أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

شعارات براقة رفعتها "قسد" ، وواقع مزيف أدى إلى انهيار مشروعها

منذ بدايات ظهورها، لم تكن قوات "قسد" نتاجًا طبيعيًا لحراك مجتمعي محلي بقدر ما كانت نتيجة ترتيبات أمنية وسياسية معقدة. فمع تصاعد الصراع في سوريا، أعاد نظام الأسد كوادر حزب العمال الكردستاني من جبال قنديل، وسهل انتشارهم في مناطق شمال وشرق البلاد في خطوة هدفت أساسًا إلى تحييد هذه المناطق عن مسار الثورة، لا إلى تمكين سكانها أو حماية نسيجها الاجتماعي.

حيث تم تسليح هذه التشكيلات، وحظيت بالدعم، وتمكنت من تسلم مناطق واسعة بسرعة لافتة، مما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الدور المرسوم لها منذ البداية.

لاحقًا، جاء الدعم الأمريكي لـ "قسد" في سياق واضح ومحدد، وهو القضاء على تنظيم داعش. وقد تعاملت واشنطن مع قسد كأداة عسكرية لتنفيذ هذه المهمة بأقل تكلفة ممكنة، لا كمشروع سياسي متكامل أو شريك استراتيجي طويل الأمد. ومع تراجع تهديد داعش، بدأت الشكوك تتزايد حول سلوك قسد وأجندتها.

وفي هذا الإطار، صدرت تصريحات لافتة عن دونالد ترامب خلال ولايته السابقة، عبر فيها عن عدم ارتياحه لطبيعة قسد، واصفًا إياها في إحدى المناسبات بأنها تشبه خصومها في أساليبها، وأنها تخدم مصالحها الخاصة أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية، وهو توصيف يعكس حجم التوجس وانعدام الثقة حتى لدى الداعم الدولي الأبرز لها.

لقد رفعت قسد منذ تأسيسها شعارات براقة، في مقدمتها "أخوة الشعوب"، "الديمقراطية المحلية" و" الإدارة الذاتية" . غير أن الواقع كشف سريعًا التناقض العميق بين الخطاب والممارسة، فالديمقراطية بقيت حبيسة الشعارات، بينما تحولت الإدارة إلى سلطة مغلقة تخضع لهيمنة إيديولوجية محددة، وتقصي كل من لا ينسجم معها سياسيًا أو فكريًا.

والأهم أن قرار قسد لم يكن قرارًا محليًا مستقلاً، فالمفاصل السياسية والعسكرية ظلت مرهونة بتوجيهات قنديل، ومرتبطة عضويا بحزب العمال الكردستاني وقيادته العابرة للحدود. هذا الارتباط، إلى جانب التنسيق الضمني مع نظام الأسد في مراحل متعددة، جعل قسد عمليًا جزءًا من منظومة النظام الوظيفية، حتى وإن اختلفت الشعارات والواجهات، وأسهم في إطالة عمر نفوذ الأسد بدل تقويضه.

في الجانب المعيشي، عانت المناطق الخاضعة لسيطرة قسد من فساد مالي منظم. ولم يقتصر الأمر على سوء إدارة الموارد، بل برزت مشاريع أمنية مكلفة بلا جدوى حقيقية، في مقدمتها حفر شبكة واسعة من الأنفاق. فقد صرفت مليارات الدولارات على هذه الأنفاق تحت ذريعة التحصين والاستعداد العسكري، لكنها لم تحقق أي قيمة استراتيجية فعلية، ولم تحم قسد في لحظات الاختبار، بينما حرم السكان من أبسط حقوقهم في الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل.

أما العرب، وهم مكوّن أساسي في مناطق سيطرة قسد، ويشكلون ما يزيد على خمسة وسبعين بالمئة من سكانها، فقد واجهوا تهميشًا سياسيًا وإداريًا ممنهجًا. ولم يتوقف الأمر عند الإقصاء، بل تعداه إلى ممارسات خطيرة، من بينها تجنيد القاصرات في صفوف التشكيلات المسلحة في انتهاك صارخ للأعراف والقوانين، إضافة إلى استقطاب الشباب بوسائل منحرفة، من بينها التغاضي عن انتشار المخدرات أو استغلالها كأداة ضغط وتجنيد، مما خلف آثارًا اجتماعية مدمرة، وعمق حالة الغضب والنفور الشعبي.

حيث أن هذه السياسات دفعت قطاعات واسعة من العرب، وحتى من الأكراد أنفسهم، إلى فقدان الثقة التامة بشعارات "أخوة الشعوب"، والنظر إليها كمظلة خطابية لمشروع إقصائي لا يعترف بالشراكة الحقيقية.

ورغم ذلك، ومع تشكل الدولة السورية الجديدة، منحت قسد فرصة وصفت بالذهبية تمثلت بعرض دمجها ضمن مؤسسات الدولة، واعتبارها تجاوزًا لكل مواقفها السابقة جزءًا من مسار الثورة التي كانت قسد من أشد خصومها. غير أن هذه الفرصة قوبلت بالمماطلة والتسويف، ولم تلتزم قسد عمليًا بما وقع عليه مظلوم عبدي، ما كشف مرة أخرى غلبة قرار قنديل على أي التزام وطني.

أمام هذا التعنت، وجدت الدولة السورية نفسها مضطرة للانتقال إلى الخيار العسكري، مستعينة بالعشائر العربية التي همّشتها قسد، والتي رأت في هذا الخيار فرصة لاستعادة دورها وكرامتها، ووضع حد لمشروع لم تر فيها سوى أداة أو هامش.

في المحصلة، لم يفشل مشروع قسد بسبب استهداف خارجي أو مؤامرات كما يروّج أنصارها، بل سقط تحت ثقل تناقضاته الداخلية: شعارات بلا تطبيق، فساد بلا محاسبة، وقرار مرتهن لقنديل، واصطفاف عملي ضمن منظومة النظام، انتهى به إلى خسارة الناس قبل خسارة الجغرافيا. وهكذا، تحول مشروع "أخوة الشعوب" إلى نقيضه، مثالًا واضحًا على كيف يمكن للخطاب الجميل، حين ينفصل عن الواقع، أن يصبح عبئًا على أصحابه قبل غيرهم...

عمار الحميدي - زمان الوصل
(7)    هل أعجبتك المقالة (7)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي