في زمن البعث وحافظ الأسد، كانت الرقة مجرد رقم في دفتر السلطة. مدينة بعيدة عن مركز القرار، يُنظر إليها كطرف تابع لا شريك. عانت من التهميش وإهمال واضح في الخدمات والبنية التحتية، وكأن التنمية تمر بالقرب منها دون أن تدخلها. مدارس متعبة، طرق مهملة، خدمات ضعيفة، ومدينة تُترك لتدبر شؤونها بموارد محدودة، بينما تُدار البلاد بعقلية المركز الذي يحتكر القرار والاهتمام.
في هذه المرحلة لم يكن التهميش تنموياً فقط، بل سياسياً واجتماعياً أيضاً. القبضة الأمنية كانت حاضرة في كل تفاصيل الحياة، والمدينة عاشت تحت رقابة دائمة، حيث صار الخوف جزءاً من الحياة اليومية. لم يكن المجال مفتوحاً للنقد أو الاعتراض، بل كانت كل أشكال القمع حاضرة: التضييق الأمني، التمييز غير المعلن، إقصاء الكفاءات، وتكريس الولاءات الضيقة. بقيت الرقة بعيدة عن مشاريع التنمية الكبرى، وكأنها مدينة مطلوب منها أن تبقى في الصف الخلفي دائماً.
وعندما انتقل الحكم إلى بشار الأسد، اعتقد كثيرون أن البلاد قد تدخل مرحلة مختلفة، وأن باب الإصلاح قد يُفتح. لكن الواقع أثبت أن المنظومة نفسها بقيت كما هي، وربما أصبحت أكثر انغلاقاً. استمر التهميش، واستمر إهمال الخدمات، وبقيت الرقة مدينة تُذكر في الملفات الأمنية أكثر مما تُذكر في خطط التنمية. تضاعفت معاناة الناس بين ضعف الخدمات الأساسية، وتراجع البنية التحتية، واستمرار القبضة الأمنية التي لم تسمح بظهور حياة سياسية أو مدنية حقيقية.
وحين اندلعت الثورة السورية، كان للرقة موقع مختلف في التاريخ. فقد كانت أول مدينة سورية تتحرر بالكامل من سلطة بشار الأسد، ولهذا سُميت يومها عاصمة التحرير. كانت لحظة أمل كبيرة لأهلها، لحظة شعر فيها الناس أن المدينة التي عانت التهميش طويلاً قد تفتح صفحة جديدة.
لكن تلك اللحظة نفسها تحولت إلى سبب لعقابٍ قاس.
دفعت الرقة ثمن كونها أول مدينة خرجت من قبضة السلطة.
فُتحت عليها أبواب الحرب، وتحولت سماؤها إلى مسرح للطائرات والقصف، وتعرضت أحياؤها لدمار واسع، وكأن المدينة تُعاقب لأنها تجرأت على كسر الخوف.
ثم دخلت الرقة مرحلة أخرى أكثر تعقيداً، مرحلة جعلت المدينة تتحول في نظر العالم إلى عاصمة للإرهاب. وبغض النظر عن الأسباب التي قادت إلى ذلك، فإن النتيجة كانت واضحة: تكالب العالم على الرقة.
تشكل التحالف الدولي، وبدأت واحدة من أعنف الحملات العسكرية التي شهدتها المدن السورية. قيل إن الهدف هو التحرير، لكن ما جرى على الأرض ترك مدينة شبه مدمرة. القصف كان هائلاً. الأحياء تهدمت. والمدينة تحولت إلى ركام. أحياء كاملة اختفت من الخريطة، وبيوت سقطت فوق أصحابها، وشوارع كانت تضج بالحياة صارت أطلالاً. قيل إن الرقة تحررت… لكن كثيرين من أبنائها كانوا يرون أن ما حدث كان تدميراً واسعاً لما تبقى من المدينة تحت شعار التحرير.
وبعد تلك المرحلة جاءت قوات سوريا الديمقراطية رافعة شعارات الإدارة والاستقرار وإعادة البناء. لكن الحقيقة أن جراح الرقة كانت أعمق من أن تُشفى سريعاً. فالمدينة التي خرجت من الحرب لم تعد كما كانت، بل مدينة مثقلة بالدمار والخسارات والذكريات الثقيلة.
وهكذا أصبحت الرقة مدينة دفعت أثماناً متتالية: ثمن التهميش والقبضة الأمنية في زمن البعث وحافظ الأسد، وثمن الاستبداد والخيبة في عهد بشار الأسد، وثمن الحرب بعد الثورة، وثمن الصراعات الدولية التي دارت فوق أرضها.
لكن الحقيقة الأشد مرارة ليست فقط في تعاقب السلطات… بل في أولئك الذين جعلوا من الرقة سوقاً لمصالحهم الضيقة.
أولئك الذين يتبدلون مع كل مرحلة.
كانوا مع البعث حين كانت الكلمة للبعث.
ثم صاروا مع الثورة عندما ظنوا أن الريح تغير اتجاهها.
صمتوا في زمن الظلام خوفاً أو طمعاً.
ثم عادوا اليوم يتصدرون المشهد وكأن شيئاً لم يكن.
هؤلاء لم يحملوا همّ الرقة يوماً، بل حملوا همّ مواقعهم.
لم يدافعوا عن المدينة، بل دافعوا عن مقاعدهم.
ولم يبحثوا عن مستقبلها، بل عن مكان لهم في أي سلطة قادمة.
والأخطر أنهم يتحدثون باسم الناس، بينما هم في الحقيقة جزء من المشكلة لا من الحل.
فالرقة لم تُنهكها الحروب وحدها… بل أنهكها أيضاً أولئك الذين حولوا آلامها إلى سلم يصعدون عليه، وتاجروا بمآسيها في كل مرحلة.
الرقة ليست غنيمة سياسية، وليست منصة لاصطياد المناصب.
الرقة مدينة دفعت من دم أبنائها ما يكفي لتقول الحقيقة بوضوح: إن أكبر أعدائها لم يكونوا فقط من حكمها بالقوة… بل أيضاً أولئك الذين ضيقوا أفقها بمصالحهم الصغيرة.
ويبقى السؤال الذي يردده أهل الفرات كل يوم: متى تنتهي مرحلة المتاجرة بالرقة… لتبدأ أخيراً مرحلة العمل الصادق من أجلها؟
عبد الرزاق بشير الهويدي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية