أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لا تعيدوا إنتاج الطريق الذي قاد سوريا إلى ضياع الدولة

من دمشق - الأناضول

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يكون الخطر فيها خارج الحدود، بل داخل العقول. فالمرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا اليوم لا تواجه تحدي إعادة بناء المؤسسات فحسب، وإنما تواجه امتحاناً أكثر صعوبة: بناء ثقافة سياسية جديدة، تتخلص من إرث الانقسامات الذي لازم الحياة العامة لعقود طويلة.

إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه النخب السياسية هو أن تدخل مرحلة التأسيس بعقلية المراحل التي قادت إلى الانهيار. فالتاريخ لا يعيد نفسه لأن الوقائع تتكرر، بل لأن البشر يكررون طريقة التفكير ذاتها، ويظنون أن الأدوات التي صنعت الأزمة قادرة على صناعة الحل.

اليوم، لا يبدو الخطر في اختلاف وجهات النظر، فالاختلاف ظاهرة صحية في أي مجتمع حي، وإنما في ولادة اصطفافات وتكتلات غير معلنة داخل مؤسسة يفترض أن تكون عنواناً لوحدة السوريين. فحين يصبح الانتماء إلى مجموعة أو تيار أو دائرة نفوذ هو المحرك الأساسي للمواقف، تتراجع فكرة الدولة، ويصبح الصراع على المواقع أهم من التنافس في خدمة الناس.

المشكلة أن بعض النخب ما زالت تستحضر تجارب سياسية سابقة وكأنها نماذج نجاح، بينما تثبت قراءة نتائجها أنها كانت أحد أسباب انهيار الحياة السياسية السورية. فالذاكرة التي لا تخضع للنقد تتحول إلى عبء، لأنها تعيد إنتاج الأخطاء بثقة أكبر. وما لم نمتلك شجاعة الاعتراف بأن كثيراً من تجاربنا السياسية انتهت إلى الفشل، فسنبقى ندور في الحلقة نفسها مهما تغيرت الشعارات.

ويقدم التاريخ السوري مثالاً صارخاً على ذلك في تجربة الرئيس الأسبق أمين الحافظ. فقد وصل إلى السلطة عام 1963 ضمن تحالفات متعددة، شارك فيها قوميون وناصريون وبعثيون، لكن هذا التحالف لم يصمد طويلاً. سرعان ما تحولت الشراكة إلى صراع، وأصبح الإقصاء بديلاً عن التوافق، واختارت السلطة مواجهة خصومها بالقوة بدلاً من السياسة.

ومع احتجاجات حماة عام 1964، ثم أحداث دمشق عام 1965، دخلت الدولة في مواجهة مباشرة مع المجتمع، واستخدمت القوة العسكرية في قمع الاحتجاجات، في مشهد ترك آثاراً عميقة في الوعي السوري. لكن المفارقة أن من اعتقد أن القبضة الأمنية ستحمي سلطته، لم يلبث أن اكتشف أنها لم تحمه حتى من شركائه داخل الحكم.

ففي الوقت الذي كانت فيه السلطة منشغلة بإدارة الصراع مع المجتمع، كانت موازين القوة داخل حزب البعث تتغير بهدوء. توسع نفوذ اللجنة العسكرية بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد، حتى انتهى الأمر بانقلاب شباط 1966 الذي أطاح بأمين الحافظ نفسه. وهكذا، لم تنقذه القوة التي استخدمها، ولم يحمه إقصاء خصومه، بل وجد نفسه أول ضحايا الصراع الذي شارك في صناعته.

هذه التجربة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حادثة تاريخية، بل باعتبارها درساً سياسياً بالغ الأهمية. فالدولة لا تستقر عندما تنتصر كتلة على أخرى، ولا تُبنى عندما تتحول مؤسساتها إلى ساحات اصطفاف. وكل مرة يصبح فيها الانتماء السياسي أو الأيديولوجي مقدماً على الانتماء للدولة، تبدأ المؤسسات بفقدان دورها الجامع، ويصبح الانقسام هو القاعدة لا الاستثناء.

ومن هنا، فإن أي ميل إلى تشكيل تكتلات ذات طابع حزبي أو أيديولوجي داخل مجلس الشعب لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد ممارسة سياسية عادية. فالمرحلة الانتقالية لها خصوصيتها، والإعلان الدستوري رسم إطاراً واضحاً لتنظيم الحياة العامة، وأي انحراف عن هذا الإطار لا يؤثر في أداء المجلس فقط، بل يفتح الباب أمام إعادة إنتاج البنية السياسية التي أوصلت البلاد إلى عقود من الاحتكار والصراع.

ولعل اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية بأعضاء مجلس الشعب يمكن فهمه في هذا السياق. فلم يكن الهدف فرض توجهات أو صناعة اصطفافات جديدة، بل توجيه رسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تريد إعادة إنتاج الحياة الحزبية التي مزقت السوريين، وأن مسؤولية المرحلة تقتضي أن يكون الولاء للدستور والدولة، لا للتكتلات والمجموعات. والمفارقة أن الدولة لم تفرض على الأعضاء قائمة موحدة، ولم تُنشئ كتلًا موالية لها، بل تركت لهم حرية التوافق، وهو ما يجعل مسؤولية الحفاظ على وحدة المجلس تقع أولاً على عاتق أعضائه.

إن المهمة الملقاة على عاتق مجلس الشعب اليوم ليست منافسة على رئاسة لجنة أو موقع إداري، وليست اختباراً لقدرة هذا الفريق أو ذاك على جمع الأصوات، بل هي مهمة تأسيسية بكل معنى الكلمة. فالمجلس مطالب بترسيخ الشرعية، وصياغة تشريعات تؤسس للدولة الجديدة، وممارسة رقابة مسؤولة، وترسيخ ثقافة تقوم على الكفاءة والبرنامج، لا على الولاءات والانقسامات.

لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً عندما تحولت السياسة إلى صراع تكتلات، وعندما ظن كل فريق أن إضعاف الآخر هو الطريق إلى تعزيز موقعه. لكن التاريخ أثبت أن الجميع خسر، بينما بقيت الدولة هي الضحية الأكبر.

اليوم، تقف سوريا أمام فرصة مختلفة. فإما أن تتعلم من تاريخها، وتبني مؤسساتها على أساس الشراكة والمسؤولية وسيادة القانون، وإما أن تسمح بعودة العقلية التي أوصلتها يوماً إلى الانقسام والاستبداد.

إن الأمم لا يحميها الإجماع المصطنع، ولا تدمرها الآراء المختلفة، وإنما يحدد مصيرها شكل إدارة هذا الاختلاف. وإذا كان الماضي قد علّم السوريين شيئاً، فهو أن الطريق الذي يبدأ بالتكتلات الضيقة كثيراً ما ينتهي بدولة أضعف، ومجتمع أكثر انقساماً، وسلطة يحتكرها من كان الأكثر قدرة على استثمار خلافات الآخرين. 

زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي