تواجه قيادة الرئيس المحبوب أحمد الشرع اليوم لحظة الحقيقة؛ تلك اللحظة التي تتوقف فيها الخطابات الرنانة عن العمل كمسكنات للألم، ويبدأ الشارع بالمطالبة بفواتير الوعود التي قُطعت إبان القسم.
إن التحدي الداخلي الذي يواجهه الشرع ليس مجرد "أزمة تواصل" أو "سوء فهم" مع الحاضنة الشعبية، بل هو فجوة ثقة تتسع كلما انطفأ مصباح في بيت مواطن، أو فرغت جرة غاز في شتاء قارس.
ما وراء الوجوه المبتسمة: هل يمتلك الشرع "خطة ب"؟
من السهل على أي زعيم أن يحيط نفسه بـ "جوقة المبتسمين"؛ أولئك الخبراء في فن الإيماء بالرأس والموافقة على كل طرح، والذين يجيدون تجميل الواقع في تقارير ورقية لا تصلح إلا للأرشفة.
لكن "الوجوه المبتسمة" في قاعات الاجتماعات لا تعكس أبداً الوجوه المتعبة في طوابير المحروقات، أو تلك القلقة من فواتير الكهرباء التي باتت تلتهم حصة الأسد من دخل الأسرة.
أزمة الخدمات: حين يصبح الحق "امتيازاً"
إن شح الغاز والمحروقات وارتفاع أسعار الطاقة ليست مجرد أرقام في ميزانية الدولة، بل هي معايير الكرامة اليومية. عندما يفشل المواطن في تأمين دفء أطفاله، تصبح كل الإنجازات السياسية الأخرى "ثانوية".
النقد الموجه للشرع هنا يكمن في بطء الاستجابة الهيكلية؛ فبدلاً من الحلول الترقيعية والاعتماد على الوجود في غرف العمليات المغلقة، يحتاج الشارع إلى استراتيجية طاقة شفافة توضح أين تذهب الموارد ولماذا يغيب البديل.
العدالة الانتقالية: الغائب الأكبر
العدالة الانتقالية ليست ترفاً فكرياً أو ملفاً يُؤجل لحين استقرار الاقتصاد؛ إنها العمود الفقري لبناء دولة المؤسسات.
الاكتفاء بالاجتماعات البروتوكولية دون خطوات ملموسة في ملفات المحاسبة، وجبر الضرر، وكشف الحقائق، يحوّل "القسم على خدمة الشعب" إلى مجرد برستيج سياسي. الصمت هنا لا يُفسر كحكمة، بل كعجز أو محاباة.
ماذا يمكن للشرع أن يفعل فعلياً؟
الخروج من مأزق "الوجوه المبتسمة" يتطلب شجاعة في تغيير الأدوات لا الوجوه فقط:
- أولاً: استبدال الاجتماعات المغلقة بجلسات استماع مفتوحة وشفافة مع لجان شعبية وخبراء مستقلين (لا يبتسمون بالضرورة).
- ثانياً: تحويل الثقل السياسي كاملاً نحو ملفي الطاقة والوقود، وتفعيل الرقابة الصارمة على قنوات التوزيع بعيداً عن المحسوبيات.
يحتاج الشعب إلى معرفة "الحقيقة العارية" عن الوضع الاقتصادي، لا الوعود الوردية التي تنتهي بانتهاء المؤتمر الصحفي.
إن القيادة في زمن الأزمات لا تُقاس بعدد المصفقين، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات مؤلمة تصب في مصلحة المحرومين. أمام أحمد الشرع خياران: إما أن يبقى أسيراً للدائرة الضيقة التي تخبره أن "كل شيء بخير"، أو أن يفتح نافذة مكتبه ليرى الدخان المتصاعد من بيوت المواطنين الذين ينتظرون فعلاً لا قولاً.
الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية