عندما خرج السوريون إلى الشوارع في عام 2011، لم يكن السؤال المطروح بينهم: من أنت؟ أو إلى أي تيار تنتمي؟ بل كان سؤالاً أكثر بساطة وصدقاً: ماذا تريد؟ وكان الجواب، رغم اختلاف الخلفيات والانتماءات، يكاد يكون واحداً؛ حرية، كرامة، وعدالة. في تلك اللحظة، لم تكن الثورة مشروعاً أيديولوجياً مغلقاً، ولا ساحة لتصفية الحسابات الفكرية، بل كانت مساحة واسعة التقت فيها رغبة السوريين في استعادة حقهم الطبيعي في العيش بكرامة، بعيداً عن الخوف والقمع والإذلال.
لكن، وبعد أكثر من عقد من الزمن، يبدو أن هذه البساطة الأولى قد تآكلت تدريجياً، لتحل مكانها طبقات معقدة من التصنيفات والاتهامات، حتى أصبح السوري، في كثير من الأحيان، لا يُعرّف بما يطرحه أو يسعى إليه، بل بما يُنسب إليه من أوصاف جاهزة. مرة يُتّهم بأنه "مندّساً"، ثم يصبح "عميلاً"، ثم "فلولاً"، ومرة يُوصم بأنه "إرهابي متطرف"، ليجد نفسه لاحقًا متهمًا بالنقيض تمامًا، كـ"كافر علماني". وبين هذه التصنيفات المتضادة، يضيع النقاش الحقيقي، ويتراجع السؤال الأساسي الذي انطلقت منه الثورة أصلاً.
هذا التحول لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة مسار طويل ومعقّد، تشابكت فيه عوامل عديدة، من تعدد القوى الفاعلة واختلاف مشاريعها، إلى التدخلات الخارجية التي أعادت رسم الأولويات والتحالفات، وصولاً إلى حالة الإرهاق الجماعي التي دفعت كثيرين إلى التصلب بدل الانفتاح. ومع الوقت، لم يعد الهدف إقناع الآخر أو الحوار معه، بل إقصاؤه ونفي شرعيته، وكأننا انتقلنا، دون أن نشعر، من مواجهة الاستبداد إلى إعادة إنتاجه بأدوات وخطابات مختلفة.
غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الاختلاف بحد ذاته، فالاختلاف كان حاضراً منذ البداية، بل في الطريقة التي أصبح يُدار بها هذا الاختلاف. فالثورة، في جوهرها، كانت فعل تحرر، والتحرر لا يمكن أن يكتمل دون قبول التعددية، لكن ما نشهده اليوم هو عكس ذلك تمامًا، حيث يتم التعامل مع أي رأي مخالف بوصفه تهديداً، لا فرصة للنقاش أو التطوير. وهكذا، يتحول النقاش من حوار حول المستقبل إلى معركة حول من يملك الحق في تمثيله.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس ما إذا كانت الثورة قد تخلّت عن مبادئها، بل ما إذا كنا نحن، كأفراد ومجتمع، ما زلنا نحمل هذه المبادئ كما كانت في بدايتها. فالثورة لم تكن مجرد لحظة زمنية أو شعار يُرفع، بل كانت منظومة قيم تقوم على رفض الظلم، أياً كان مصدره، والدفاع عن الكرامة للجميع، والإيمان بأن الاختلاف لا يلغي الحق. وعندما تبدأ هذه القيم بالتآكل، يصبح من الممكن أن نستمر في استخدام نفس اللغة والشعارات، لكن بمعان مختلفة تماماً.
في هذا السياق، يصبح من الضروري الانتقال من مجرد توصيف الحالة إلى التفكير في كيفية الخروج منها، وهنا قد يكون من المفيد العودة إلى البدايات، لا بدافع الحنين، بل لاستخلاص ما يمكن أن يشكل أرضية مشتركة من جديد. ففي الأسابيع الأولى من الثورة، وقبل أن تتدخل الشخصيات السياسية وتتبلور الأقطاب، عبّر السوريون عن مطالب واضحة ومباشرة، كان في مقدمتها إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي كرّست احتكار الحياة السياسية لصالح حزب واحد، وفتح المجال أمام التعددية من خلال إصدار قانون ينظّم عمل الأحزاب. لم تكن هذه المطالب مجرد تفاصيل قانونية، بل كانت تعبيراً عن رغبة عميقة في كسر فكرة الاحتكار، وإعادة تعريف السياسة كمساحة مفتوحة، لا كملكية حصرية.
لكن إعادة التوازن إلى الحياة العامة لا يمكن أن تتحقق فقط من خلال الأحزاب، مهما كانت أهميتها، بل تحتاج إلى إعادة بناء البنية المجتمعية نفسها، من خلال تفعيل دور النقابات ومؤسسات المجتمع المدني، بوصفها مساحات وسيطة بين الأفراد والسلطة، وقادرة على تخفيف الاحتقان وخلق قنوات تواصل حقيقية. فالمشكلة التي نعيشها اليوم لا ترتبط فقط بغياب التمثيل السياسي، بل بغياب الأطر التي تنظّم العلاقة بين الأفراد، وتمنحهم القدرة على التعبير والعمل بشكل جماعي ومنظم.
في ظل هذا الغياب، تتحول الطاقات المجتمعية إلى حالة من التشتت، حيث يعبّر كل فرد عن رأيه بشكل منفصل، غالباً بدافع ردّة الفعل، لا ضمن رؤية متكاملة. لكن عندما تتوفر كيانات مثل الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، فإنها تتيح للأفراد الذين يتشاركون في الفكر والرؤية أن يجتمعوا، لا ليكرروا نفس الخطاب، بل ليطوّروه، وينقلوه من مستوى الرأي إلى مستوى المشروع. عندها، لا يبقى النقاش مجرد تبادل للاتهامات أو الشعارات، بل يتحول إلى عملية إنتاج حقيقي، تستند إلى دراسات وأرقام وتحليلات، وتخضع للنقد والتطوير.
ومن هنا، لا تعود التشاركية مفهوماً مرتبطاً فقط بالمناصب أو تقاسم السلطة، بل تصبح ممارسة يومية داخل المجتمع نفسه، حيث يشارك الأفراد، عبر هذه الكيانات، في صياغة الرأي العام والتأثير فيه، لا فقط في تمثيله. وهذا التحول في الفهم هو ما يمكن أن يخفف من حدة الاستقطاب، لأنه ينقل النقاش من صراع على المواقع إلى تفاعل حول الأفكار.
ومع وجود هذه الأطر، يحدث تحول آخر لا يقل أهمية، يتمثل في انتقال النقاش العام من مستوى الانطباعات إلى مستوى المعرفة. ففي بيئة غير منظمة، تنتشر الأفكار بسرعة دون أن تخضع للاختبار، لكن في بيئة تحتوي على كيانات فاعلة، يصبح من الضروري دعم أي طرح بالأدلة والتحليل، ما يرفع من مستوى الخطاب، ويجعل النقاش أكثر جدية وأقل عرضة للتضليل.
وفي هذا السياق، تبدأ عملية طبيعية من "الغربلة"، لا تقوم على القمع أو التخوين، بل على النقاش والاختبار. فالأفكار التي لا تصمد أمام النقد تتراجع تلقائياً، بينما تتطور الأفكار القادرة على التكيّف والاستجابة. ومع الوقت، يكتسب المجتمع قدرة أكبر على التمييز، فلا يعود بحاجة إلى حملات تحريض أو تحريض مضاد ليحدد موقفه، بل يصبح قادراً على تقييم ما يُطرح أمامه بناءً على مضمونه لا على هوية من يطرحه.
وهنا تحديداً يكمن جوهر الحل؛ ليس في القضاء على الاختلاف، ولا في فرض توافق قسري، بل في بناء بيئة يصبح فيها الاختلاف ممكناً دون أن يتحول إلى صراع صفري. بيئة يُعاد فيها توجيه الطاقات من التفجير إلى البناء، ومن ردات الفعل إلى الفعل المنظم، ومن الشخصنة إلى التفكير.
وربما، في ظل التعقيد الذي وصلت إليه الحالة السورية، لا يمكن انتظار تغيير شامل أو لحظة فاصلة تعيد كل شيء إلى مساره، لكن يمكن البدء بخطوات صغيرة، تعيد الاعتبار لفكرة التنظيم والعمل الجماعي، وتدعم أي محاولة جادة للخروج من منطق الفوضى. فالسؤال لم يعد من هو الصحيح ومن هو المخطئ، بل كيف يمكن بناء مساحة مشتركة، تسمح للجميع بأن يكونوا جزءاً من الحل، لا أطرافاً في صراع لا ينتهي.
في النهاية، قد لا يكون من الممكن إعادة الزمن إلى الوراء، لكن يمكن استعادة الروح التي انطلقت منها الثورة، تلك الروح التي لم تكن تبحث عن إقصاء أحد، بل عن كرامة الجميع. لأن الثورة التي بدأت لكسر الاحتكار، لا يمكن أن تستمر بعقلية الاحتكار، ولأن المجتمع الذي لا يتعلم كيف يدير اختلافه، سيبقى أسيراً له، مهما تغيّرت الشعارات.
وسيم توتونجي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية