أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حين يتحول الموروث السياسي إلى عبء على المستقبل: مجلس الشعب مثالاً

​ليست كل الأزمات السياسية وليدة اللحظة، فبعضها يمتد بجذوره عميقاً في الثقافة السياسية التي تتوارثها الأجيال دون مراجعة أو نقد. وأخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة في مرحلة إعادة البناء هو أن تدخل المستقبل بعقلية الماضي، وأن تُدار مؤسساتها بمنطق تشكّل في ظروف الانقسام والصراع، لا بمنطق الدولة الحديثة.

​لا يزال جزء من النخب السياسية يتعامل مع الشأن العام بعقلية "تقاسم الكعكة"، حيث يُنظر إلى المواقع والتمثيل باعتبارها حصصاً يجب توزيعها بين كتل أو مناطق أو تيارات، لا مسؤوليات تُمنح وفق الكفاءة والقدرة على خدمة المصلحة العامة. هذه الذهنية لا تبدو مجرد اختلاف في الرأي أو تنوع في الاجتهاد، بل تعكس إرثاً سياسياً أنتج في مراحل سابقة حالة من الاستقطاب الدائم، حتى أصبح الانتماء إلى المجموعة أهم من الانتماء إلى الدولة.
​إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود تباين سياسي، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع، وإنما في تحويل هذا التباين إلى صراع صفري، يُبنى على إضعاف الآخر وتشويه صورته، بدلاً من التنافس على تقديم حلول أفضل. وعندما تصبح السياسة ساحة لتصفية الحسابات وتقاسم النفوذ، تتراجع فكرة الدولة نفسها أمام حسابات الأفراد والجماعات.

​والتاريخ السوري يقدم درساً واضحاً في هذا السياق؛ ففي خمسينيات القرن الماضي، دخلت القوى السياسية في دوامة من الصراعات والاستقطابات المتبادلة، وانشغلت بمعاركها الداخلية أكثر من انشغالها ببناء مؤسسات مستقرة. لم يكن كل طرف يدرك أن إضعاف خصمه سيؤدي في النهاية إلى إضعاف الجميع. ومع استمرار الانقسام، تهيأت البيئة التي سمحت بانقلاب آذار عام 1963، لتدخل البلاد مرحلة الحزب الواحد التي استمرت لعقود طويلة.

​إن قراءة تلك المرحلة لا ينبغي أن تكون بهدف توزيع المسؤوليات التاريخية، بل لاستخلاص الدرس الأهم: الفرقة السياسية غير المنضبطة لا تنتج غالباً طرفاً منتصراً، بل تخلق فراغاً تستفيد منه القوى الأكثر قدرة على احتكار السلطة. وعندما تنهار الثقة بين القوى الوطنية، تصبح الدولة نفسها هي الخاسر الأكبر.

​ومن هنا تبرز خطورة استحضار بعض التجارب السياسية السابقة بوصفها نماذج يمكن تكرارها؛ فالذاكرة السياسية ليست مقدسة، وكل تجربة يجب أن تخضع للمراجعة والنقد. فهناك فارق كبير بين الاستفادة من التاريخ وبين إعادة إنتاج أخطائه، واستدعاء تجارب انتهت إلى الانقسام أو الفشل على أنها نماذج ناجحة، يعني عملياً نقل أسباب الإخفاق إلى الحاضر.

​إن الذاكرة التي لا تُراجع تتحول من مصدر للعبرة إلى عبء على المستقبل. فالأمم لا تتقدم لأنها تحفظ تاريخها فقط، بل لأنها تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائه، ثم تبني مساراً مختلفاً يتجاوزها. أما تكرار الأدوات ذاتها، والعقليات ذاتها، وأساليب العمل ذاتها، فلا يمكن أن يقود إلا إلى نتائج مشابهة.

​ولهذا، فإن المرحلة الراهنة تتطلب تجاوز ثقافة المحاصصة والانقسام، والانتقال إلى ثقافة الدولة والمؤسسات، حيث تكون الكفاءة والمسؤولية والمصلحة الوطنية هي معيار العمل العام. فبناء المستقبل لا يبدأ من إعادة توزيع المواقع، وإنما من مراجعة الأفكار التي أوصلت البلاد في الماضي إلى لحظات الانقسام والضعف.

​لقد أثبت التاريخ أن أخطر ما يهدد الدول ليس الاختلاف في حد ذاته، بل تحويل الاختلاف إلى مشروع دائم للصراع. وعندما تدرك النخب هذه الحقيقة، يصبح الماضي مصدراً للحكمة، لا وصفة لإعادة إنتاج الأزمات. 

زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي