أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

مجزرة البيضا: ذاكرةُ الدَّم لا تشيخ

سبع سنوات على المجزرة - أرشيف

الغدر لا يضرب موعداً مع أحدٍ، يأتي كالموت فجائياً ضارباً بجدار المجهول كلّ التّوقعات.

والغدرُ لايعلن عن جهة قدومه، فليس للغدر جهة إلا الغدر ولو أتى من كلّ الجهات. وإلى "البيضاء"، أو (البيضا) تخففاً للاسم أو على سبيل الدّلال، كما اعتاد أهل تلك البلدة الساحلية في ريف بانياس أن ينطقوه - اختار الغدر المكانَ والزّمانَ بمحض غدر الغادرين: جنودُ جيش يُسمَّون "حُماة الدّيار".

المكانُ بحر: جهةٌ مائيةٌ للغدر، والزمان: تمامُ السادسة موجاً، وسفنٌ حربية ٌصواريخُها تغتصبُ هواء الفجر البحري ّفي البيضاء.

المكان: برٌّ وقذائف ُدبابات تسلخ قذائفُها جوقة الزقزقات عن أشجار البساتين في صباح كان عنوانه الحصار.

في ذلك الصباح لم يسمحوا لعشتار الخصوبةِ في ربيعها الواعدِ أن تُسبلَ على البساتين سوى بضعة زهور في أول يومين من أيار، عاجلوا الربيع بموت قادم

من البحر والبرّ.

يومها لم يشفع لـ"البيضا" اسمها في ر دِّ هجوم الأَسوَدِ المتغطرس الممتلئ حقداً، لم يشفع لها بياض نوارسها إذ تجوب الشّطآن فاردة أجنحتها في غزل أبديٍّ مع عُباب البحر في الأعالي، لم يشفع لها بياض أبنيتها البسيطة ولا حتى بياضُ قلوب أهلها فأمام الحقد الأسود ُيمسي الأبيض الجميل سُمّاً فتّاكاً في قلب من يحمله، ذلك الأبيض الذي احتشد َ زهوراً قبل عامين من المجزرة ذات مظاهرة ٍاشتقّت شعاراتها من لغة الورد حين رقص الجنودُ المسلحون بعصمة القائد على أجساد المتظاهرين وأجساد الورود.

لكنّ هذا الصّباحَ مختلف في "البيضا"؟! فقذائف الجنود اليوم وصلت قبل أرجلهم إلى الأجساد! في عزّ القصف والوقت من دمار وموت تخاطب طفلةٌ تلثغ (بالشِّين والصّاد) أباها: (بابا ليش عم يقثفونا؟) فتعاجِل ُشظية رأسها الصغير َقبل أن تلقى جواباً لسؤالها الكبير، وقبل أن تتقن النطق جيدا.. يغطي الأب جثة طفلته في نومها الأبدي، ربما خشيَ عليها من البرد، فالشّظيّة تقتل الطفلة لكن لا تقتل الأُبوّةَ فيه.

بعد ساعاتٍ، انتهى ما يسمى في الحروب: قصفٌ تمهيديّ لمواقع الأعداء، أعداء لم يبقَ من سلاح معهم حتى الزهورَ والدعاءَ والقلوبَ الخائفة، حينها تنادى من نجا منهم من القصف للفرار تاركينَ موتاهم تحت الرّكام، فلا وقت أثناء المجزرة للبكاء على الشهداء ولا وقت لدفنهم، لقد تكفّلت القذائف بذلك، وما ينبغي على الأهالي إلا أن يقولوا: شكراً للقذائف التي أكرمت قتلاهم بدفن سريعٍٍ، أَوَليسَ إكرام الميت دفنه؟! وتقاطروا إلى ساحة البلدة ليمتطوا أملا بالنّجاة بعيداً عن أرض الموت، ولكنْ ما دَروا أنّ موتاً احتياطيّاً قد أُعدَّ لهم. كان بانتظارهم حقدٌ طائفيّ، حقدٌ لا يخفف منه إلا ذبح الأطفال والنساء ثم إحراق جثثهم، حقدٌ خطُّوا مفرداته بالسكين على الرقاب والأجساد ووقّعوا عليها حرقاً باسم من قالوا لأجله: (الأسد أو نحرق الجسد)، فحرقوا البلد وحرقوا أجساد أهلها، وحرقوا قلوب ومن تبقّى منهم بالحزن والدمع والحسرات.

لم يكتفوا بذلك فاجتاحوا البيوت، وأجهزوا على ما بقي فيها من حياة.

كان الرصاصُ يعربدُ في الأجساد، والنارُ تبتلع البيوتَ وما تحويه.

دخلوا بيتاً، تضرّعَ لهم أبٌ: لا تقتلوا طفلي، كان الرّد ُّ صلية رصاص اخترقتهما معاً، نهض الأب متجها نحو الجندي فعاجله بصلية ثانية، فسقط كما تسقط صخرةٌ من قمة جبل، لكن ّ الخوف والحقد لم يهدآا في الجندي حتى استلّ مديته وفصل الرأس عن الجسد.

في بيتٍ آخر امرأة طرحوها أرضاً، فالتصقَ الخوف النّابت ُمن عينيها على نصل مديةٍ ارتسم ظلُّها على رقبتها قليلاً، ثم غاص الظلّ بعيداً في الحنجرة .. وتدور الدّائرة من بيت إلى بيت.. بيت آخر وقتلٌ آخر..وذبحٌ ودمارٌ وحرق ..تطهير يطال كل الأعمار.

لم يطفئ كل ذلك نارَ حقدهم، ما زال في قلوبهم متسعٌ من الحقد إن لم يفْرِغوه قَتلَهم. نقلوا المجزرة إلى (رأس النبع) في "بانياس" وعكّرت الدبابات النبع في ذلك الحي الصغير شقيق "البيضا" في الطيبة والبساتين والأمواج.

وطن ٌ مفخّخ ٌ بالمجازر والقهر، تاريخهُ الأسديّ: مجزرة تقودكَ إلى مجزرة، يا وطناً كان بحجم الكون، وصار بحجم مقبرة.

اليوم َ..وبعد سبع سنوات من المجزرة، هناك في جغرافيا بعيدة تشكّل بلاد الشّتات، يستذكر ناجيانِ ما حصل يومها، ثم يغيبهما صمت ثقيل بين الفينة والأخرى.

يلتفت أحدهما للآخر ويقول: - مابكَ هل تبكي؟ أنا لاأبكي.

- فلماذا إذن كلّ هذي الدّموع على وجنتيك ؟!

ليس َ بكاء ..إنّما مجرّدُ صور مرّت في البال، فلا تلتفتْ لدموعي ..

سليمان النحيلي - زمان الوصل
(112)    هل أعجبتك المقالة (99)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي