذا ليلا 0 ربما قفز قط على كتفه أو أي شيء 0 لا أعرف 0 وقد حملناه بكل احترام ووضعناه في المخزن بكل عناية في انتظار ما سوف يتم بشأنه 0 وسوف توقعون جميعا وبلا استثناء على هذه الورقة مقدما ، و في صباح الغد سيكون التمثال قد أزيل ونقل إلى المخزن 0 هل أحد عنده اعتراض ؟ لماذا أنتم خائفون هكذا ؟
فضحكوا من هذا الإسقاط وقاموا بالتوقيع على الورقة فأخذها ووضعها في جيبه وحذرهم : إياكم أن يتحدث أحد في هذا الشأن مع أهل بيته أو أصدقائه 0 انتهى الاجتماع 0

أم البرعي تستشير

قرر أن يعطي كل وقته للتلاميذ سواء في المدرسة أو خارجها واستأجر الشقة التي كان يعطي دروسا في حجرة منها 0 ولأن المدرسة قريبة من الشقة كان يخرج أحيانا في الحصص الفاضية ويذهب ليتناول لقمة أو كوب شاي يصنعه على كيفه 0 ورغم تجنبه الاحتكاك بأحد من الزملاء فقد كانت عيناه تخونانه وتبحثان عن زينات 0 يراقبها من بعيد ولا يقترب منها 0 أما برعي فكان يهتم به أكثر من زملائه وفي يوم جاءت أم البرعي إلى شقته والكحل ينطق في عينيها وقالت له : هناك من يطلبني للزواج 0
- أأعرفه ؟
- موظف في الأربعين أو الخمسين لا أدري 0 ماتت زوجته وتركت له ولدا وبنتا 0 الولد في سن البرعي والبنت أصغر بعامين 0
- جمـــيل
- هــه 00 ما رأيك ؟ الرجل طيب وسمعته طيبة
- توكلي على الله وربنا يوفقك
- سؤال أخير 0 لماذا لا تأخذ منا فلوسا مقابل تعبك ومجهودك ؟
- احتراما لروح الشهيد ليس إلا 0 مع السلامة 0
- لروح الشهيد فقط ؟
- ألا يكفي هذا ؟ ولعلمك 0 إن لي أختا متزوجة ومعها أطفال من زوجها الذي هو الآن على خط النار 0 أدعو الله أن يعيده إليها سالما 0

مطلوبون الآن

عندما تزوج فؤاد خضر من فتحية الواعظ كان معه شهادة إعفاء نهائي من الخدمة العسكرية وبها تسلم العمل واشتغل مدرسا وتزوج وأنجب واستقر 0 وذات صباح وبينما كان في طريقه إلى عمله 00 في يده حقيبة ويمسك بالأخرى شمسية مطبقة يتوكأ عليها ، قابله زميله عباس شيحة وقال له دون مقدمات : أنا وأنت مطلوبان للتجنيد !
- يا أخي قل كلاما غير هذا 0 إن معنا شهادة إعفاء نهائي منذ تسعة أعوام 0 ليس هذا وقت الهزل 0
- عموما اذهب إلى التعبئة واسأل هناك وستعرف كل شيء 0
إنه الآن في العام الثلاثين سيكمله بعد أشهر فهل يعقل أن يجند مع الأولاد الذين لم يصلوا إلى العشرين من عمرهم بعد ؟ وهو متزوج ومعه طفلة تحتاج إلى رعايته0 وصل إلى التعبئة فوجد زميلا له نفس الظروف 0 يا نهار أسود !! دخلا إلى الصول عزت الزمراني فأفاد أن مواليد 1939م الذين سبق إعفاؤهم بالقرار 30،31 مطلوبون الآن للتجنيد وعليهم تسليم أنفسهم في 1/6/68 0 يا عالم ياهووه ! أنا رب أسرة ورائي بيت ومصاريف ورتبت حياتي على هذا 0 ثم إن راتب الجندي 240 قرشا في الشهر فما العمل ؟!

............. يتبع


الفصل الثالث من رواية(خط نار ممتد)


صوت فؤاد خضر

في الأول من يوليو ذهبت إلى معسكر مصطفى كامل بالإسكندرية، وتمت كل الإجراءات بسرعة، واستلمت المخلاة . حملتنا العربات إلى محطة سيدي جابر . قبل شروق الشمس كان القطار في حلمية الزيتون ،وتم حصرنا هناك وتقسيمنا إلى مجموعات . تم توزيعي على الدفاع الجوي فعدت إلى الإسكندرية لأتدرب في أبو قير على الخطوة العسكرية وكتفا سلاح وفك وتركيب البندقية النصف آلية وغير ذلك . ثم تم ترحيلنا إلى المجموعة التاسعة في ألماظة ومكثنا هناك إلى أن وصل مندوب الفوج 44 دفاع جوي وانتقى منا خمسين جنديا . ركبنا إلى كوبري الليمون حيث القطار المتجه إلى السويس . وهكذا أصبحنا على خط النار 0 تسليحنا مدافع 37مم ورشاشات ثقيلة .. قلنا لهم إننا لم نر في حياتنا أي مدفع حتى الآن فقيل لنا :
- لا تنزعجوا 0 سيتم تدريبكم هناك !
وبالفعل بدأت التدريبات سريعا على مسافة كيلو مترين من القناة .. وكنا نعد الحفر والخنادق لننزل فيها عندما تضرب المدفعية الاسرائيلية بيوت السويس المهجورة، ثم نخرج بعد انتهاء الضرب لنواصل التدريب .. والحقيقة ان المعلم غريب النجار كان على شهامة ورجولة مما سهل الصعب وهون المرارة !..
كان الجيش في حالة إعادة تكوين ؛ الجميع منهمكون في إنشاء مواقع وتكوين خط حربي أول .. هكذا تم تدريبنا وترحيلنا إلى المواقع المتقدمة .. كان توزيعي على السرية الخامسة المكلفة بحراسة الفرقة السابعة .. أول عمل قمنا به هو استعراضنا سرعة تجهيزنا للمدفع ، وتسابقنا في ذلك مع الأفراد القدامى في السرية وفزنا عليهم ، وكمكافأة لنا أمر قائد السرية لكل منا بكوب من الشاي على حسابه الشخصي من الكانتين ودفع الفلوس من جيبه .. ما هذه الهمة وهذا النشاط يا وحوش ؟! جهزنا دشم المدافع ومخازن الذخيرة وأعددنا الملاجيء في الصخر !! لقد كان موقعنا هاما ،و لذلك اهتموا بنا من ناحية التعيين الجيد .. وانا في الحقيقة أعشق الطعام الجيد ..
كثيرا ما صعد إلينا قائد الفرقة العقيد أحمد بدوي ليتابع بنفسه ما نصنعه . وفي هذه الأثناء كنا نحضر الماء من السويس حيث نرسل الجراكن فارغة على العربة وفردا أو فردين لإحضار الطعمية والجرجير وكل ما نطلبه ،و كان ضرب المدفعية الإسرائيلية مركزا على السويس حتى تم إجلاء من بقى من مدنيين عدا عدد بسيط جدا ..
وبدأت التاعب الحقيقية .. ما أسرع ما تغيرت الأحوال العادية حيث كنت أحتل مكاني على أحد المدافع على حرف التبة المواجهة للقناة ، ولم أكن حتى هذه اللحظة شاهدت مدافع تضرب طوال حياتي !! وفجأة رأيت ومضات تتوهج بكثرة مذهلة في الأرض المنبسطة بين التبة التي نعلوها وشاطئ القناة ؛ فتعجبت فأفهمني زملاء قدامى أن هذه الومضات هي الضوء المنبعث من اللهب الخارج من فوهة المدافع وكان هذا أول مشهد يحتل ذهني من مشاهد الحرب ..
بدأت حرب الاستنزاف إذن .. كانت في هذه الأيام مقصورة على مدفعية الميدان الثقيلة أما نحن فلم يكن دورنا سوى الوقوف على المدافع في حالة استعداد لضرب الطيران إذا هاجم هذه المواقع الثقيلة .. كنا سعداء مطمئنين، مدافعنا تضرب وهم لا يردون علينا .. وإذا حدث في يوم من الأيام وظهر الطيران المعادي فما على مدافع ال37 مم وال57مم إلا أن تمزقه ، أما إذا خفض من ارتفاعه فعلى المدافع ذات المواسير الأربع أن تبدده أباديد! ..
يبدو أن صاروخا من صواريخ سام2 قد أصاب طائرة اسرائيلية وفي اليوم التالي مرقت طائرة معادية في نفس الخط الذي سار فيه صاروخ الأمس ولكن هذه المرة لم يتمكن أحد لا من سيرتنا ولا من السرايا المجاورة ضربها.. بالنسبة لسريتنا كان المدفع مؤمنا كما هي العادة.. ولمح الحكمدار الطائرة وهي مازالت فوق القناة والتي لم يبلغنا بها الرادار فصاح بأعلى صوته للفرد رقم 2اضرب!ولكن الجندي راح يضغط على عتلة ضرب النار بشدة والحكمدار يضرب فوق كتفيه بكلتا يديه، وإلى أن تنبه الجميع وفكوا الأمان وفصلوا المدفع ليتحرك كانت الطائرة قد اختفت .. وغضب قائد السرية وقال لهم :
- المهم ألا تكون قد صورت الموقع !!
اشتد غضب قائد الفوج وهدد قائد الفرقة بمحاكمة الجميع محاكمة عسكرية رادعة .. فكيف تدخل طائرة معادية وتخرج ولم يضرب عليها حتى واحد ؟ ووقفنا متحجرين أمام قائد الفرقة الذي صاح فينا صيحة مدوية :
- أية طائرة ترونها أحرقوها !..
بعد يومين ظهرت طائرتان هذه المرة وكان اتجاههما من الشمال إلى الجنوب على بعد خمسة كيلو مترات من منطقتنا .. ومرمى مدفعيتنا كيلو متران فقط فاشتبكنا معهما بالمدفعية الثقيلة .. خشى حكمدارنا أن توجه إليه تهمة الإهمال فأعطى أوامره بالضر.. كانت هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها مدافع سريتنا وهي تعمل في عنفوان وجبروت فأسعدني ذلك خاصة وأنه لم يتعطل مدفع واحد طوال اليوم ..
فككنا مواسير المدافع ونظفناها وزيتناها وجهزنا المدافع فقد بدأت الحرب .. ولكن ماذا جرى في الصباح ؟! دوي هائل والمقاتلات المعادية تهاجم قاعدة الصواريخ القريبة منا .. تدور فوقها الطائرات على شكل ساقية تضرب وتصعد وتدور .. تضرب وتصعد.. ومدافعنا ؟! ماذا تفعل هذه المدافع المتخلفة ؟! إن جميع مدافعنا تضرب دون جدوى . كيف دخلت هذه الطائرات وكيف ضربت وآلاف الطلقات من جميع أنواع المدافع تنهال عليها ولا تصيبها .. وفي هذا اليوم شاهدت فظاعة غارات الطيران لأول مرة في حياتي .. العيب ليس في الإنسان .. العيب في الآل.. لو كانت مدافعنا هذه قادرة لأبطلت قدرة الفانتوم 0 بكينا جميعا بدموع حارة على سقوط تلك القاعدة التي كان من المفروض أن تحمينا ولكن يبدو أنها لم تكن قد اكتمل استعدادها بعد .. شاهدت رتلا من عربات الإسعاف العائدة في طريقها إلى مستشفى المثلث وعربة زل بها جثث الشهداء .. اجتمع بنا مسئول التوجيه المعنوي وقال لنا إن القاعدة سليمة لم تصب بسوء وقالوا إن ضرباتكم جعلت العدو يتخلص من حمولته ويلقيها بدون تدقيق ، وعندما سألنا عن عربات الإسعاف قالوا هذا إجراء روتيني 0 وكان لابد أن نصدق .. يبدو أن الخطط قد وضعت على أساس أن نكون أكثر يقظة من الرادارات 00 توالت الأيام وشاهد أحد الأفراد سبع طائرات متجه نحونا من جهة الشرق وتم الإشتباك معها ،و ضربت السرية كلها وتنبهت السرايا الأخرى وفتحت النيران فتشتت الطائرات ولكنها ما لبثت أن تجمعت مرة ثانية بنفس التشكيل الذي أتت به ،و ها هي القاذفات تلقي بحمولتها وصواريخها وتدك القاعدة وتدمر بينما راحت جميع مدافع المنطقة تضرب بكل طاقتها .. وأثناء عودة الطائرات أصيبت إحداها وقفز قائدها بالمظلة حيث وصل سليما إلى الأرض وقرأنا اسمه في الجرائد0.. إنه نسيم إشكنازي..
يومها أرسلت سريتنا عربة عليها عشرة أفراد بالخوذ والبنادق ومعهم الملازم أول محمد الرشيدي لإحضار الطيار ليكون أسير سريتنا ولكنهم عادوا بعد قليل بدونه 00
- كتيبة صاعقة قبضت عليه قبلنا !!
- يا خسارة!! المكافأة راحت من يدنا!
كان الجيش الثالث أيامها يعطي خمسمائة جنيه للسرية التي تسقط طائرة وهذه الطائرة التي سقطت اشترك في ضربها أكثر من عشرين سرية بمدافع ضخمة ولكن لحسن حظنا أنهم وجدوا ثقوبا بكابينة الطائرة .. ولم يضرب على هذه الطائرة برشاشات سوى سريتنا ولهذا أعطونا نحن الجائزة وأذكر أن نصيبي كان 280 قرشا ..
في هذا اليوم قرر قائد السرية قرارا أسعدنا فعلا .. وهو أن يشتبك من كل فصيلة مدفعان فقط بينما يتيقظ الثالث لحمايتنا من الطائرات التي ستضربنا لأن الطيران الذي يضرب غير الذي يناور ومعنى هذا أن مواسير مدافعنا ستسحب وراء طائرات بينما تكون طائرات أخرى مكلفة فعلا بضربنا وستأتي منخفضة فيكون المدفع الصامت في انتظارنا !
في هذه الأيام كان الفدائيون المصريون يفعلون الأعاجيب ولم يكن العدو يحس بهم إلا وهم عائدون ؛ فيخرج الطيران في إثرهم ليطاردهم وكانت مهمتنا الجديدة حماية إحدى هذه الجماعات عند عودتها ، وكنا في شهر رمضان ، وأعد موقع سريع بجوار عزبة الشلوفة ، وتم استدعاء أفراد من السرايا الأخرى لسرعة إنجازه في ليلة واحدة ولم أذهب معهم وعادوا في الصباح في غاية التعب والإرهاق ، وبعد الظهر حملنا نحن خط ذخيرة 4800 طلقة مدفع ، وتحركت السرية بعد أن كتب كل منا وصيته بإيعاز من قائد السرية فهو الوحيد الذي كان يعرف إلى أي مكان نحن ذاهبون فقد كنا ذاهبين مباشرة إلى مواجهة مدافع الميدان المعادية وهذا ممنوع على الدفاع الجوي 00 وحتى هذه اللحظة لم نكن نعرف خطورة ما نحن مدفوعون إليه ؛ واصطفت العربات وخلفها المدافع ، وركب كل طاقم في عربته بالخوذة والكمامة والشدة والسلاح الشخصي ، وتحركت السرية ووصلنا إلى الكيلو 109 طريق مصر السويس ، وقبل نقطة الشرطة العسكرية وقفت العربات ونادى قائد السرية : اجمع !..
جمعنا ، وكان قائد الفوج موجودا وكذلك رئيس العمليات . أفهمونا أننا الآن في مرحلة تسمى مرحلة التلقين وكانت الأوامر كما يلي :
- ممنوع الكلام إطلاقا .. ممنوع إضاءة أية أنوار بعد أن نترك الطريق المرصوف .. انتبهوا جيد.. عند تجهيز المدافع ممنوع التعرض لأفراد يحملون أجهزة وسيمرون من وسط المدافع ليلا .. عدم لبس ساعات أو خواتم تلمع !...
بدأنا نشعر بخطورة الموقف ، وتحرك الكول وترك الطريق المتجه إلى الاسماعيلية .. وعند المفارق استدار إلى طريق السويس الآتي من الاسماعيلية وأطفئت الأنوار وساد الظلام ، ووصلنا إلى الموقع الذي كان قد حفر ليلا ، وهكذا أفرغنا الذخيرة وأنزلنا المدافع من الدشم وجهزناها للضرب وفتحنا عدداً من الصناديق لسرعة تعمير المدافع بعد أن تفرغ ما فيها من ذخيرة ، وبعد منتصف الليل كنا قد جهزنا المدافع تماما فإذا نظرت رأيت المدافع الستة على خط واحد عكس عادتنا حيث كانت دائرية .. ونام كل منا في مكانه ...
في الصباح الباكر شاهدنا أفرادا قادمين من الشرق ومعهم معداتهم .. قوارب صغيرة وملابس خاصة ومروا عن قرب منا بعد أن نفذوا مهمتهم .. فحمدنا الله على عودتهم سالمين ثم بدأت معركة رهيبة بمدفعية الميدان وراحت القذائف تمر من فوق رؤسنا ونحن لا نسمع إلا صفير الدانات وهي متجهة من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق ، ثم ظهرت طائرة استطلاع مروحية تصحح ضرب المدفعية ولهذا صدرت لنا الأوامر بالاختفاء قدر المستطاع ، وعدم الضرب إطلاقا ؛ فنحن هنا لمهمة محددة وهي ضرب الطيران الذي الذي سيطارد الفدائيين ، أما هذه المروحية فلا شأن لنا بها 0 وفعلا تركناها .. ومر اليوم ونحن نكتم أنفاسنا 00 وعند العصر خرج بعض أفراد من سريتنا إلى قرية قريبة واشتروا طماطم وفاكهة 00 حضرت عربة تعين الفوج وجهزنا طعام الإفطار { يا له من رمضان !} وما أن دخل الظلام حتى صدرت إلينا الأوامر بالإنسحاب إلى مواقعنا الأصلية الحصينة نسبيا فقمنا بهمة ونشاط وحملنا الذخيرة وجهزنا المدافع للتحرك ، شبكناها في عربات تسابق الريح حتى وصلنا إلى مكاننا الأصلي .. مرت الأيام متثاقلة بطيئة تجر ساقيها، وكان بجوارنا دشم هيكلية من أيام الحرب ؟ لا أدري .. كنا نتوقعها علامات مميزة للطيران الذي سيكلف بضرينا ، ولم تكن لنا من أمنية سوى الابتعاد عن هذه الدشم،وحدث أن مرت من فوقنا طائرات ميراج لم نستطع أن نفعل حيالها أي شيء ؛ فقد ظهرت فجأة وألقت ظلالها علينا ومرت قبل أن يستطيع أمهر أفرادنا رفع المواسير تجاهها وشعرنا بيأس رهيب !! وحدث في يوم 10 ديسمبر 69 أن صدرت لنا الأوامر بترك حراسة قيادة الفرقة والتحرك لحماية شئون الفرقة ومستشفى عسكري عند الكيلو 106 طريق مصر السويس ؛ فقام أحد العساكر مبتهجا يطبل على جركن فارغ ورقص زميله طربا على الدقات .. الحقيقة أنني ابتهجت فجأة اذ لمحت ابتسامة ابنتي سامية تأتي من وراء الأفق فقلت لنفسي : يبدو أنني سأعيش، وأعود!
وصلنا إلى المكان الجديد وانقسمت السرية قسمين أحدهما على يمين الطريق والآخر على شماله ناحية جبل عتاقة ، واحتلت فصيلتنا على تبة عالية جدا ، وكان تحتنا كتيبة 5 طب ، وفي الجانب الآخر كتيبة 1طب بجانب الفصيلة الثانية ومخازن الفرقة مباشرة أسفل جبل عتاقة وظننا أننا في مأمن من الطائرات ، كنا نشّبه دشم المدافع بالبلكونات لأنها على حرف التبة مباشرة ،و تحتها واد سحيق تمر به عربات كثيرة محملة بالجرحى إلى هذه الكتيبة الطبية 0 وأبدعنا في عمل الملاجئ في مكان جميل كهذا، خاصة وأن الطريق مصر السويس بجوارنا وسننزل من الأتوبيس مباشرة أمام الموقع وهذه ميزة عظيمة فلن نتعرض بعد اليوم للبهدلة في أنصاف الليالي عند عودتنا من الأجازة ، ولن أنسى أبدا أن ليلة وصولنا كانت ليلة عيد الفطر ،وجاءت ساعة وصولنا إشارة بفتح الإجازات وكانت موقوفة من قبل ولم يكن لنا صلة بالدنيا والحياة الحقيقية إلا من خلال هذه االاجازات 00 أصبح العيد وفاتنا في خضم الفرحة أن نعمق الدشم فكانت خزن المدافع ظاهرة ونصف الفرد ظاهرا على وجه الأرض 00 والأيام تمر 00
وجاء زميلي على رجب يقول لي :
علي الدور .. ودورك أنت يأتي الدفعة القادمة وأقترح عليك أن نتبادل حتى تتفق اجازتي مع حفل زفاف أحد الأصدقاء الأعزاء .. انزل أنت هذه الدفعة وسأبقى أنا للدفعة التالية .. وبالفعل تم استبدال اسمي باسمه ونزلت الأجازة وقضيت الأيام السعيدة، وعند العودة لم أجد أتوبيسا متجها للسويس فركبت القطار الحربي ، وحرمت من ميزة النزول أمام الموقع، فنزلت عند الكيلو 109 حيث يهدئ القطار لحظات .. ووجدت الطريق مغلقا وعلى أن أقطع خمسة كيلو مترات حتى الكيلو 104،ومنعتني الشرطة من السير على الطريق لوجود قنابل زمنية ؛ لأن الطيران ضرب المنطقة بكثافة .. لم أعبأ بما سمعت .. ونزلت إلى الجبل متوجها شطر السرية بمحاذاة الطريق ، ووجدت أفرادا مثلي غافلوا الشرطة وكانوا متجهين بعربة إلى الكتيبة 5طب الموجودة تحت فصيلتنا .. ونزلت تحت التبة مباشرة وكان الظلام شديدا ولكني اتجهت إلى المدق الموصل إلى أعلى التبة مارا من ملاجئ الحملة حيث كان السائقون دائما يسهرون ؛ ولكني لم أجد نورا ينبعث من لمبة جاز في ملجأ أعرفه تماما فلم أعبأ بالأمر وظننتهم ناموا.. ولم أبحث عنهم حتى لا أتعثر في الظلام وقد أهوي إلى أغوار سحيقة تشتهر بها هذه المنطقة .. صعدت التبة وتعمدت أن أمر من المكان الذي يقف فيه فرد الخدمة لأسأله عن أحوال السرية قبل أن أدخلها ؛ فلم أجد أحدا ولم أشأ أن أنادي عليه حتى لا ألفت نظر قائد السرية لعدم وجوده وتقدمت وأنا مهموم .. يخيل إلي أن الأفراد نائمون من شدة البرد ، والمفروض أن امر على ملجأ باشجاويش السرية محمد غريب النجار لأعطي تماما بحضوري في موعدي ،و لأجلس قليلا قبل وصولي إلى الطاقم الرابع ،و نزلت فعلا إلى الملجأ فوجدت فانوسا ينبعث منه نور ضئيل، ووجدت جنديين أعرفهما فسلمت عليهما وسألتهما عن محمد غريب النجار فقالا لي : اجلس .. فجلست ثم سألني أحدهما :
- هل شاهدت المدافع ؟
- أية مدافع يا عم ؟! هات لنا سيرة غير هذه !! انفجر باكيا فاندفعت أعدو نحو الطاقم الرابع ولكنهما أمسكا بي .. وفعلا تنبهت إلى أنني لم أر مدفعا واحدا وانا في طريقي إليهما !! الطيران طول النهار يضرب المنطقة ،و مدافع سريتنا غير موجودة .. معنى هذا أنها دمرت تماما هي ومن عليها وسحبت بالأوناش . علمت أن أكثر من عشرين طائرة ميراج وسكاي هوك ظلت تضرب السرية وكان معها طائرات فانتوم لم تستطع نيران مدافع السرية مقاومتها ولولا أن السرية القريبة منا انسعرت على حد قولهم ضربا عليهم لضاعت سريتنا عن بكرة أبيها 00
- وعلي رجب الذي نزلت انا أجازة مكانه ؟!
- تعيش أنت !
استشهد اثنان وأصيب اثنان وكتبت النجاة لباقي السرية ولكن كيف ؟ لا يعلم إلا الله .. ونقلت المدافع الثلاثة سليمة إلى الجانب الآخر من الطريق .. وقضيت هذه الليلة الكئيبة وتعجبت في الصباح كيف نمت .. وذهبت إلى الجانب الآخر من الطريق حيث وجدت الإخوة قد تماسكوا بعض الشيء وإن كان ظهوري جدد أحزانهم حيث كنت أول العائدين من الأجازة .. وحكوا لي أن من أغرب ما حدث أن أحمد أبورية حمل الفصيلة كلها فوق عربة جاز هزيلة وأسرع بهم ومر من فوق قنبلة زمنية قال إنه وسطنها بين العجلات وانفجرت بعد مروره بأقل من دقيقة .
لم يكن أحد منا يتصور أن تدفع سريتنا إلى الخط الأمامي بعدما أصابها وبهذه السرعة ولكن هذا هو ما حدث فأوقفنا التجهيز استعدادا للاحتلال على الخط الأول مرة أخرى .. وفي منتصف اليوم الأخير من الشهر الأول لعام 70 حضرت عربة من الفوج لسحب المدفع رقم 704 إلى القاهرة لعمل عمرة كاملة له وكان مدفعنا ، مدفع الطاقم الرابع ولابد ان يذهب معه أحد أفرادنا لتستبدل كل قطعة بمعرفة هذا الفرد وكلفت أنا بذلك فأخذت مخلاتي بالكامل وركبت العربة التي جرت المدفع إلى ألماظة .. ورشة رقم واحد ..
لن أنسى ما حييت هذا اليوم فقد سلمت على السرية بكاملها وتعانقنا عناقا حارا فهم ذاهبون إلى خط النار للاشتباك مع الطيران ، هم في مرمى مدفعية الميدان الإسرائيلية ومعنى ذلك أن الفرقة تضحي تماما بهذه السرية !00 ولكن هذه أوامر عليا ،و للقادة وجهة نظر شاملة فهم ينظرون لميدان المعركة ككل متكامل .. وسألت نفسي : كم منهم سأرى عند عودتي ؟! ولكني طمأنتهم بقولي : من يدري قد تنقلب بي العربة في شوارع القاهرة ذاتها في حادث ! الأعمار بيد الله .. تعانقنا من جديد .. طويلا .... وصلت القاهرة ،و تم تسليمي أنا والمدفع إلى الورشة واندمجت مع قوة هذه الورشة ورحت أساعدهم في عملهم مشجعا لهم على إصلاح مدافع أخرى قبل مدفعـنا حتى أبقى هنا أطول فترة ممكنة ، في هذه الأثناء صدرت أوامر للورشة بالتحرك داخل مدينة القاهرة إلى شبرا المظلات على النيل فتوقف العمل تماما ،و ستنقل كل هذه المعدات ويستغرق هذا أكثر من شهر .. أثناء التحرك ضاع منهم قوس من المدفع الذي كانوا قد بدأوا بالفعل في تفكيكه ،و هذا القوس تتحرك فوقه مواسير المدفع صعودا وهبوطا وبه زوايا الأمان ،و على هذا لن يخرج المدفع بدونه أبدا ومحال أن يصنعوا مثله .. توهمت أني سأبقى حتى يستوردوا قوسا آخر من تشيكوسلوفاكيا ، ذهبت أول الشهر لاستلام راتبي وأقف على حال السرية وأعود إلى القاهرة وكذلك فعلت في الشهر التالي إلى أن جاء يوم 8 أبريل وجاء معه قوس جديد ،و تم تركيبه ،و جربت بنفسي جميع الأجزاء فلم أستطع إخراج أي عيب أو نقص .. حتى المشمع أُحضر مشمع جديد وتم إرسال إشارة إلى قيادة الفوج ،وفي منتصف ليلة 10أبريل حضرت عربة من الفوج وتم إيقاظي للتحرك فورا فلابد من دخول المدفع إلى دشمته في الظلام وهأنذا في الطريق لمواجهة القوات الاسرائيلية ، كانت العربة تنهب الطريق نهبا ،و سريعا ما وصلت إلى الكيلو 109 ثم استدارت إلى طريق الاسماعيلية ، وعند الكيلو 30دارت إلى طريق السويس ، وعند الكيلو 25 استدارت إلى الموقع ،و عند الفجر كنا قد وصلنا .. تنفس السائق الصعداء لأنه لو تأخر في الطريق ووصل بعد بزوغ الشمس لحوكم ... المهم .. كانت السرية على تبة منخفضة جدا ونزل البعض وجروا المدفع إلى أعلى التبة ووضعوه في دشمته وأشرقت الشمس على منظر غاية في الجمال .. كان منظر البحيرات رائعا ، وخط الأشجار والحدائق الموازية لترعة الاسماعيلية كان مدهشا ، ومنظر الخضرة في هذه الصحراء القاحلة كان يبعث على البهجة .. وأخذت نفسي من هذا الجو الساحر ورحت أتفرج على تجهيز السرية الجديد حيث أنني لم أشارك فيه ،و لاحظت أن الدشم عميقة وجيدة ؛ فقد كانت لمدافع 37مم وتركوها لنا،وتم تعديلها ، ولكني لاحظت أن الزملاء على غير عهدي بهم .. عيونهم غائرة ووجوههم شاحبة وحركاتهم بطيئة لاتبشر بخير ،و حضرت عربة التعين فلم يأكلوا سوى لقيمات بسيطة فتعجبت عندما تذكرت الماضي وهؤلاء الوحوش كانوا يلتهمون كل ما يصل إلى أيديهم . كيف تبدل الحال هكذا ؟ واستدعاني قائد السرية وسألني عما تم للمدفع فجلست على كرسي المدفع وحركته بسرعة مذهلة فقاطعني بقوله :كفى! أي تحرك سيرصده العدو وسيحددون المكان بالضبط لمدافع 155 مم الأرضية المحملة على جنازير. الحركة هنا داخل خنادق المواصلات العميقة بين دشم المدافع من وإلى القيادة..
ظننته يبالغ .. ذهبت إلى الزملاء وحدثتهم عن المدفع وكيف أنه صار جديدا تماما .. فقال أحدهم :
- احدف عليه المشمع ولاتجعله يظهر أبدا . سنستخدمه وهو مموه
وانكمش الجميع في مكان يعتقد أنه يحمي من الهلاك ولم أفهم شيئا مما يدور حولي إلا أنهم قالوا لي :
- ساعة واحدة وستفهم كل شيء .!
حوالي الساعة التاسعة سمعت أكثر من سرية تفتح نيرانها بشدة من سرايا ال37 مم وظهرت أعداد كبيرة من المقاتلات المعادية ،وها هي قذائف الطيران تنفجر عن قرب وفي جميع الاتجاهات ولم تشتبك سريتنا إطلاقا لعدة أيام فالطيران مرتفع ومرمانا 2كيلو متر ولا مجال لنا إلا مع الطيران المنخفض . ومما سبب الضيق لسريتنا حفرة ضخمة صنعها صاروخ تسبب في تحريك السرية التي كانت قبلنا ؛ وهذا معناه أن هذا المكان مرصود وأنه هدف متجدد للعدو .. وحدث أن وضعت خطة لتحطيم ما كان يسمى بالتبة المسحورة المواجهة لنا في الجانب الشرقي ، وتجمع حولنا عدد كبير من مدفعية الميدان وقالوا إنهم أحضروا دانات خاصة للمدافع من الاتحاد السوفيتي .. وساعة الضرب السابعة مساء .. وفعلا في الوقت المحدد راحت أعداد هائلة من مدافعنا تضرب مرة واحدة ونحن نحبس أنفاسنا فمدافع لاحصر لها من حولنا والمكان يتزلزل ولأول مرة أشاهد خروج القذائف الثقيلة عن قرب .. وما هي إلا لحظات حتى ظهر الفانتوم الرهيب ..! وبعد أن كنا نتفرج على اللهيب المنبعث من فوهات مدافعنا رحنا نتفرج على الانفجارات القريبة التي تسببها المدافع المعادية .. لأن الفانتوم أجبر مدافعنا على السكوت ... ومرت الليلة وبقينا أحياء ..
صدرت لنا الأوامر مرة أخرى بالتحرك لحماية قيادة الفرقة السابعة وصلنا المكان الجديد يوم الأحد 3/5/70 واجتهدنا في تجهيز الموقع، وحدث في هذه الأيام أن ضربت قاعدة الصواريخ كانت على وشك الاتمام وقتل العديد من العمال الذين كانوا قائمين بالبناء في القاعدة، وحدث أن قابلت بعضهم في الرست على طريق مصر السويس وكان أحدهم يقول : المقاول ابن الكلب قال لنا ستذهبون للعمل في الشرقية وجاء بنا إلى فيتنام !
لاشك أن المصريين حققوا بطولات خارقة في هذه المرحلة حيث كانوا يعبرون ويدمرون مواقع معادية ويأتون بالأسرى ولكن الذي ينكر الحقائق أحمق .. كان سلاح العدو متفوقا على كثير من أسلحتنا ...
جاء يوم 8/8 وصدر قرار وقف إطلاق النار ثم بعد فترة صدر قرار بحل الفوج 44 وانضممنا إلى الفوج 36 وكان تسليحه 57مم وتركنا قيادة الفرقة السابعة لحراسة قيادة الفوج الجديد على أرض منبسطة قريبة من الشط على بعد 500 متر ومن خلفنا قاعدة صواريخ سام 2 ورادار ب12 بجوارنا ،و روحنا المعنوية ترتفع يوما بعد يوم ..
كنا نقضي طول الوقت في الطوابير وتنظيف المدافع وتمارين رياضية أيضا .. تم مد مواسير ماء وأسلاك كهرباء مما أشعرنا أكثر وأكثر بالاستقرار 00 صحيح أننا كنا نعاني بعض الشيء من كثرة عمليات حفر الخنادق ودشم الدبابات ودشم المدافع ولكن لا مدافع توضع سوى المدافع الهيكلية وكنا نتعجب من هذا الوضع الغريب .. فلم نكن ندرك لماذا توضع هذه الهياكل ونسأل أنفسنا : ما دامت اسرائيل تعرف أنها هياكل فلماذا نضعها .؟ لم نكن في هذا الوقت ندرك الإجابة على هذا السؤال وكان هناك تساؤل آخر : لماذا نقيم ساترا على القناة يشبه الساتر الذي يقيمه العدو ؟ هل نخشى أن يعبروا ؟! ولم نكن أيضا نعرف سر هذا الساتر الترابي .. وكان عدم الفهم يصيبنا أحيانا بالهم والغم .. وبعد ذلك تم تسريح بعض الجنود فخرجت دفعة 64 ثم دفعة 65 وأيضا 66 .. يخرج عشرة جنود ويأتي بدلا منهم اثنان من المستجدين الذين لم يسبق لهم رؤية مدفع من قبل وهو يعمل .. حتى السائقون الباقون كان عددهم أقل من عدد العربات فانحدرت روحنا المعنوية شيئا ومع هذا قمت بتدريب هؤلاء المستجدين ما وسعني ذلك، وأشرح لهم كل شيء ما عدا الفعل الحي الذي يزلزل المكان ..

وحياة سلوى

قضى عبد المنصف أجمل يوم جمعة مع سلوى الواعظ . تيقن أن قلبها في راحة يده وأنها تتلهف على موعد حضوره الأسبوعي . في المرات الأولى كانت تتلقى شرحه على الرواية المقررة وهي ناظرة أمامها أو في الصفحات ، أو شاردة ! صارت تتشرب ملامحه ، تتجاوب مع صوته وانفعالاته كأنها قارب ورق فوق ماء في إناء يعبث به طفل بيده الصغيرة 0 وعندما قرأ : وقبلها بلطف وحنان .. كرر الجملة ثلاث مرات .
- إنها مكتوبة مرة واحدة فقط ..
- فعلا 00 يكفيني مرة واحدة يا سلوى .
أمسك يدها الانسيابية . رفعها إلى شفتيه وفعل ! . ثار بركان الخجل في الوجنتين . انتفضت إذ بللها قطر الحياء على حين غرة 0 أحس صاحبنا أنه قوي جدا .. أقوى من كل القيود التي تعيق اندفاق الشباب في العروق 0
غادرت المكان 0 دخلت حجرتها فنادى عليها أكثر هدوءاً : من فضلك يا سلوى 0 أريد كوبا من الشاي 0 لاتنسي شاي عمي حسن 0
وها هي تأتي حاملة الصينية وعليها الفنجان وطبق به بعض الهريسة وشوكة صغيرة ثم همت بالمغادرة
- لم نكمل ما بدأناه !
- في هذا الكفاية 0 أريد أستوعبه أولا وأذاكره جيداً قبل أن آخذ غيره 0 سأرسل إلى جدي ليجلس معك 0
- لماذا هذه الشوكة ؟ أنا أفضل إمساك الهريسة بيدي كي أتلذذ بها أكثر عن طريق اللمس 0
- إذن اترك لي الشوكة أدافع بها عن نفسي !
ثم أمسكت بها قطعة هريسة وقدمتها إليه فلم يمد يده وإنما فمه
سألها إن كان يمكن أن يحدث جدها في أمرهما أم يؤجل ذلك إلى المرة القادمة فأقسمت عليه أن يتناول العشاء معهما : وحياة سلوى !
- وحياة سلوى سأبقى وأتعشى وأتحدث معه اليوم !
البنت تبدو ضعيفة أمامه وهذا أجمل ما فيها .. ضعفها القوي ! ولأول مرة في حياته استلم شفتين كالورد . كالشهد . اختلط مذاقهما بطعم الهريسة 0 اندفعت هي إلى المطبخ بينما توجه هو إلى الشرفة وجلس إلى جوار الرجل الذي أفسح له مكانا إلى جواره : إننا نتعبك كثيرا يا أستاذ منصف!
- عمي . ما رأيك ؟ أنت في مقام والدي رحمة الله عليه . ما رأيك أن تخطب لي سلوى من جدها ؟!
- هذا أسعد خبر يا بني .

الإعداد للمسرحية

ذهب إلى المدرسة في اليوم التالي وقلبه عند سلوى يقول لها : لا تنسي ! 0 صار مشغولا طوال اليوم 0 من حصة لحصة 0 وحتى الحصة الخالية دخلها بدلا من مدرس غائب وعندما كان يجمع حاجياته ويغلق حقيبته دخلت زينات حجرة المدرس... مش معقول ؟ أستاذ عبد المنصف ! أين كنت الحصة الرابعة ؟ لقد نظرت في جدولك فوجدتك خاليا فبحثت عنك في كل مكان ولم أجدك !
- أنت تبحثين عني يا زينات !! ماذا كنت تريدين ؟
- ليس الوقت مناسبا الآن . غدا نتحدث 0
- أمامنا متسع من الوقت . قولي !
- غداً بإذن الله .
- كيف أستطيع الانتظار إلى الغد ؟
غادرت الحجرة فخرج خلفها .
- لماذا توقفت عن التحدث في الإذاعة المدرسية ؟
- بسبب الاجتماع وما دار فيه
- لماذا لا تفكر في مسرحية وطنية يقوم التلاميذ بتمثيلها . إن عندك خلفية تاريخية رائعة !
- ولماذا لم تقترحي على الأستاذ خميس ليعاونك في هذا ؟
- صح النوم يا أستاذ 0 الأستاذ خميس كان معه تأجيل تجنيد ثم زال السبب وهو الآن مجند على خط النار
- وأين كنت أنا يوم غادر المدرسة ؟
- أنت تعيش في برج عاجي ولا تأخذ بالك من أحد .
كانا قد غادرا المدرسة 0 مشيا معا متجاورين ربما لأول مرة ينفرد بها في طريق . وتساقطت أمطار خفيفة و احمرت أنفها من البرد . فردت شمسيتها أما هو فكان يحتاج لمثل هذا المطر ليطفئ ناره . لم يتجه إلى شقته حيث ينتظره تلاميذه بل واصل السير معها إلى الكارتة .
- أية مسرحية تنوين الإعداد لها ؟
- الشهيد عبد المنعم رياض .
- عندك معلومات كافية عنه ؟
- جمعت بعضها : تم تعيينه رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة يوم 11يونيو 67 ودم الشهداء ما زال ساخنا . قام بإعادة تسليح الجيش وبناء قوته 0 قامت معركة رأس العش وشاء القدر أن يقدم هدية للرجل في موقعه الجديد عبارة عن انتصار صغير مشرف . وهدية أخرى في أكتوبر هي إغراق المدمرة إيلات . ثم بعد عام 0 تدمير قواعد صواريخ إسرائيلية وبعد نصف عام وبالتحديد في مارس 69 وبعد سلسلة متتالية من الاشتباكات على الخط الساخن للجبهة صمم الرجل على زيارة مواقع متقدمة على شط القناة مباشرة .. وأثناء الزيارة حدث ما حدث وكتب الله له الشهادة .
كانت زينات تتحدث وكأنها تسمع سورة وهو يتطلع إليها حينا بعد حين 0 إن سحرها القديم ينفتح ويسيطر ويتحكم 0 هل تستطيع سلوى أن تقول مثل هذا ؟!! وصلا إلى الموقف وقبل أن تركب الكارتة سألها :
- لم تقولي لي لماذا كنت تبحثين عني ؟!
- لنقوم معا بإعداد المسرحية 0
- معاً ؟ ليس عندي مانع 0
وتابعها بعينيه حتى صارت الكارتة نقطة في البعيد . ظل ساعات قبل أن ينام يفكر فيها ويتخيل . معا يا زينات سنشترك في عمل واحد . يجمعنا !! . تمنى لو وجدا كتابا عن الرجل الشهيد . سأل نفسه : لماذا اختارتني أنا بالذات ؟ ربما لأنها رأت تباعدي عنها وهي لا تريدني أن أتباعد ! وربما اختارت هذا الموضوع انسجاما مع أحاديثي في الإذاعة المدرسية 0 فهي إذن تقتفي أثري. هذه إجابة . وثمة إجابة أخرى .. لقد اختارت هذا الموضوع بالذات لأنه يتناسب مع مجاهد الذي يشغل تفكيرها . واختارتني أنا بالذات لأنها تعرف أنني درست الدراما في الكلية . أي الإجابتين أختار ؟! التي تريحني أم التي تقهرني ؟! وعثر على كتاب . وفي اليوم الثالث تناقشنا في بعض زوايا الموضوع 0حوار بين عبد المنعم رياض وقائد الجيش ومدير المدفعية يدور حول معركة الأمس. واقتراح أن يقوم ثلاثتهم بزيارة الجبهة 0 وأين ؟ الخط الأكثر قربا من القناة . وبالتحديد زيارة إحدى وحدات المشاة في مواقعها المتقدمة .
- بعد ذلك نرى الموقع وبعض الجنود يتساءل أحدهم إن كان أحد يحس بما نقدمه من بطولات فيدخل قائدهم ليخبرهم أن القادة الكبار على أعلى المستويات سيزورونهم خلال دقائق 0
- يصل القادة ويشاركون الجنود حياتهم العادية بعيدا عن الشد العسكري . يتحدثون إليهم في مودة وتشجيع 0 وفجأة تدوي أصوات انفجارات 0
- ويحدث ما حدث 00 ما رأيك ؟
- أكثر من رائع هذا الذي تحكينه يا زينات . إنك أكثر من رائعة . لا أكاد أصدق ما أسمع 0
- الواجب أن يحس الناس بمعاناة أبنائهم على خط النار
صرخ بلا صوت : ليتني كنت هناك الآن !
- علينا أن نختار التلاميذ الذين سيقومون بالأدوار الرئيسية ..
- وأن نجد مكانا للبرعي في هذه المسرحية لأن والده شهيد .
وبمساعدة رواد الفصول تم اختيار عشرين تلميذا للتدريب على المسرحية . وافق الناظر بعد أن أخذ على عبد المنصف وزينات إقرارا بأن العمل لا يتعرض للأمن العام ولا يتعارض مع السياسة العامة للدولة . وتم التوقيع على الإقرار أمام الناظر شخصيا الذي هدأ باله وهو يطبق الورقة ويضعها في حافظة نقوده ! وبالفعل شارك في أول بروفة وانبسط وقال : لم أكن أعلم أنني ناظر على كل هؤلاء القادة العظام من التلاميذ 0

الشهيد عبد المنعم رياض

تم إرسال كروت الدعوة إلى المدرية المركزية وكذلك الإدارة التعليمية وعدد من كبار الزوار وأولياء الأمور . حتى أم البرعي حضرت بصحبة زوجها الجديد .. وكم صفق الجميع للبرعي الذي يمثل شخصية البطل عبد المنعم رياض وهو يقول : لا يمكن أن نترك الجنود يواجهون النار بصدورهم ونجلس نحن لندير المعارك من مكاتبنا المكيفة في القاهرة .
وأيضا وهو يسأل أحد جنود الموقع : هل أنتم بخلاء ؟ أين الشاي المضبوط يا أولاد ؟
- الشاي على النار يا أفندم ولكننا نبحث لسيادتكم عن كوب كريستال يليق بالمقام
- أنا مستعد أشرب الشاي معكم يا أبنائي في كوب من الفخار وأكون سعيدا بذلك 0
القاعة تشتعل بالتصفيق .. ثم .. بكت أم برعي وهي ترى ابنها وهم يحملونه وينتقلون به إلى الإسعاف بينما يقول قائد الجيش :
- بسرعة . بسرعة . أسعفوا عبد المنعم أولا أما أنا فلا تقلقوا.. إن إصابتي سطحية في يدي وساقي
وترنم التلاميذ بنشيد حزين يقطع القلب وهم يطوفون بالشهيد فوق خشبة المسرح بينما تقدم أحدهم وقبل جبينه وغطاه بعلم مصر .
أضيئت الأنوار . قام الجميع وقوفا يرددون : اسلمي يا مصر إنني الفدا
فازت المدرسة بالجائزة الأولى في المسرح هذا العام . ملأت الثقة الناظر الذي بدا منفوشا كالديك الرومي وهو يتناول الكأس من وكيل المدرية أما عبد المنصف فأحس شيئا يربطه بزينات وفي نفس الوقت يربطهما بمجاهد. أما أم البرعي فقد رأت ابنها رجلا وعرفت قيمة الشهداء وتكريمهم وحمدت الله أنها صانت نفسها ولم تفرط في شرف الشهيد . أحست بقيمتها وتاريخها وأنها تتمتع بشيء يمكنها الفخر به 0 أما الناظر فبعد أن صافح زينات بحرارة توجه إلى زميلها وأخذه بالأحضان :أيها العبقري - إن ابنة قريتك تليق بك تماما . لا تدعها تفلت من يدك . وإذا كنت مكسوفا يا ولد .. قل لي وأنا أذهب معك لمقابلة والدها وأخطبها لك منه . صارحني !
وبعد هذا التاريخ انفتح قلب عبد المنصف لحضرة الناظر وصار كأنه يحبه .

المعالج بالقرآن

وعاد إلى منزله فقالت له ابنة أخته إن اثنين من الطلبة الكبار سألا عنه
- أحدهما ابن القاتم شقيق رأفت صاحبك ! والثاني ابن الحاج زكي الذي يعالج بالقرآن !
استوقفته هذه المهنة الجديدة . الولي في ثوب جديد براق ! . رن جرس الباب وجد اثنين من الشباب يقصدانه. تعرف فورا على سعد القاتم شقيق رأفت الذي جاء إليه بالرسالة إياها ومحتواها جنيهان وورقة تأنيب جارحة 0 أما الشاب الآخر فلا يعرفه . توسلا إليه أن يقبلهما ويعطيهما منهج الثانوية العامة الجديد فهما يعيدان السنة منازل و المنهج مختلف 0 وخذ ما تأمر به يا أستاذ. نحن مستعدان لدفع أي مبلغ .
- المسألة ليست مسألة فلوس . أنا في الحقيقة مشغول .. و..
- اعمل معروفا فينا 0 أنت أخونا الأكبر ..
- لا عليكما سأعطيكما عشرة حصص كل حصة بجنيه واحد أي سيدفع كل منكما خمسة جنيهات في المنهج .. فقط .
وقرر أن يرى الحاج زكي والد تلميذه الجديد ، الذي يعالج بالقرآن . ذهب بعد صلاة الجمعة إلى قريته فوجد أمام المنزل حشداً هائلاً في انتظار الشيخ معظمهم نساء 0 حشد هائل من السيارات مركونة في الظل وأصحابها داخلها ينتظرون مغادرة الشيخ للمسجد 0 استدارت الرؤوس وازداد الترقب . ظهر الرجل في ملابسه البسيطة وعلى رأسه طاقية بيضاء عادية . وجهه مريح . وقف على كرسي أمام منزله حتى يستطيع التحدث إلى كل هؤلاء 0 صلى على النبي بعد أن وحد الله وأثنى عليه ثم تلا بعض الآيات. توجه بعد ذلك لمخاطبة الحشد الكبير : لا تزاحموا أيها الناس . لا تزاحموا. أولا : أنا لا آخذ مليما واحداً من أحد فأرجوا ألا يحتال عليكم أحد ويقول لكم هاتوا لأدفع للشيخ . أنا موظف ووظيفتي تكفيني والحمد لله .يوم عطلتي الأسبوعية أتصدق به عليكم لوجهه تعالى . ثانيا : أنا معكم من الآن وحتى أذان المغرب فلا تقلقوا ولا تدافعوا واحذروا اللصوص . هيا . قفوا أمامي ! يتقدمون نحوه اثنين اثنين وهو لا يفعل سوى أن يشير إليهما وهو يقرأ الآيات فيسقط من يسقط 0 في سرعة خاطفة تتهاوى الأجساد 0 ترى الرجل الفحل في حجم الجمل يتهاوى والمرأة تقع فيسترها ذووها ويصدر عنها صوت رجل غليظ أو طفل أو طفلة ! كل حسب الجن الذي يتلبسه . أما الذي لا يسقط فهو معافى وعليه أن ينصرف بسرعة وتترك الساحة للشيخ ومرضاه .
لم يسقط عبد المنصف فطلب منه مغادرة المكان. اسمح لي أن أبقى لأتفرج .
- لسنا فرجة يا أفندي . انصرف لا تعطلنا
غادر المكان وهو حائر لا يصدق عينيه . أين نحن ممن يغزون الفضاء ويكتشفون أدوية لعلاج الأمراض . أين نحن يا قريتنا المحرومة ؟ ويا كفورنا البائسة ؟



الأجزاء التالية من الرواية .......

 

(14)    هل أعجبتك المقالة (11)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي