أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

رحل في الزمان والمكان المناسبين*

المعلم - أرشيف

شتائمٌ واشتفاء على صفحات الأحرار، وحزنٌ وندب على صفحات الأشرار. لم يذكر أحد موقفاً من مواقف وليد المعلم، أو مشهداً من مسيرته، ذكرى من ذكرياته، عاش حياة رسمية تامة كاملة لا شيّة فيها! أليس له معلم يتذكر شقاوته وتفوقه في مادة من المواد مثل السلوك المدرسي مثلاً. 

ليس في تقاليد النظام مقابلات تلفزيونية مع أركان الدولة الموقرة، لتقديمهم إلى الشعب، كيف يشرب الشاي؟ أم يفضّل القهوة المرّة، هل يذهب إلى عمله مشياً على الأقدام أم زحفاً بالباصات مع الشعب، أكلته المفضلة، هواياته، غير هواية الإغاظة والاستطراف والتهديد والوعيد، أيحبُ الألعاب السويدية، أم الألعاب السورية الطائفية لكثرة مشاغله ومشاعله، أيشجع ريال مدريد أم برشلونة، نباتي أم يصوم كل اثنين وخميس، فمن حقنا أن نعرف وزير خارجيتنا الهصور. ونحن أمة علم الرجال وعلم التراجم، وجرح الرجال والتعديل!

مات الرجل الغامض بسلامته، ليس أحد أكثر منه غموضاً في النظام برمته.
نريد سرٌّاً من أسراره لله يا محسنين، وزنه مثلاً، ميراثه مثلاً، مذكراته مثلاً.
قولوا لنا كيف مات حتى نبكيه.

صفحته في الويكيبيديا شحيحة بالأخبار، مثل مولده في دمشق، (17 يوليو 1941)، وسكنه في حي المزة، وحصوله على الشهادة الثانوية من طرطوس، هذا يعني أن اسرته انتقلت إلى طرطوس لسبب ما، فلعل والده كان شرطياً، وهذا تأويل للزوزني الذي شرح المعلقات السبع. تذكر الويكبيديا أيضاً خبر تخرجه من جامعة القاهرة عام 1963 بشهادة بكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية. اشتهر بقولين مأثورين، يُكتبان بماء التوتياء ورابع أوكسيد الباطنية، لم يسبقه إليهما حتى هارون الرشيد الذي كان يجبي من السحاب الخراج، الأول هو: "سننسى أن أوروبا على الخارطة"، فنُسيت سوري. وقول آخر تباهى فيه بأنه: "بعد سبع سنوات حرب ليس لدينا قمامة في الشوارع كما هو الحال لدى جيراننا"، وهم ليسوا جيرانا، فهم أشقاء كما نعلم، وعندهم خبز، ويتظاهرون، ويشتمون.

نسي أن الدولة حرصت على تنظيف القمامة من الشوارع، لأنَّ الشعب لن يتحمل قمامتين؛ واحدة في القصر الجمهوري وأخرى في الشارع!
مرة ذكر عبد الحليم خدام ساخراً منه بأنه كان مدير مكتبه، ولم يجد شيئاً ليهجوه به!

لم يروِ لنا خدام طرفة أو موقفاً أو قولاً، وما زلنا على باب الفرن ننتظر شيئاً من سيرته الغامضة، المعتمة، الخفيّة، السريّة، والزحام شديد على فرن الأسرار، والكوة ضيقة. سرٌّ وحيد عرفناه وهو أنه سنّي المذهب من ورقة نعيه إلى جوار ربه حافظ، كما قال صديقنا راشد عيسى، إذا صدقت طبعا، ويظهر من أسماء العائلة أنه "علماني" الأسرة، فأسرته فيها كارول، وابن أخته نيكولا. في بلادنا المسؤولون علمانيون والدولة طائفية، على عكس الدول العلمانية الأوربية!

فليسعد النطق إن لم يسعد الحال، إن لم تكونوا قادرين على إطعامنا خبزنا، فأطعمونا أسراراً.

كانت له خصيصة وهي أنه يصلح للإغاظة والكيّ بالكلام، يكفي أن يخرج في مؤتمر صحافي، ويتكلم، فيغيظ ويُحنق ويُكمد ويُشيط الغضب، لأنه يهدر الوقت، ونحن في زمن السرعة، أسرع يا رجل فلدينا آلاف الفيديوهات من غرائب الطبيعة وعالم الحيوان لنراها، النظام كان نظام حرق المراحل لنفسه، فعَلا كثيراً وسبقنا بمراحل وسنين ضوئية ونارية، وكان من جهة أخرى نظام تجميد المراحل لشعبه، فوقع لنا ما وقع، كأنه يعمل بكهرباء منخفضة التوتر. الكلمة تُمتح من فمه متحاً بالدلاء في عصر المضخات، والبئر بعيدة القعر.

وهو على نقيض رئيسه بشار الذي يدوس بنزين وهو يحكي، قد ينافسه بشار الجعفري في سلاح الإغاظة، وكلاهما يتحدثان "بالأوديو" المبطّأ. هي إغاظة حتى لو كان يقول شعراً. أتابع شخصاً أحبه ولن أذكر اسمه حتى لا أفسد المنشور، يتحدث ببطء مهلك، وفوق بطئه، يعيد الجملة ثلاث مرات، فأتابعه على برنامج التسريع الانتحاري.

كان لديه في حلب فرقة مخابرات، تقاتل ببسالة، وتذكر أنها من طرف وليد المعلم، وكان أهل حلب يتعجبون أن يكون لوليد المعلم كل هذا الشأن والسرِّ المقدّس. هو ليس مثل فيصل المقداد، ولا شعبان صاحبة الغنّة والشنشنة، ولا مثل أي شخصية سورية من النظام، أما فاروق الشرع، فهو عصفورة النظام.

مات وزير الغيظ والغموض من غير تشويق.
مات وحش نيس السوري.
مات "مدوّر" برمودا.
إنَّ القلب ليفرح، وإنَّ اللحظ ليجرح، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنّا لفراقك يا وليد لمطروبون.

*أحمد عمر - من كتاب "زمان الوصل"
(71)    هل أعجبتك المقالة (21)

فاروق عيتاني

2020-11-17

عقبال المقبور الثاني و الاخير من سلالة المقبورين.


فاروق عيتاني

2020-11-17

عقبال المقبور الثاني و الاخير من سلالة المقبورين..


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي