بمناسبة عيد النوروز، عيد التجدد والهوية والذاكرة، لا يكفي أن نستحضر الرمزية الثقافية لهذا اليوم فحسب، بل تكتمل معانيه حين نستعيد سِيَر رجالٍ جسّدوا فعلاً معنى النهوض الوطني. ومن بين هؤلاء يبرز اسم حسين أحمد الإيبش، بوصفه نموذجاً نادراً للدمشقي الكردي الوطني، الذي مثّل برجوازيةً منتجة ومستنيرة نفتقدها اليوم.
وُلد الإيبش في دمشق عام 1884، في أسرة عُرفت بالعمل الزراعي وتجارة الخيول العربية الأصيلة، فحمل منذ نشأته ارتباطاً وثيقاً بالأرض والإنتاج.
سافر إلى بيروت ليتابع تعليمه في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث نال شهادة في التجارة عام 1906، في وقتٍ كان فيه هذا التخصص يعكس وعياً مبكراً بأهمية الاقتصاد الحديث.
عاد إلى دمشق بعقلية جديدة، وبدأ بتطوير نشاطه الزراعي والتجاري على أسس علمية، مبتعداً عن الأساليب التقليدية.
تميّز الإيبش بدوره الريادي في تحديث الزراعة في سوريا، إذ أدخل المكننة الزراعية، وعمل على تحسين البذور وتطوير الإنتاج، وأقام مشاريع واسعة في غوطة دمشق الشرقية، خاصة في الهيجانة والبيطارية.
ولم يكتفِ بالاستثمار، بل سعى إلى تطوير البنية التحتية، فقام بجرّ مياه نهر الأعوج عبر شق الأقنية، وبناء سدود لتجميع المياه، في خطوة تُعد من أوائل محاولات الإدارة العلمية للموارد المائية في البلاد.
في المجال السياسي، كان من أبناء جيل النهضة السورية، فشارك في المجلس التمثيلي لسوريا عام 1919 بعد انتهاء الحكم العثماني، وساهم مادياً ومعنوياً في دعم الثورة السورية الكبرى، في وقتٍ كان فيه هذا الدعم ينطوي على مخاطر كبيرة، ما يعكس التزامه الوطني العميق.
أما في حياته الاجتماعية، فقد شكّل زواجه محطةً مفصلية تعكس طبيعة التحولات في المجتمع الدمشقي آنذاك. فقد تزوّج من السيدة وجيهة، ابنة عبد الرحمن باشا اليوسف، رئيس مجلس الشورى وأحد أبرز رجالات دمشق في أواخر العهد العثماني.
ولم يكن هذا الزواج مجرد ارتباط عائلي، بل مثّل التقاءً بين البرجوازية الإنتاجية الصاعدة التي يمثلها الإيبش، والنخبة السياسية التقليدية التي تمثلها عائلة اليوسف.
ومن خلال هذا التلاقي، تشكّلت ملامح طبقة وطنية سورية حديثة، جمعت بين الاقتصاد والسياسة، وأسهمت في بناء المجتمع والدولة في مرحلة انتقالية حساسة.
وقد انعكس هذا الموقع الاجتماعي على حياة الإيبش، حيث أصبحت داره في سوق ساروجة ملتقىً لوجهاء دمشق والمثقفين، ومكاناً تُعرض فيه مقتنياته العلمية، وتُدار فيه نقاشات ثقافية واجتماعية، في صورة تعكس تداخل الأدوار بين الاقتصاد والثقافة والسياسة.
وفي المجال الثقافي والتربوي، كان الإيبش مؤمناً بأن النهضة لا تقوم دون تعليم، فأنشأ مدرسة مجانية في ريف دمشق (الهيجانة) على نفقته الخاصة، دعمًا لأبناء المنطقة.
كما عُرف بمساندته للأدباء والشعراء، مادياً ومعنوياً، في مرحلة كانت تشهد تحولات فكرية وثقافية مهمة.
أما في الرياضة، فقد كان شخصية سبّاقة أيضاً، إذ يُنسب إليه إدخال كرة القدم إلى سوريا عام 1910، وكانت أسرته تمتلك أول كرة قدم دخلت البلاد.
ولم يقتصر نشاطه على ذلك، بل برع في الفروسية، ومثّل سوريا في سباقات عربية ودولية، إضافة إلى مشاركته في الرماية والسباحة والمصارعة وألعاب القوى، جامعاً بين القوة الجسدية والروح الوطنية.
امتدت علاقاته إلى خارج سوريا، خاصة إلى مصر، حيث ارتبط بعلاقة مميزة مع الأمير يوسف كمال. وقد خاض معه رحلات صيد طويلة بين عامي 1914 و1926 إلى إفريقيا والهند، بهدف جمع عينات نادرة من الحيوانات والطيور، تم تحنيطها في بريطانيا، لتكون نواة مجموعات علمية ومتحفية.
وقد عُرضت هذه المقتنيات لاحقاً في دمشق، في دار الإيبش، ثم في ثانوية التجهيز الأولى، وفي معرض دمشق الدولي، وكانت مؤمّنة بمبالغ طائلة نظراً لقيمتها.
نال الإيبش أربعة عشر وساماً، منها أوسمة بريطانية وفرنسية، إضافة إلى أوسمة من الجامعة الأمريكية في بيروت، وأخرى تقديراً لنشاطه الزراعي والرياضي، ما يعكس تعددية إنجازاته.
توفي عام 1967، وشُيّع في موكب رسمي وشعبي حاشد شاركت فيه رئاسة الجمهورية وجموع المواطنين، في مشهد يليق برجلٍ ترك بصمة عميقة في مختلف مجالات الحياة.
لكن إرثه لم ينتهِ عند هذا الحد.
فقد أوصى بأن تُهدى مجموعته العلمية النادرة إلى الوطن، لخدمة البحث العلمي، رافضاً كل الإغراءات المالية التي قُدمت لعائلته.
وبالفعل، التزمت العائلة بهذه الوصية، إلى أن تم افتتاح متحف دمشق التربوي عام 2007 بإشراف وزارة التربية، ليكون شاهداً على رؤيته.
ورغم ما تعرّضت له بعض هذه المقتنيات من إهمال وسرقة في مراحل النظام البائد ، بقي ما تبقى منها شاهداً على مشروع رجلٍ سبق عصره، وآمن بأن المعرفة ملكٌ للمجتمع، لا حكرٌ على الأفراد.
إن استحضار سيرة حسين أحمد الإيبش في عيد النوروز هو وفاء لشخصية تاريخية، وتذكيرٌ بحاجة سوريا اليوم إلى هذا النموذج: برجوازية وطنية منتجة، متعلمة، منفتحة، ومؤمنة بأن بناء الدولة يبدأ من خدمة المجتمع.
مقتنيات حسين الايبش اليوم تعرض في متحف دمشق التربوي لتكون شاهداً على تاريخ هذا الرجل ومصدراً للعلم والمعرفة.
هفاف انطانيوس مقدسي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية