أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الدولة ليست ميراثاً… و أحذروا القرابة فحين تختلط بالسلطة يبدأ الانحدار

يستشهد جحا بالدول الديمقراطية قائلاً "تعيين الأقرباء ليس ممنوعًا".. 
من يسمع قد تبدوا له جملة عادية. لكن الخطر لا يكمن بين الكلمات، بل يسكن السياق الذي تُقال فيه.
يا سادة الديمقراطية لا تبنى بالكلام والتبرير ولا بالمحسوبيات. 

عادةً في دولة المؤسسات الحقيقية، الوزير الذي يعيّن أخاه يخضع لرقابة برلمانية و تدقيق إعلامي و لقانون تضارب المصالح، وربما يسقط في اليوم التالي إن ثبتت شبهة منفعة. أما في دولة خرجت منهكة بعد ثورة وحرب ولم تكتمل فيه أدوات الرقابة بعد، فإن القرابة تتحول من تفصيل عابر إلى نواة نظام.

المشكلة ليست في أن يكون المسؤول له إخوة. كلنا لنا إخوة. لكن المشكلة حين تصبح الدولة امتداداً للعائلة، وحين تتحول الوظيفة العامة إلى مساحة ثقة مغلقة لا يدخلها إلا من يشبهنا. هنا يبدأ الانزلاق الهادئ نحو حكم شبكة تقوم على الأيديولوجيا واللون والولاء لا الكفاءة ، أي ليس حكم مؤسسات.

في التاريخ الإسلامي، كان عمر بن الخطاب شديد الحساسية تجاه أي شبهة محاباة. و كان يخشى أن يُقال إن بيت المال صار امتداداً لبيت الخليفة. كان يدرك رضي الله عنه أن العدالة لا تُمارَس فقط، بل يجب أن تُرى ويشعر الناس أن الدولة ليست دائرة خاصة.

أما التاريخ الحديث يكرر الدرس ذاته. في الدول الغربية التي يُستشهد جحا بها عادة، صحيح أن القانون لا يمنع مطلقاً تعيين قريب، لكن الثقافة السياسية لا ترحم. في الولايات المتحدة، أُثير جدل واسع عندما عُيّن أحد أفراد عائلة الرئيس في منصب استشاري، وتحولت المسألة إلى قضية رأي عام. في أوروبا، استقال وزراء بسبب توظيف أقارب في وظائف هامشية. لأن المعيار ليس "هل هو مسموح قانونيا" ، بل "هل يخدم الثقة العامة". 

الثقة… هذه الكلمة الصغيرة هي كل شيء في مرحلة انتقالية وهي الجسر بين الحاكم والشعب، وخصوصاً سوريا لا تعيش في وضع الأستقرار.
سوريا في لحظة إعادة تعريف للدولة وأخطر ما يمكن أن يحدث في هذه اللحظة هو أن يشعر الناس أن السلطة تتقاسمها دائرة ضيقة من لون وأيديولوجيا واحدة وتقوم على الولاء وكأن سوريا مملكة لهم، مهما كانت تبريرات الكفاءة جاهزة.

أما يا جحا الكفاءة ليست شعاراً يُرفع، بل معيار يُثبت.
ومن يملك الكفاءة الحقيقية لا يخشى المنافسة المفتوحة.
حين تتكرر التعيينات داخل عائلة واحدة أو ضمن بيئة فكرية مغلقة حتى لو كان بعضهم مؤهلاً فعلاً، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع مختلفة تمامًا: الرسالة تقول إن الباب ليس مفتوح للجميع.
 وهذه الرسالة، في بلد خرج من حرب وانقسام، أخطر من أي خطاب معارض.

واليوم السلطة الجديدة أمام اختبار دقيق. يمكنها أن تثبت أن المرحلة انتقال نحو دولة قانون، أو أن تعزز الانطباع بأنها مرحلة إعادة تموضع لنخبة جديدة. والفرق بين الحالتين ليس في عدد الأقارب، بل في وجود آليات شفافة: مسابقات علنية، رقابة برلمانية حقيقية، فصل واضح بين القرار التنفيذي والمصلحة الشخصية.
أيضاً الدول لا تُبنى على الثقة الشخصية، بل تقوم على قواعد تمنع إساءة استخدامها.
ومن يحب الدولة حقاً يضع القيود على نفسه قبل أن يطالبه بها الآخرون.
والتاريخ السوري قريب بما يكفي ليذكّرنا: عندما تتحول السلطة إلى شبكة قرابة، تتآكل شرعيتها ببطء. و قبل أن يسقط النظام فجأة، يفقد احترامه تدريجياً، ثم يفقد قدرته على الإقناع و التبرير، ثم يصبح محاطاً بالصمت البارد، وهذا الصمت أخطر من المعارضة الصاخبة.

يا سادة يا كرام المرحلة اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الدوائر المغلقة. المرحلة تحتاج إلى تشاركية و طمأنة واضحة تقول إن الدولة ليست حصة، وليست مكافأة، وليست إعادة توزيع نفوذ. تحتاج إلى نموذج دولة مؤسسات و كفاءات لا دولة تقوم على فكرة أن من يملك القوة يملك التعيين.
قد تظنون أن الطريق الأسهل هو الثقة بالعائلة.
لكن الطريق الأصعب والأبقى هو الثقة بالمؤسسات.

وسوريا، بعد كل التضحيات، لا تحتمل تجربة جديدة في تقوم على توزيع المناصب ضمن الحكم العائلي، مهما تغيّر الاسم أو تبدّل الخطاب.

أحمد محمود الأحمد - زمان الوصل
(8)    هل أعجبتك المقالة (8)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي