أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بين التكتلات والواجب التأسيسي... مسؤولية اللحظة قبل إغراء الاصطفاف

تمر الدول في المراحل الانتقالية باختبارات دقيقة، لا تقاس فقط بقدرتها على إصدار القوانين أو تشكيل المؤسسات، وإنما بقدرتها على إنتاج ثقافة سياسية جديدة تتجاوز أخطاء الماضي. وأخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه اللحظات هو أن تعود الممارسات القديمة بثوب جديد، فتُستحضر تجارب أثبتت فشلها، ويُعاد إنتاج الاصطفافات التي كانت سبباً في إضعاف الدولة لا في بنائها.

المشكلة لا تكمن في تعدد الآراء أو اختلاف الرؤى، فهذا أمر طبيعي وصحي، وإنما في تحويل المجلس إلى مساحة لتشكيل تكتلات ذات طابع أيديولوجي أو ولاءات غير معلنة، بحيث تصبح الهوية الجماعية هي المحرك الأساسي للمواقف، بدلاً من البرامج والكفاءة والمصلحة العامة. عندها يفقد العمل التشريعي طبيعته الوطنية، ويتحول تدريجياً إلى منافسة بين مجموعات تبحث عن النفوذ قبل أن تبحث عن الحلول.

وهنا تظهر خطورة استحضار تجارب سياسية سابقة وكأنها نماذج ناجحة تستحق التكرار، بينما تكشف نتائجها أنها كانت جزءاً من المشكلة. فالذاكرة السياسية التي لا تخضع للمراجعة النقدية تتحول إلى عبء، لأنها تدفع الأجيال الجديدة إلى إعادة إنتاج الأدوات نفسها التي قادت إلى الإخفاق. وما يصلح في ظروف الصراع والانقسام لا يمكن أن يكون أساساً لبناء دولة مستقرة.

كما أن نشوء حالة حزبية داخل مؤسسة يفترض أن تمثل جميع السوريين لا ينعكس على الأداء السياسي فحسب، بل يثير أيضاً أسئلة دستورية تتعلق بطبيعة المرحلة الانتقالية والإطار القانوني الذي يحكم عمل المؤسسات. فاحترام النصوص المنظمة للحياة السياسية ليس مسألة شكلية، بل ضمانة لحماية الدولة من العودة إلى مسارات الانقسام والتجاذب التي عانت منها لعقود.

ولعل ما شهدته المرحلة الأخيرة من لقاء جمع رئاسة الدولة بأعضاء المجلس يحمل دلالة تتجاوز الحدث نفسه. فمثل هذه اللقاءات لا تُقرأ باعتبارها تدخلاً في عمل السلطة التشريعية، بقدر ما تعكس حرصاً على ترسيخ فهم موحد لطبيعة المرحلة ومتطلباتها، عندما تظهر مؤشرات على انتقال النقاش من التنافس في خدمة المصلحة العامة إلى بناء اصطفافات قد تؤثر في وحدة الأداء. والمفارقة أن الدولة لم تفرض على الأعضاء تكتلاً أو توجهاً سياسياً، ولم تدفع نحو ولاءات بعينها، بل أبقت مساحة الاختيار والتوافق مفتوحة، وهو ما يعزز مسؤولية الأعضاء أنفسهم في حماية هذه المساحة من التحول إلى حالة استقطاب.

إن المهمة الحقيقية للمجلس في هذه المرحلة ليست إدارة منافسة على المواقع، بل أداء دور تأسيسي يرسخ الشرعية، ويطوّر الإطار التشريعي، ويمارس الرقابة بروح المسؤولية، ويؤسس لثقافة سياسية تقوم على البرامج والكفاءة وسيادة القانون. فهذه ليست دورة برلمانية اعتيادية، بل محطة تؤثر في شكل الدولة لسنوات طويلة.

وفي مثل هذه اللحظات، يصبح نجاح المؤسسة مرهوناً بقدرتها على تجاوز الحسابات الضيقة، والنظر إلى المسؤولية العامة بوصفها أمانة وطنية. فالدول لا تُبنى بالتكتلات، بل بالمؤسسات؛ ولا تستقر بالولاءات، بل بالالتزام بالقانون وروح الشراكة الوطنية. وكل خطوة تُرسخ هذا الفهم تمثل استثماراً في مستقبل الدولة، بينما كل اصطفاف يعيد إنتاج الانقسام يبدد فرصة يصعب تعويضها. 

زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي