يُعدّ الموقف الذي اتخذه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خلال فترة توليه الحكم (خاصة مع اندلاع الثورة السورية في عام 2011) أحد أكثر المواقف وضوحًا وحسمًا في السياسة الخارجية القطرية. فقد تبنت قطر بقيادته نهجًا مباشرًا في دعم تطلعات الشعب السوري، مما جعل الدوحة لاعبًا محوريًا في الملف السوري على المستويين الإقليمي والدولي.
وتمحور دور دولة قطر تجاه سوريا خلال تلك المرحلة حول عدة ركائز أساسية: الدعم السياسي والدبلوماسي: إذ كانت قطر من أوائل الدول التي طالبت بوقف العنف ضد المدنيين، وقادت حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا في الجامعة العربية والأمم المتحدة لتدويل القضية السورية، والضغط لعزل النظام السوري سياسيًا.
واحتضنت الدوحة فصائل المعارضة السورية، وساهمت في جهود توحيد صفوفها تحت مظلة "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، معتبرةً إياه الممثل الشرعي للشعب السوري.
وعلى مستوى الدعم الإنساني، قدمت قطر مساعدات إنسانية واسعة النطاق لملايين النازحين واللاجئين السوريين في الداخل السوري ودول الجوار، عبر مؤسساتها الخيرية والهلال الأحمر القطري.
وعلى الصعيد الإعلامي، لعبت قناة "الجزيرة" دورًا بارزًا في تغطية أحداث الثورة السورية، مما ساهم في إبقاء الملف السوري في صدارة اهتمام الرأي العام العالمي، وهو ما اعتُبر جزءًا من "القوة الناعمة" التي استثمرتها السياسة القطرية.
رؤية المحللين والسياسيين حول هذا الدور
تباينت القراءات السياسية حول طبيعة وأهداف الدور القطري في سوريا، ويمكن تلخيص أبرز هذه الآراء في اتجاهين:
- الرؤية المؤيدة (الدور الأخلاقي والقومي)
ويرى أنصار هذا التوجه، وهم غالبًا من السياسيين والمحللين العرب، أن سياسة الشيخ حمد بن خليفة كانت نابعة من:
مبدأ "نصرة الشعوب": ويذهب هؤلاء إلى القول إن قطر اتخذت موقفًا أخلاقيًا متسقًا مع تطلعات الشعوب العربية في الحرية والكرامة، معتبرين أن تدخلها كان ضرورة لإنقاذ السوريين من القمع.
وبحسب محللين، فإن قطر سعت عبر دعم الثورة السورية إلى تعزيز دورها كقوة إقليمية فاعلة، قادرة على التأثير في الجغرافيا السياسية للمنطقة بعيدًا عن القوى التقليدية المهيمنة.
وعلى الجانب الآخر، تذهب تحليلات لسياسيين وخبراء دوليين إلى قراءة مختلفة، تركز على:
صراع المحاور، حيث يرى بعض المحللين الغربيين والإقليميين أن دعم قطر للمعارضة السورية كان يهدف إلى تغيير موازين القوى في المنطقة وتقليص النفوذ الإيراني في سوريا.
ويشير بعض الخبراء إلى أن قطر أرادت حجز مقعد دائم لها كلاعب دولي لا يمكن تجاوزه في الأزمات الكبرى، مستخدمةً إمكاناتها المالية والإعلامية لإدارة الملف السوري كجزء من استراتيجية خارجية طموحة.
وفي هذا السياق، يرى المحلل "خلدون الخن" أن موقف الشيخ حمد بن خليفة من الثورة السورية كان من أبرز محطات سياسته الخارجية، حيث قاد موقفًا عربيًا داعمًا للمعارضة السورية منذ انطلاقتها في عام 2011.
وأيد الأمير الراحل مطالب الشعب السوري في الحرية والتغيير، واعتبر أن "التاريخ سوف يشهد لمن وقف مع الشعب السوري في محنته".
وفي قمة الدوحة العربية عام 2013، دعا إلى منح مقعد سوريا للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.
كما انتقد بشدة تقاعس المجتمع الدولي عن وقف المأساة الإنسانية، معتبرًا أن "عدم التحرك لإنهاء معاناة الشعب السوري لم يعد مقبولًا".
وخلاصة القول، إن الدور الذي لعبه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تجاه سوريا سيظل محط اهتمام في كتب التاريخ السياسي المعاصر.
وسواء تم النظر إليه كـ"انحياز مبدئي لقضايا الشعوب" أو كـ"تحرك استراتيجي لترتيب موازين القوى"، فإن الثابت هو أن السياسة القطرية في تلك الفترة نجحت في تحويل قضية الشعب السوري من شأن داخلي إلى معضلة دولية كبرى، مما وضع الدوحة في قلب الحراك السياسي العالمي لسنوات طويلة.
فارس الرفاعي - زمان الوصل

تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية